الحلف الإسلامي العسكري ضدّ الإرهاب جاء في سياق تحول كبير في ميزان القوى في المنطقة، أهمّه دخول روسيا على خطّ المواجهة الميدانية ضد داعش وحلفائها الإقليميين..ويظهر من خلال الاصطفاف الذي أدى إلى استبعاد كل من العراق وسوريا واليمن على الرغم من أنّها دول أعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي وأيضا هي الدول الأولى ضحية الإرهاب والمعنية به..إحدى أبرز المهام الاستعجالية المطروحة اليوم هي تشكيل كوموندوس للدخول إلى سوريا، مع أن هذا في حدّ ذاته أمر في غاية الخطورة، ذلك لأنّ سوريا دولة مكتملة السيادة فمن حيث ميثاق الجامعة العربية ولا الميثاق الأمم المتحدة يمنع قانونيا اختراق ترابها الوطني، فضلا عن أنّ الجيش العربي السوري منذ 5 سنوات وهو يقاتل الإرهاب في الوقت الذي كان قادة الحلف الجديد يخفون حقيقة وجود إرهاب في سوريا.. وهذا الأمر يمنح الجيش العربي السوري الحق في أن يصوّب سلاحه ضدّ أي مخترق لسيادته فضلا عن أنّ روسيا التي تتواجد بقوة داخل سوريا بموجب اتفاق بين البلدين ستكون جاهزة لضرب أي محاولة عدوانية من هذا القبيل..وإذن هي محالة لخلط الأوراق..من جهة أخرى استدخال السلطة الفلسطينية في هذا الحلف لا معنى له طالما أنّ الأمر في مثل هذه الحالة يقتضي أن يتوجه الحلف الجديد لمواجهة إسرائيل باعتبارها تمارس إرهاب الدولة الممنهج في حق الفلسطينيين، وبالتالي فالأولوية في محاربة الإرهاب تقتضي العمل على مواجهة إسرائيل.. وبما أنّ هذا الموقف مستبعد ولن تستفيد فلسطين من هذا التحالف سوى في توريطها في اصطفافات تستهدف في نهاية المطاف تصفية القضية الفلسطينية، فإنّ الأمر سيبوء بالفشل..ليست هذه هي المرة الأولى التي ينهض فيها حلف لا يتجاوز كونه حبر على ورق..لكنها أوراق لإشغال الرأي العام الدولي والإقليمي عن أنّ قضية الإرهاب في المنطقة هي أبعد مدى من هذه المناورات..بعض الصحف الممولة من الخليج تقول من دون خجل: إنه حلف عسكري سنّي لمواجهة داعش وإيران..والحقيقة أنّ الرشا النفطي يصطنع أحلافا كما يصطنع جمعيات وفرق لكرة القدم..الصفقات بدأت تتحرك وهي عبارة عن مساعدات وتوريد للنفط..فالحرب على إيران في نظر خصومها في الخليج تعني إبادة قسم من العرب بطريقة نازية وتخريب دول قائمة..بينما هم يدركون تماما أنّ إيران ليست لقمة سائغة لمناورات هذه الدول، لأنّ فرقة من خيالة إيران ممكن أن تطيح بآخرهم..تظل عمان خارج الحلف الجديد..مع أنّ الأمر يتعلق بتحالف قائم أصلا ومنه دول متّهمة بمساندة الإرهاب في سوريا والعراق واليمن..التناقض هنا كبير..لنتحدّث عن مصر..إنّ المفارقة تكمن هنا في أنّ الإرهاب الذي يستهدف مصر مدعوم من دول هي عضو في الحلف الجديد..ستستمر هذه المفارقة على مستوى الملف الليبي، هنا نتساءل: كيف يا ترى سيحارب الإرهاب هنا؟ بالنسبة لمصر وكذا الرياض والإمارات فإن جماعة المؤتمر بطرابلس هم إرهابيون، بينما هم بالنسبة لقطر وتركيا حلفاء وأصحاب الشرعية..قبل أشهر فقط عبرت سفينة من تركيا باتجاه ليبيا محملة بالسلاح لفائدة جماعات تعتبرها مصر إرهابية..مصر تحديدا تدرك أنّ جهات إقليمية تسعى لتوريطها في مغامرات غير محسوبة استراتيجيا..وهي من ناحية أخرى تجد نفسها في سياق مسايرة لهذه الجهات لأسباب كثيرة..غير أنّ مصر كما أنّه لم يكن لها دور بارز في حلف عاصفة الحسم ضد اليمن لن يكون لها أي دور في هذه المناورة التي ستجعلها في مواجهة ليس إيران وحدها بل روسيا أيضا..نتساءل: ما الذي يريد الحلف الطائفي فعله في سوريا؟ هل يريدون محاربة مواطنيهم الإرهابيين الذين اعتدوا على سوريا داخل سوريا أم يريدون التحرش بالجيش العربي السوري؟ وما سبب التوقيت بين دخول تركيا إلى شمال العراق وقيام هذه الفرقة النحاسية ضد الإرهاب الذي عملت سنوات لإخفاء أي حديث عنه في وسائل إعلامها؟ ثمة مؤشّر آخر على أنّ هذا الإسهال المزمن في إنشاء التحالفات الورقية يعكس إخفاقا كبيرا ويستبق الرهان إلى ما بعد نهاية داعش على إثر الضربات الدقيقة التي أصابتها في مقتلها من قبل الروس والجيش العربي السوري والقوى الشعبية المندمجة في الحرب على الإرهاب في سوريا والعراق واليمن..ماذا بعد داعش؟ سؤال يفسر ملامح الاستراتيجيا الجديدة للنّمر النّفطي حيث لم يعد يسعفهم الوقت إلاّ لخلط الأوراق والاستنزاف الذي من شانه تدمير البنى التحتية للدول وتخريب النسيج الاجتماعي في المنطقة والتمكين للاحتلال والغزو..مع أنهم يجهلون بأنّ جرائم الحرم لا تتقادم..وبأنّ نتائج المغامرات السياسية والعسكرية عادة ما تكون مدمّرة.. إننا أمام جولة جديدة من تمييع الموقف الدولي والإقليمي حيال ملف الإرهاب؟ نحن أمام محاولات عبثية لن تكون الأخيرة التي تسبق انهيار الكثير من دول هذا الحلف جراء مغامراتها غير المحسوبة..إنّها جعجعة من دون طحين كما عودتنا استنفارات قوى مفلسة عجزت عن الإطاحة باليمن المجرد دون أن ننسى عجزها البنيوي في مواجهة إسرائيل |