• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : قضية رأي عام .
              • القسم الفرعي : شبهات وردود .
                    • الموضوع : السيد المسيح لا يُدر خده لصافعه. .
                          • الكاتب : مصطفى الهادي .

السيد المسيح لا يُدر خده لصافعه.

كل الانبياء يبدأون دعوتهم سلميا إلى أن يقف بعض الطغاة بوجه هذه الدعوة فيلجأون إلى الدفاع عنها باستخدام وسائل الدفاع المشروعة ، والسيد المسيح ايضا بدأ دعوته مسالما سلميا ، ولكنه في مرحلة من مراحل الدعوة امر اصحابه بأن يشتروا السيوف وتشدد في ذلك حتى أنه قال : (من لم يجد مالا فليبع ثوبه ويشتري سيفا).(1).
ان المسيح امر اتباعه في بداية الدعوة بأن لا يستخدموا السيف وهذا هو شأن كل نبي ولكن في أيامه الأخيرة حيث وصل الاضطهاد إلى الذروة أمرهم بشراء السيوف ولذلك نرى تلاميذ السيد المسيح كانوا يحملون السيوف عندما يكونوا معهُ كما نرى ذلك واضحا في إنجيل لوقا 22: 38 عندما اقترب منه الجند سأل عن السيوف :(فقالوا: يا رب، هوذا هنا سيفان. فقال لهم: يكفي). وعندما اقترب الجند واليهود لاعتقاله استعدوا للدفاع عن السيد المسيح لا بل استخدموا السيوف كما نرى ذلك فيإنجيل متى 26: 51 (وإذا واحد من الذين مع يسوع مد يده واستل سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة، فقطع أذنه).

لا بل أن يسوع كان فائق الشجاعة حيث يتحدى الدولة الرومانية واليهود فيدخل الهيكل ويُطهره منهم كما نرى ذلك في إنجيل متى 21: 12(ودخل يسوع إلى هيكل الله وأخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل، وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام وقال لهم: مكتوب: بيتي بيت الصلاة يدعى. وأنتم جعلتموه مغارة لصوص!).فمن كان يقلب طاولات اليهود ويطردهم من الهيكل لا يوصف بالجبن والخنوع وهذا يتماشا مع عودة السيد المسيح الثانية التي سوف يخوض فيها حربا ضروسا مع الذي سينتحل شخصيته (المسيح الدجال). ويكون عضدا لأقوى شخصية اصلاحية سوف تظهر في اليوم الموعود ذلك هو المهدي المنتظر .
فلم يكن السيد المسيح مسالما بالمعنى الذي تفهمه المسيحية هذه الأيام من أنه الوديع والحَمل او الخروف الذي يدير خده لضاربه ويعطي ثوبه لسالبه، بل سيكون قائدا شجاعا فاتكا مع المهدي لانقاذ البشرية من الظلم ويرد على أعدائه، شجاعا لا يقبل بالظلم ، فإذا كان المسيح كذلك فلماذا يأمر الناس بأن يديروا الخد الثاني (لصافعهم)؟؟ هذا اضافة إلى أننا نراهُ في نفس الإنجيل لايقبل بذلك ويعترض على من يضربه وقد بان اعتراضه في نصوص كثيرة سنستعرض بعضا منها.هذا اضافة إلى أن المثل التوراتي الذي يقول : (عينا بعين، وسنا بسن، ويدا بيد، ورجلا برجل، وكيا بكي، وجرحا بجرح، ورضا برض). فتنزعون الشر من وسطكم. ويسمع الباقون فيخافون، ولا يعودون يفعلون مثل ذلك الأمر الخبيث.(2)
هذا المثل لم ينسخهُ السيد المسيح كما يتوهم البعض بل أقره لأنه ( لم ينقض الناموس) وأمر بعدم نقض الناموس (3) لأنهُ من (الأحكام الردعية) التي تكفل حقوق المعتدى عليهم، واضافة إلى ذلك فقد اطلق المسيح قوله المشهور الذي يقول فيه كما في إنجيل لوقا 6: 29 (وكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضا بهم هكذا). وتطبيقا لهذا القول إذا أراد شخص ان يصفعنا وجب علينا ان نرد إليه الصفعة لأنه ليس كل الناس يُريد لنا وبنا خيرا.
بناءا على ذلك فإن نسبة القول (من ضربك على خدك فأدر لهُ الآخر) إلى المسيح لا يصمد أمام بقية النصوص التي تتكلم بوضوح عن رفضه لكل اشكال الظلم، ولو كان المسيح فعلا قال هذا القول لقام بتطبيقه حرفيا ولأدار خده لكثير من الذين صفعوه او لطموه او ضربوه، ولكننا نرى أن المسيح احتج على من ضربه او لطمه على وجهه وهذا من أوضح الواضحات التي ذكرها الإنجيل ، فلم نر منه اي تطبيق لهذا المثل الذي يذكرهُ الإنجيل، ولم نسمع أنه قام بتسليم خده للصفع. النص يقول كما نرى في إنجيل لوقا 6: 29 (من ضربك على خدك فاعرض له الآخر أيضا).

لقد تعرض المسيح للضرب مرارا ولكنه لم يدر خده ابدا ولم يسكت ففي إنجيل لوقا 22: 64 كانوا يسخرون منه ويضربوه (وكانوا يضربون وجهه ويسألونه قائلين: تنبأ! من هو الذي ضربك؟).

وفي إنجيل متى 26: 68 كانوا يبصقوه عليه ويضربوه (حينئذ بصقوا في وجهه ولكموه، وآخرون لطموه قائلين: تنبأ لنا أيها المسيح، من ضربك؟).

لا بل أن بولص كان يرفض تطبيق هذا المثل ويرد بالمثل كما نرى في رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 11: 20 (إن كان أحد يضربكم على وجوهكم! على سبيل الهوان ... أنا أيضا أجترئ فيه). يعني أنه سوف يرد عليه ضربته.

والآن نعود إلى السيد المسيح حيث نراه في نص واضح يرفض الصفع ويحتج عليه كما نرى في إنجيل يوحنا 18: 22 ( لطم يسوع واحد من الخدام كان واقفا، قائلا: أهكذا تجاوب رئيس الكهنة؟ أجابه يسوع: إن كنت قد تكلمت رديا فاشهد على الردي، وإن حسنا فلماذا تضربني؟). فلم يدر له السيد المسيح خده الآخر، بل احتج على ضاربه. (4)

إن اليهود امة جبانة قضت كل أيامها خائفة نتيجة لسوء اعمالهم ولهذا السبب عمدوا إلى دس هذا النص الذي يدعوا الناس إلى الخنوع والاستسلام إلى ضاربيهم ومضطهديهم فأمثال هذه النصوص إذا تم الباسها ثوب القداسة وتم نسبها إلى الله فإن الناس سوف تمتثل وتبقى الامم ذليلة خانعة. وأكثر من يستفيد من امثال هذه النصوص هم الحكام والطواغيت الذين يخشون ثورات الشعوب ولم يكن هذا حكرا على المسيحية وحدها بل تسللت امثال هذه النصوص القاتلة للهمم إلى الاسلام أيضا حيث نرى وبكل وضوح امثال هذه الاحاديث مثل قول الحديث الذي يزعم أن النبي محمد أمر امته بأن لا ترد على الحاكم حتى لو سلبهم مالهم او ضربهم على ظهورهم جلدا بالسياط . (5)

المصادر والتوضيحات:
1- إنجيل لوقا 22: 36. (ومن ليس له فليبع ثوبه ويشتر سيفا).
2- سفر الخروج 21: 24 وسفر التثنية 19: 21.

3- كما نرى ذلك واضحا في إنجيل متى 5: 17ــ 18 (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس). فإذا كانت السماء والأرض تزولا ولا يزول حرف واحد ، فما بالك بحذف نص كامل من الناموس.
4- عند مراجعتي للتفاسير المسيحية لهذا النص ( من لطمك على خدك) وجدته تبرير متهافت مليئ بالاهانة للناس فهم يُفسرون عدم رد السيد المسيح على صافعه بأنه تخالصا من مشاكل المحاكم وشراء الراحة من مشاكل القضاء (المهم هو الفهم الروحي وليس التطبيق الحرفي، فالسيد المسيح حين لُطِمَ قال للعبد الذي لطمه لماذا تضربني؟ نفهم من كلام السيد هنا هو أن لا نهتم بدرجة كبيرة بحقوقنا الشخصية والتسامح مع حتى من يوجه لنا إهانة وإن أخذ أحدٌ منك شيء فاتركه واترك غيره لتستريح من مشاكل القضاء أي اشتر راحتك وسلامك).

5- أخرج مسلم في صحيحه ج 3/1476 قال : قال حذيفة بن اليمان قال رسول الله : تسمع وتُطيعُ للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع.

وفي رواية عمر بن الخطاب :أطع الإمام وإن ضربك فاصبر, وإن أمرك فاصبر, وإن حرمك فاصبر, وإن ظلمك فاصبر, وإن أمرك بأمر ينقص دينك فقل : سمعا وطاعة, دمي دون ديني.قال: وهذا سند صحيح على شرط مسلم. المشكلة ان اهل السنة وقعوا في تناقض عجيب ، فبينما هم يقولون اطع الأمير وإن ضُرب ظهرك وأُخذ مالك نراهم يوردون رواية تقول يجب مقاتلة من جاء ليأخذ مالك كما في رواية أبي هريرة : فقد أمر النبي بمقاتلة من قاتلك يريد أخذ مالك فعن ابي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله ص فقال : يا رسول الله ، أرأيت إن جاء رجلٌ يُريد أخذ مالي؟ قال : فلا تعطه مالك . قال فإن قاتلني ؟ قال : قاتلهُ . قال الرجل : أرأيت إن قتلني قال : فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلهُ؟ قال : هوَ في النار. وفي رواية فتح الباري ج6 ص 300 قال : قال رسول الله : من قُتل دونَ مالهِ فهو شهيدٌ.
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=67673
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 09 / 25
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 01 / 27