• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : قضية رأي عام .
              • القسم الفرعي : شبهات وردود .
                    • الموضوع : التواصل الروحي مع الإمام الحسين (ع) بمناسبة زيارة الأربعين .
                          • الكاتب : صالح الطائي .

التواصل الروحي مع الإمام الحسين (ع) بمناسبة زيارة الأربعين

 إن الاعتقاد بأن الميت يعلم بعمل الحي الحسن والقبيح، يدفع الحي إلى أن يحسن العمل إذا ما أراد أن يزور قبر ميت يخصه، سواء كان الميت أبا أو أما أو أخا أو صديقا، وسواء كان نبيا أم إماما أم معلما، فكيف ونحن لا نزور أئمتنا إلا لأننا تبع لهم، وتربطنا بهم علاقة عقائدية، ونعلم علم اليقين أنهم يعلمون بأعمالنا، تبعا لما شاع بين المسلمين أن العلاقة بين إنسان وآخر لا تنقطع بالموت، فالموت حاجب لا قاطع، ونحن لا نبالغ بذلك ولا نرتكب جرما أو جريرة ولا نخالف شريعة الإسلام، لأنه إذا ما كانت العلاقة بين عبدين من عامة الناس لا تنقطع بعد موت أحدهما، فمن الأحرى أن تكون علاقتنا بنبينا وأئمتنا وهم سادتنا وسادة المسلمين دائمة أبدية لا تنقطع بموتهم؛ الذي هو مجرد خروج من الدنيا الملموسة إلى دنيا الأسرار والتواصل الروحي، ولدينا أكثر من دليل على ذلك، يتفق بها معنا أتباع المدارس الإسلامية الأخرى، بل تتفق بها معنا حتى مدرسة ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، بدليل أن ابن قيم، قال: "إن الميت يعلم بعمل الحي من أقاربه وإخوانه، وأورد عن ابن المبارك، عن ثور بن يزيد، عن أبي وهم، عن أبي أيوب، قال: تُعرض أعمال الأحياء على الموتى، فإذا رأوا حسنا فرحوا واستبشروا، وإن رأوا سوءً، قالوا: اللهم راجع به"(1). وأورد عن أحمد بن أبي الحواري، قال: حدثني محمد أخي، قال: دخل عباد بن عباد على إبراهيم بن صالح ـ وهو على فلسطين ـ فقال: عظني؟ قال: بم أعظك أصلحك الله؟ بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى، فأنظر ما يعرض على رسول الله (ص) من عملك، فبكى إبراهيم حتى أخضل لحيته"(2). هذا لوحده يكاد يكفي أن يكون دليلا على جواز وصحة ومشروعية زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله) وقبور الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، لأنها ترقى إلى مقام زيارتهم وهم أحياء.
هنا أود الإشارة إلى معلومة جد خطيرة لا تخص الأنبياء والأئمة المعصومين فحسب وإنما تخص جميع الصالحين، ولكن مع اختلاف جوهري بين الأنبياء والأئمة وغيرهم من الصالحين، وهو أنه ثبت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن الأموات يؤذيهم في قبورهم ما كان يؤذيهم في حياتهم، جاء عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النبي(ص)، قال: "الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته"(3). كما أورد البيهقي حديثا يثبت أن الله تعالى رد على الأنبياء أرواحهم بعد موتهم، فقال: "إن الأنبياء بعدما قبضوا ردت إليهم أرواحهم، فهم أحياء كالشهداء"(4)، ونحن بالنسبة لنا نؤمن أن أئمة آل البيت المعصومين الأطهار (عليهم السلام) بمصاف الأنبياء، وكلهم شهداء، فجمعوا الحسنيين، وزيارتنا لمراقدهم لا تختلف عن زيارتنا لجدهم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)؛ في حياتهم قبل موتهم، ودليلنا في ذلك حديث ورد بصيغ متعددة، مرة يفضل علماء الأمة (وهم الأئمة) على أنبياء الأمم، وأخرى يساويهم بهم، هذا الحديث، ورد بلفظ: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"(5). وورد بلفظ: "علماء أمتي كسائر الأنبياء قبلي"(6). وورد بلفظ: "إن منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الأنبياء في بني إسرائيل"(7). وورد بلفظ: "علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل"(8). وقد أثار هذا الحديث بكل صيغه خلافا بين المدارس الإسلامية، من المؤكد أن دوافعه كانت سياسية بحتة وليس دينية، فحكم بعضهم ببطلانه، وحكم آخرون بضعفه، حتى أن الألباني ذكر أن رواية: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل": "أنها لا أصل لها"(9).
وهم إن كانوا قد طعنوا بهذه الأحاديث الصحيح، فلا أظنهم يطعنون بحديث: "إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر". الذي رواه الترمذي وغيره، وصححه الألباني. فأي العلماء يقصدهم هذا الحديث؟ ومن هم العلماء الحقيقيون؟
إن هذا الحديث وارد في نقولنا أيضا، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: "من سلك طريقاً يطلب فيه علماً، سلك الله به طريقا إلى الجنة، وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى به، وانه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما، ولكن ورّثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر"(10) ويقصد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) دون غيرهم؛ بدلالة الكثير من الأحاديث، ومنها: عن الصادق(عليه السلام): "نحن ولاة أمر الله وخزنة علم الله وعيبة وحي الله(11). وحديثه: "نحن خزان الله في الدنيا والآخرة، وشيعتنا خزاننا، ولولانا ما عرف الله"(12). بل هناك حديث آخر يلخص كل هذه المعاني، ويحدد المقصود بالعلماء، والحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): "نحن العلماء وشيعتنا المتعلمون"(13).
وحتى لو أختلف فيه فإن المقصود بالعلماء أئمة أهل البيت دون سواهم، لأن علمهم لا يوجد مثله عند غيرهم بدلالة حديث علي السائي، قال: سألت الصادق(عليه السلام) عن مبلغ علمهم، فقال: "مبلغ علمنا ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث، فأما الماضي فمفسر، وأما الغابر فمزبور، وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع وهو أفضل علمنا"(14)
ووفقا لهذه المعطيات، نؤمن أن علم النبي(صلى الله عليه وآله) علم جميع النبيين، وأن علم علي(عليه السلام) علم النبي، وأن علم المعصومين(عليهم السلام) علم علي، عن أبي بصير، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: "سئل علي عن علم النبي، فقال: علم النبي علم جميع النبيين، وعلم ما كان وعلم ما هو كائن إلى قيام الساعة، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأعلم علم النبي، وعلم ما كان وما هو كائن فيما بيني وبين قيام الساعة"(15). ومصداق ما تقدم الحديث المشهور: "علم رسول الله عليا ألف حرف كل حرف يفتح ألف حرف وكل حرف منها يفتح ألف حرف(16). أما مصداق قولنها: إن علم علي(عليه السلام) عند الأئمة (عليهم السلام) فهو حديث الإمام الصادق(عليه السلام): "أما والله لا يجدون العلم إلا ها هنا... عند آل محمد"(17).
بمعنى أن الأئمة المعصومين في موتهم أحياء كما في حياتهم، مثلهم كمثل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وما كان يقوم به المرء عند زيارتهم في حياتهم يجب أن لا يختلف عما يقوم به عند زيارة قبورهم. وقد أكد القرطبي أن: "الموت ليس عدما محضا، يدل على ذلك أن الشهداء أحياء، فالأنبياء أولى، وقد صح أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء"(18). ونستنتج مما تقدم أن الذين يحرمون السلام على الأموات وزيارة قبورهم إنما يريدون منع الناس من زيارة قبور الأنبياء والأئمة والسلام عليهم، أو في الأقل التشكيك بمشروعية الزيارة والأعمال التي تؤدى خلالها. وهنا أطمئن الزائرين أن الأئمة يسمعونهم ويردون عليهم سلامهم ويشكرونهم على مساعيهم سواء بالذهاب سيرا إلى أبي عبد الله الحسين في زيارة الأربعين وغيرها، او باقي الزيارات المخصوصة والعامة، وذلك هو الفوز العظيم، والحمد لله الذي هدانا إلى حب آل بيت النبوة (عليهم السلام أجمعين.


الهوامـــــش
  (1) ابن قيم، كتاب الروح، ص 14ـ 15.
  (2) المصدر نفسه، ص15.
  (3) القرطبي، التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، ج1/ص234.
  (4) البيهقي، الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد، ص278.
  (5) موقع العتبة العباسية عن عوالي اللئالي، ج4/ص 77 حديث رقم 67 وبحار الأنوار، ج2/ص22،  وتحرير العلامة، ج1/ص3، ومستدرك الوسائل، ج17/ص320، حديث رقم 30، ومصابيح الأنوار،ج1/ص 434، والأنوار النعمانية، ج3/ص 347،  والمحصول للرازي، ج5/ص72،  وسبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي، ج10/ص337.
(6) السبزواري، جامع الأخبار، أو معارج اليقين في أصول الدين، ص 45.
(7) المؤتمر العالمي للإمام الرضا(ع)، الفقه المنسوب للإمام الرضا (ع)، أو فقه الرضا، ص 338، وبحار الأنوار، ج 78/ص346 حديث رقم 4.
(8) السيد محمد بحر العلوم، بلغة الفقيه، ج2/ ص229.
(9) الألباني، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة م1/ حديث رقم 466.
(10) الصفار، بصائر الدرجات، ج1/ص40.
(11) الصفار، المصدر نفسه، ج2/ص138.
(12) الصفار، المصدر نفسه، ج2/ص138.
(13) الكليني، الكافي، ج 1/ص26، حديث رقم 4.
(14) الصفار، بصائر الدرجات، ج7/ص358.
(15) المصدر نفسه، ج3/ص160.
(16)  المصدر نفسه، ج6/ص348.
(17) المصدر نفسه، ج1/ص40.
(18) القرطبي، التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، ج1/ص234.

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=70689
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 11 / 26
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 10