• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : لقد أبكيتنا يا (شي)! .
                          • الكاتب : فالح حسون الدراجي .

لقد أبكيتنا يا (شي)!

أتيحت لي أمس فرصة مشاهدة الفيلم السينمائي الرائع (شي)، أو (CHE )
المأخوذ من إسم، وحياة المناضل الأممي اللامع (أرنستو شي جيفارا). فهذا الفيلم الذي عرض بجزئين، وأستغرق عرضه أكثر من أربع ساعات ونصف لم يدهشني لوحدي فحسب، بل ادهش أيضاً أفراد أسرتي بمختلف توجهاتهم الفكرية والسياسية والثقافية والدينية والعمرية. وحتماً فإن أسباب إعجابنا، ودهشتنا بالفيلم لم تكن واحدة. فبعضنا أعجب بشخصية (جيفارا) الإنسانية، وبصدقه وجمال روحه وإيمانه المطلق بالإنسان، وليس بغير ذلك.. وبعضنا أدهشته الأحداث الدراماتيكية الكثيرة التي ملأت حياة هذا المناضل الأممي الفذ، بمعزل عن إبداعات وتكوينات الفيلم الإخراجية والتمثيلية والتصويرية الأخرى.. فأولادي (الشباب) مثلاً، أعجبوا بشخصية جيفارا الثورية، خاصة وإنهم يدرسون الآن في أحدى الجامعات الأمريكية حيث يعود اليهم (جيفارا) هذه الأيام بقوة، فبات مفردة لامعة من مفردات الحياة الشبابية والجامعية الأمريكية، وأصبح إرتداء الفانيلات التي تحمل صورة تشي جيفارا (مودة)، ومصدر مباهات للأجيال الشبابية الجديدة في عموم أوربا، وأمريكا. أما زوجتي فقد تأثرت بالنهاية المأساوية لهذا الإنسان المضيء بالفضائل، والمشع بالقيم الروحية النبيلة، بحيث لم تستطع منع دموعها من السقوط..
وإذا كنت انا شخصياً أتعاطف مع جيفارا لأسباب فكرية وعقائدية تاريخية، بإعتباري كنت واحداً من الذين يؤمنون بسمو الفكر الماركسي، وبنزاهة الفكرة الثورية القائمة على تحرير الإنسان قبل تحرير الأوطان، ومؤمنا بإطلاق الروح الإنسانية الحرة في سماوات الخلق الواسعة، كي يحب المرء، وببدع، ويبتكر، ويؤسس حياته دون أية سلطة قمعية، أو قيود إستعبادية.. وهي الأفكار ذاتها التي نذر جيفارا نفسه من أجلها، وأستشهد القائد سلام عادل من أجل تحقيقها، وكذلك الزعيم عبد الكريم قاسم، والأسطورة حسن السريع، وسيدي خيون حسون الدراجي، ومعلمي خالد حمادي، وشاعري الأجمل (أبو سرحان) وغيرهم من شهداء القيم الثورية.. أقول إذا كنت أنا شخصياً أتعاطف مع الفيلم لأسباب معروفة، فلماذا يتعاطف أهلي مع الفيلم، كزوجتي، وأبنائي، وأبنتي التي لم تتجاوز العشرين من عمرها، فهؤلاء جميعاً ليسوا شيوعيين، ولا حتى ماركسيين؟!
أليس الأمر يدعو للدهشة. والتساؤل، والبحث.. وقد يقول لي البعض ان فيلم (شي) الذي جذب أفراد أسرتك لأربع ساعات ونصف نحو شاشة التلفاز دون حراك، ليس بالضرورة أن يكون لأسباب سياسية، او أسباب تتعلق بشخصية جيفارا، وأفكاره، فربما يكون الإخراج الراقي، الذي قدمه المخرج الأمريكي الكبير(ستيفن سودربرغ)، سبب ذلك النجاح، فهذا المخرج البارع نجح في إقتناص الثيمة والسيناريو بمهارة عالية، ونجح في صياغة فيلم مهم، وخطير، بعد أن إشتغل عليه عامين متواصلين، إعداداً وتحضيراً، لينجز لنا فيلماً سينمائياً ممتعاً، يمسك بتلابيب الأسرة، ولا يسمح لأحد فيها مغادرة الشاشة إلاَّ بأذن شخصي منه، فضلاً عن امانته التاريخية، وحفاظه على نصاعة الشخصية، حتى لو كان مختلفاً مع أفكارها!!
وقد يقول البعض، أن الأداء الخرافي للمثل المكسيكي (بيانكو دل تورو)، هو السبب الأبرز في نجاح هذا الفيلم، بعد أن جسَّد هذا الممثل روح الثورة في أعماق الثائر (شي)، ونجح في أيصال أغلب إنفعالات، وعذابات، وإرهاصات جيفارا النفسية القابعة في بئر إلتزامه وإنضباطه الثوري، فكان أداؤه خليطاً فنياً سايكولوجياً، تشكل من سريالية إختلاف الألتزام، وجوهر التمرد، ومن روح الإنسانية العطوفة، الى صرامة المحاسبة الثورية، فكانت معاناته واضحة، خصوصاً حين يتخذ قراراً بإعدام (رفيق) خائن، تسبب بموت أسرة فلاحية، أو بإعدام رفيق ثان لقيامه بإغتصاب بعض الفلاحات في القرى المحيطة بالعاصمة هافانا.. فكانت محنة الممثل المكسيكي أشد من محنة جيفارا، حين أتخذ ذلك القرار الصعب. فالمشكلة لم تكن في إتخاذ القرار، إنما في الحفاظ على توازن المعادلة الأخلاقية.. وأية معادلة هي أصعب من أن تحافظ على قيم الثورة وسمو مبادئها، وتحافظ في نفس الوقت على طهر مشاعرك وأنت تفقد رفيق درب نضالي طويل، عبر إصدارك قراراً لازماً –بإعدام هذا الرفيق. والأصعب حين يكون الرفيق (المعدوم) فلذة روحك، وشريك مبادئك، وقد جاء معك متطوعاً، فتحمل منذ البدء آلام مخاض الولادة الأولى، وحمل مثلك في صدره ألق الثورة، وعذاب الكادحين الموجوعين، وحين ينجح الممثل- أي ممثل كان- في رسم كل هذه المركبات النفسية الصعبة، ويجعلها حقيقة راسخة وليست تمثيلاً، فهذا يعني أنك ترى أمامك الشخصية الحقيقية، وليس الممثل فحسب، وهكذا فعل معنا الممثل المكسيكي (تورو)، حين جعلنا نرى (شي جيفارا) بدمه ولحمه، ولا نرى ممثلاً سينمائياً جاء يؤدي دوره فقط..
وهنا أود أن أطرح سؤالاً مهماً هو، لماذا وكيف عاد الثائر جيفارا الى الحياة السياسية اليوم بهذه القوة، ولم يعد قبل عشر أو عشرين سنة مثلاً، لا سيما وإن عودته لم تكن لأمريكا فقط، إنما عاد الى أغلب شعوب الكرة الأرضية، بعد نصف قرن من غيابه القسري، فهل جاءت عودته للتأكيد على مصداقية قيمه الثورية، والإنسانية التي أستشهد من أجلها؟ وهل يمكن إعتبارها البشرى لعودة الثورات الشعبية الأممية الحقيقية، بعد فشل (ثورات الربيع الوهابي)، المتخلفة، وإنتشار فايروسات داعش السرطانية..؟
أم أن ظروف الثورة العالمية الحقيقية قد نضجت الآن فقط – وليس قبل عشر سنوات، او عشرين سنة – فكان إستقبال أفكار جيفارا، وافلامه، وصوره بهذه الحفاوة، تعبيراً عن هذا النضوج، وعن هذا القبول التاريخي؟
خلاصة القول أن فيلم ( شي) أبكاني.. أبكاني كثيراً..



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=64839
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 07 / 26
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 01 / 26