• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : ما هو دين الانبياء؟ الجزء الاول .
                          • الكاتب : مهتدي رضا عباس الابيض .

ما هو دين الانبياء؟ الجزء الاول

كتبت هذا المقال على ضوء الفهم المغلوط الذي يعتقده أهل الأديان السماويّة عن دين الأنبياء أي العقيدة الدّينيّة التي يتبنّاها الأنبياء بالذات في قرارة أنفسهم. فوجدت أنّ المجتمع الإسلاميّ يعتقد أنّ نبيّ الإسلام محمّد(ص) كان مسلماً والأنبياء الذين سبقوه كانوا على ديانات شتّى حسب الشّريعة التي جاءوا بها، أمّا أهل الدّيانة اليهوديّة فيعتقدون أنّ أنبياء بني إسرائيل كانوا يهودا، وأمّا المسيحيّون فيعتقدون أنّ عيسى ويحيى(ع) كانا مسيحيين.
وبالنّسبة لإبراهيم فالمجتمع الإسلاميّ يعتقد أنّه كان موحّداً، وأمّا اليهوديّة فتعتقد أنّه كان يهوديّاً، وقد اكتشفت ذلك عن طريق الملاحظة والتفكير في الوصايا التي أصدرها الله لاحقاً في التّوراة إذ جاء فيه: (إبراهيم أطاع قولي وحفظ أوامري ووصاياي وفرائضي وشرائعي)سفر التكوين 26،5. ومن خلال ذلك اعتقد اليهود أنّ ابراهيم كان يهودياً لأنّه طبّق الوصايا العشر التي وجدت في التّوراة. أمّا المسيحيّة فتعتقد أنّ إبراهيم كان مسيحياً ونجد ذلك عند بولس في الإنجيل، وهو يكتب رسالة إلى أهل غلاطية (6:3-14) بأنّ المؤمنين أولاد إبراهيم والمؤمنون هم نسل إبراهيم الرّوحيّ، وهم ينالون البركة التي نالها ابراهيم. لقد قال المسيح (إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ملكوت السّماوات)(متى 11:8) وكلّ من يقبل المسيح المخلص يصبح إبناً لإبراهيم المؤمن. نفهم من هذا أنّهم يعتقدون أنّ ملّة إبراهيم مسيحيّة. لكن بعد قراءتي للموضوع وجدت أنّ اليهود والمسيح أخذوا دين إبراهيم ظاهرياً وليس بالتّأويل، فنحن نعلم أنّ اليهود والمسيح هم من بني إسرائيل وأنّ إبراهيم جدّ النبيّ اسرائيل (يعقوب) فمن حيث النسل فإنّ إبراهيم ليس من بني إسرائيل بل سبقهم في الوجود وإنّ اليهوديّة والمسيحيّة أديان لبني إسرائيل فقط هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى فّإن التّوراة والإنجيل شرائع اليهود والمسيح نزلت بعد إبراهيم فكيف يكون إبراهيم يهوديّا أو مسيحيا قبل نزول الشّريعة، لذلك يرد القرآن الكريم عليهم (لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ)(آل عمران: 65). 
إن هذه الاعتقادات الآنفة الذّكر أخذتها المجتمعات على المعنى الظّاهري، لكن لو دقّقنا في تلك الاعتقدات لرأيناها خاطئة، فلم يرد في التوراة ماهو دين أنبياء بني إسرائيل فكلّ ما ورد هو أنّ أنبياء بني إسرائيل هم من ذريّة إبراهيم عن طريق إسحاق عن طريق يعقوب، والذي قال الله عن إبراهيم في نبوّة النبيّ إشعياء 41:8 في التّوراة (إبراهيم خليلي). وقد بارك الله في نسل إبراهيم كلّ قبائل الأرض، إذ جاء المسيح من نسل إبراهيم. ويقول الله: (انْظُرُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَبِيكُمْ وَإِلَى سَارَةَ الَّتِي وَلَدَتْكُمْ. لِأَنِّي دَعَوْتُهُ وَهُوَ وَاحِدٌ وَبَارَكْتُهُ وَأَكْثَرْتُهُ)(إشعياء 51:2).
ولو دقّقنا في الدّيانة اليهوديّة أكثر لوجدنا أنّ اليهوديّة جاءت من اسم يهوذا وهو أحد أبناء يعقوب الإثنا عشر، فالهيوديّة عشائريّة أقرب منها إلى الدّيانة، فضلا عن أنّها عشيرة من قبيلة بني اسرائيل فكلّ يهودي هو إسرائيليّ ولكن ليس كل اسرائيلي هو يهودي، أمّا نبيّهم موسى(ع) فهو ينتسب إلى لاوي ابن يعقوب فموسى إسرائيليّ وليس يهودياً وهذا بخلاف ما يراه فرويد في كتابه (موسى والتوحيد) حيث يقول أنّ موسى مصرياً وليس عبرانياً، وبعث إلى بني إسرائيل عموماً وإلى اليهود خصوصاً، يقول سفر الخروج (فاللآن هلّم فأرسلك إلى فرعون وتخرج شعبي بني اسرائيل من مصر. فقال موسى لله من أنا حتى أذهب إلى فرعون وحتى أخرج بني اسرائيل من مصر. فقال إنّي أكون معك وهذه تكون لك العلامة إنّي أرسلتك حينما تخرج الشّعب من مصر تعبدون الله على هذا الجبل)(3: 10 .11. 12).فهنا يدّل على أنّ موسى رسول الله إلى بني إسرائيل ولم يدلّ على أنّه أتى بدين معيّن، فكلّ ما جاء به موسى هو شريعة معيّنة لبني إسرائيل المتمثلّة بالتّوراة. يقول الإنجيل (الرّسالة إلى أهل روميّة 10:5)(موسى يكتب في البدء الذي بالشّريعة إنّ الإنسان الذي يفعلها سيحيا بها).
وأمّا في المسيحيّة، فعيسى(ع) كان من بني إسرائيل، ولُقّب بالمسيح بمعنى الممسوح أو المختار. لقد كان الملوك يمسحون بالزيت علامة على أنّهم اختيروا من الله، يقول فراس السوّاح أنّ المسح هو طقس دينيّ موجود في التّوراة، وأوّل مسح طقوسيّ بالزّيت يصادفنا في كتاب التّوراة هو ما قام به يعقوب في سفر التكوين(الإصحاح 35) عندما نَصَبَ عمودًا (مذبحًا) وسَكَبَ عليه زيتًا في الموضع الذي تراءى له الربُّ فيه، ودعا المكان "بيت إيل". وفي سفر الخروج(الإصحاح 30)، يبيِّن الربُّ لموسى كيفيّة تجهيز زيت المسحة، ويأمره أن يمسح به تابوت العهد وبقيّة الأدوات الطقسيّة، ويحرِّم عليه استخدامَه إلاّ للأغراض الشعائريّة. بعد ذلك، في سفر الخروج(الإصحاح 40)، يأمره أن يمسح أخاه هارون وبنيه كهنةً على إسرائيل. ومنذ ذلك الوقت صار مسح الكهنة طقسًا متَّبعًا حتى نهاية القصّة التوراتيّة. ولدينا مثال واحد عن مسح الأنبياء، وهو ما وَرَدَ في سفر الملوك الأول 19: 16، عندما أمر الربُّ النبيَّ إيليا أن يمسح تلميذه إليشاع نبيًّا بعده قبل صعوده حيًّا إلى السّماء. وعندما ابتدأ عصر الملوك في إسرائيل، صار طقس المسح بالزّيت بمثابة تنصيب رسميّ للشّخص الذي اختاره الربُّ لحكم إسرائيل، وتكريسه للرّسالة المنوطة به تجاه شعب يهوه .أمّا مسيح آخر الأزمنة فقد تنبّأت به التّوراة في سفر إشعيا 9: 6.2، وعندما ولد النبيّ عيسى(ع) آمن بنو إسرائيل أنّه المسيح المنتظر لأنّ قصّة ميلاده نفسها التي تنبّأ بها التّوراة، فنجدهم يقولون له في إنجيل لوقا (أنت المسيح ابن الله!")(4: 41)، إذن فالمسح هو طقس دينيّ حسب التّوراة، فضلاً عن أنّها صفة أطلقت على النبيّ عيسى وليس ديناً من السّماء، فكان عيسى هو المختار والمخلص لليهود لكن بعد ما جاء اختلفوا عليه فمنهم من قال ليس هو هذا المنتظر ومنهم من اتّبعه، وأنشأت الدّيانة المسيحيّة من بعده، كما أنّه أيضا جاء بشريعة مكمّلة للتّوراة اسمها الإنجيل. 
من خلال ذلك نفهم أنّ الأنبياء لم يأتوا بأديان من السّماء وإنّما أتوا بشرائع، وعرفنا أنّ اليهوديّة أصلها عشائري وليس دينيّ، وأنّ المسيحيّة هي طقس وصفة النبيّ عيسى وليست دينا من الله، وأمّا النّصرانيّة وهو الإسم الثّاني للدّيانة المسيحيّة فأصلها من مدينة النّاصرة التي ولد فيها المسيح وتقع في أورشليم فلسطين حالياً، وبعد كل هذا يطرح السّؤال الآتي، إذن ما هو دين الأنبياء؟ فإنتظروا الاجابة في الجزء الثاني. 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=64798
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 07 / 25
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 01 / 20