• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : أخبار وتقارير .
              • القسم الفرعي : أخبار وتقارير .
                    • الموضوع : اجابة سماحة المرجع الديني الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني (دام ظله) على استفتاء حول البناء على القبور .
                          • الكاتب : رابطة فذكر الثقافية .

اجابة سماحة المرجع الديني الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني (دام ظله) على استفتاء حول البناء على القبور

 هل يجوز البناء على القبور مطلقاً، وهل يصحّ بناء المراقد الكبيرة لرسول الله‌صلى الله عليه وآله وسلّم؟ و هل هنا ما يدلّ علي کراهة ذلک حتّي علي قبر النّبي‌صلي الله عليه و آله؟ و ما هو موقفكم من الحركة الوهّابية بهدم القبور، والمنع من تجديدها، فهم يتّهمون سائر المسلمين بذلك بالشرك؟
 
ج. أمّا الکراهة فالجواب عنه حسب الدليل الفني و العلمي استثناء هذه القبور من إطلاق الروايات الدالة على الكراهية، فيكون دليل الكراهة مقيداً، كما صرح به المحقق الهمداني، لأنّ ضرورة النقل و المذهب تقضي برجحان تعمير المشاهد المشرفة و وجوب حفظها عن الاندراس، وتجديد عمارتها وكونها من أعظم الشعائر التي يجب تعظيمها، فضلاً عن شهادة الأخبار بذلك، فعلى هذا ما دلّ على الكراهة، إطلاقه مقيّد بهذه الضرورة المذهبية والأخبار التي تدل بالمطابقة والالتزام على تقييده. ومن جانب آخر نمنع شمول الإطلاق المذكور لهذه القبور المباركة، وذلك لأنّ المستفاد من روايات الكراهة أنّ البناء على القبور يُعدّ نوعاً من التبذير وصرف المال في غير وجهه، لعدم ترتب فائدة على ذلك، ولأنّه يكون معرضاً لإظهار الاستعلاء والمفاخرة والتسابق والتزايد، كما نرى في بعض الأبنية المبنية على قبور الظلمة المستكبرين، وذوي السلطة والثروة مثل تاج محل وغيره من الذين ينبغي أن ينساهم الناس وتمحى آثارهم ومواضعهم الظالمة، ولأنّه موجب لتوهين أصوات سائر الناس من المؤمنين، ولغير ذلك من المصالح والحيثيات الكامنة في هذه الكراهة، التي لا توجد بالنسبة إلى قبور الأنبياء والأئمة وعلماء الدين، فلا تشمل مثل هذه الكراهة قبور أُولئك الذين يفتخر الدهر وتاريخ الإنسانية بهم، ويجب الاهتمام بحفظ آثارهم وتخليد أسمائهم وأماكنهم ليكونوا أُسوة للناس على مرور الأعصار والأدوار. والعقل يحكم بأنّه لا ينبغي نسيان الشخصيات الذين خدموا المجتمع خدمات جليلة، ويجب أن تُخلّد أمجادهم، وأن يذكرهم الناس بخير ويقدّروا جهودهم في سبيل إعلاء كلمة الإسلام. فهل ترى شمول هذه الكراهية للبناء على قبر مثل جعفر بن أبي طالب، و زيد بن حارثة، وعبدالله بن رواحة، حتى لا ينسى الدهر والتاريخ أشخاصهم ولا ينسى موقعة مؤته؟!
وهل لبقاء قبورهم ومشاهدهم إلى زماننا هذا، معنى غير إعلان شرف للأُمّة وإثبات لخلوص النية، وشهادة لما دوّنه المؤرخون في صفحات التاريخ.
وهل تجد رمزاً أصح لواقعة مؤتة وتضحية هؤلاء الأعزة بنفوسهم في سبيل الله تعالى، من مشاهدهم وقبورهم هناك؟ فواجب الأُمّة دينياً وعقلياً هو الاحتفاظ بتلك القبور، وتعظيم تلك المشاهد، فإنّها من الدلائل العينية لصحة التاريخ، التي هي أقوى من المنقولات التاريخية.
فلو اكتفى بالتواريخ القرطاسية يصير التاريخ بمرور الأيام وطول الأزمنة معرضاً للشك والإنكار، و كما ترى الآن أنّ بعض الباحثين يبدون الشك في وجود بعض الأنبياء العظام، لأنّه لا يوجد له مرقد ومشهد وأثر في العالم الخارجي.
و أمّا توهّم الشرک بذلک فلم يتوهمه احد من المسلمين؛ علمائهم و اجلائهم في تلک القرون التي مضت علي القبة الخضراء فيه النبي الاعظم صلي الله عليه و آله. وقد كان من أكبر الجرائم على تاريخ الإسلام، هدم مشاهد أهل بيت النبي‌صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم من أعلام تاريخ عصر النبوة من شهداء الغزوات والسرايا والصحابة، في الحرمين الشريفين، فقد كان الحرمان الشريفان بما فيها من هذه المشاهد والآثار العينية التاريخية تجسيداً لتاريخ الإسلام أمام الناظرين من الأجيال والباحثين في التاريخ.
فرسول الله محمد بن عبد الله المبعوث رحمة إلى كل العالمين، هذا هو قبره الشريف المبارك، وأبوه عبد الله وأُمّه آمنة، هناك قبرهما، وأُمه الرضاعية حليمة السعدية، هذا هو قبرها، وعمه وحاميه والدافع عنه والذي كان يؤثره على أولاده، هذا قبره، وزوجته المؤمنة البارّة به وناصرته والمؤيدة له السيدة خديجة أُم المؤمنين، صاحبة المواقف الكريمة في مبدأ بزوغ شمس الإسلام، هذا قبرها، وعبدالمطلب جده الذي كان شريف القوم وعظيم مكة، هذا قبره، وفاطمة بنت أسد كفيلة النبي عليهم السلام، هذا قبرها في المدينة، وحمزة سيد الشهداء عمه، هذا مشهده في أحد. وهذا مكان ميلاد النبي‌صلى الله عليه وآله وسلم الذي خرّبوه وبنوا مكانه مكتبة باسم مكتبة مكة المكرمة ثم أرادوا تخريبه نهائياً ليمحو أثر ميلاده صلى الله عليه وآله وسلم.
هذه المشاهد التي سمّيناها، وسائر المشاهد المحمدية التي كانت تاريخنا فقضوا عليها، و نفوها عن صفحة ‌الوجود بما لم يقض أجهل آحاد امة على تاريخها.
ولذا فإنّ كل باحث في تاريخ الإسلام يعتبر أنّ هدم هذه الآثار من أكبر الجرائم على تاريخ الإسلام، الذي كان مقروناً بتلك الشواهد العينية والمزارات المباركة التي بقيت طوال أربعة عشر قرناً وكانت لا تزال إلى قبل هذه الهجمة الخشنة الوحشية تحكي للعالم مواقف الرسول الأعظم‌صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه. قد تعاهدها المسلمون من عصر الصحابة والتابعين، بتشييدها والمحافظة عليها و زيارتها. والآن لا تجد من كل تلك المشاهد إلا قبة النبي‌صلى الله عليه وآله وسلم، و روضته المقدسة المباركة المتروكة ليلاً بلا مصباح، والممنوع على المسلمين أن ينظروا إلى داخلها، والحال أن قلوب أكثر من ميليار مسلم (ما عدا هذه الفئة المستحدثة الظهور ارتكبت هذه الجريمة المنكرة) تتشوق إلى زيارتها واستلامها وتقبيلها، حباً لصاحبها الذي يعتقدون أنّه عبدالله و رسوله، ولسان حالهم هذان البيتان:
أمرّ على الديار ديار ليلى                   أُقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبّ الديار شغفن قلبي                 ولكن حبّ من سكن الديارا
كل هذه الخسارات نزلت بالإسلام والمسلمين باسم التوحيد والنهي عن الشرك والبدعة والتهمة الموجهة إلى الموحّدين المخلصين، الذين هم براء من الشرك و أبعد منه من المشرق عن المغرب.
          واللازم مطالبة المسؤولين القائمين على إدارة أُمور الحرمين الشريفين أن يعيدوا هذه المشاهد والمواقف المهدومة ويحتفظوا بها، فلا يليق بمن درس في الجامعات وعرف خطر وقوع هذه الآثار في معرض الضياع والنسيان متابعة عدة قليلة من الجهلة الجامدين، الذين لايعرفون من الشريعة السمحاء السهلة غير ما بنوا عليه تعصبهم ومنعهم الناس عن التقدّم الصناعي، حتى كانوا يرون الكهرباء والتلغراف والراديو وسائر مظاهر التمدّن بدعة.
          ومن جانب آخر نقول: إنّ هذه المشاهد الشريفة من البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وأن يعبد الله فيها وبيت علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، قد أخرج المحدث الشهير ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريدة قال: قَرَأَ رَسُولُ اللهِ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ أَيُّ بُيُوتٍ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: بُيُوتُ الْأَنْبِيَاءِ. فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُوبَكْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَذَا الْبَيْتُ مِنْهَا وَ أَشَارَ إِلَى بَيْتِ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ ع؟ قَالَ: نَعَمْ مِنْ أَفْضَلِهَا.(۱)
وأمّا مسألة التزيينات فلا أرى فيها بأساً، وإلاّ فإن فتح باب المنع من ذلك تجاوز عنها إلى غيرها كتشييد مباني المسجدين وبنائها بهذه الصورة الفخيمة التي تزيد على التزيينات المذكورة بأضعاف مضاعفة.
نعم، زخرفة المساجد بتذهيبها منهيٌّ عنه، وهي مختصة بخصوص التذهيب لا بتزيينها بمثل القاشي وغيره، ولا يتعدى النّهي من التذهيب إلى غيره.
 
* (۱) بحار الانوار، ج۲۳، ب۱۹.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=67536
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 09 / 20
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 07 / 19