• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : محنة هيدغر و نسيان الوجود .
                          • الكاتب : ادريس هاني .

محنة هيدغر و نسيان الوجود

إنّ محنة هيدغر مع الميتافيزيقا الغربية اقتضت أن يغامر بالسؤال حول الكينونة إلى أقصاه..كان همّه القبض على حقيقة الكينونة بعد أن فشلت الميتافيزيقا الغربية في القبض إلاّ على الكائن مندمجا بالكينونة إلى حد بات نسيان الكينونة قدر هذه الميتافيزيقا..بينما دافع هيدغر عن الاختلاف وبأنّ هذا الوجود الذي لا يكاد يحضر وهو حاضر دائما هو المنبع الحقيقي..إنّه مع ذلك أقام داخل الميتافيزقا واستعمل أدواتها لدحض مزاعمها بخصوص هذا النسيان..في اعتقادي أنّ هيدغر لم ينته من مهمّته لربّما وفي كل أمثلته وتردد تدبيره للعلاقة بين الوحدة والكثرة غاب عنه إدراك فكرة التّجلّي وجدل الحضور/الغياب، الوجود باعتباره أظهر الأشياء وأخفاها ـ وهذا تناوله هيدغر بتعبيرات مختلفة ـ وبأنّ مجرد تعريفه بات مستحيلا عند كل من منح الوجود محورية التفكير، حيث يصعب على اللاهوت الغربي أن يقاربه من دون أن يترك وراءه خدوشا في جسم الميتافيزقا.. ماذا يا ترى يعني أن يرجّ هيدغر صرح الميتافيزيقا الغربية؟ هل حقا هو من أعلن عن نهايتها كما وصفه دريدا؟ لا مجال للاستغناء عن الفلسفة..وفي نظر هيدعر نفسه لا يمكن أن لا نهرب من الفلسفة، ولكن هيدغر هنا مارس ما كان مارسه قبله بقرون صدر المتألهين الشيرازي، حين جعل تكثيف القول في الوجود مشروطا يرجّ صرح فلسفات الماهية..لقد لاحظنا أنّنا كلّما عصنا في مبحث الماهية ومنحناه محورية التفكير كلّما مارسنا شكلا من النسيان تجاه الوجود..الماهية هنا بما هي موجود يتداخل فيه الوجود بالموجود..ولكن في هذه الحالة نمارس نسيانا لمنبع كل موجود..البحث في الوجود هو الأهم..لأنّ الموجود يأتينا ولكن الوجود لا يأتي إلاّ كومضة..يحضر ويغيب لأنّه مخفيّ خلف دفق الموجود..إنّ وجود عناصر ميتافيزيقية في النص الهيدغيري لا يخدش في كونه برح قوانينها في فلسفة الوجود..بل لأنّ الميتافيزقا لا تسمح بمقارعتها إلاّ من داخل مقولاتها..ابتكر هيدغر مفهوم الدازاين..لعل بعضنا قد يترجمها عربيا بالزمانية أو الوجودانية..فليكن لا مشاح في الاصطلاح..ولكن الأهم هنا أنّ الزمان لا يتموضع خارج الوجود وخبرته..لعل مشكلة الميتافيزقا أنّها وهي تبحث في الوجود كفرت بالخلاف ونظرت إليه كحضور..ولكنها فارقت بين الوجود والزمان، ومنحت هذا الأخير وجودا آخر مستقلا..هيدغر كافح قدر الوسع ليخرج من ربقة الميتافيزقا الغربية الكلاسيكية بأسئلة تحمل شجاعة نيتشه ولكن هيدغر لم يفعل أكثر من ان يعمل على إعادة كتابة الصدرائية بلغة الميتافيزقا الغربية، وأحيانا لم يجد في مكنة هذه الميتافيزقا نظائر من عرشيات ملا صدرا ما ينزع بها نحو آفاق أكثر غنى في طلب الوجود خارج الموجود أو في الموجود..تلك هي العبارة الأثيرة لملا صدرا والتي تعتصر وجودانية هيدغر لبلوغها عبثا: الوحدة في عين الكثرة والكثرة في عين الوحدة



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=73016
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 01 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 08 / 20