• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : النفاق والمنافقون في الاسلام /الجزء الثاني .
                          • الكاتب : عامر ناصر .

النفاق والمنافقون في الاسلام /الجزء الثاني

ذكر بعضهم أن حركة النفاق بدأت بدخول الإسلام المدينة و استمرت إلى قرب وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم( ويعزو هذا البعض أن السبب في ذلك هو قوة الإسلام في المدينة وضعفه في مكة .
إضافة لما سبق في الجزء الأول فان النفوس تتشابه ، ولكل قوم وريث ، ففي أي بيئة ــ تجمع بشري كبير ـــ تجد الملأ- وتجد دعاة الخيِّر- وتجد الإمَّعة ، وتجد من يتقبل مبدأ النفاق ، فممَنْ يلتحق بالدعوة في بادئ الأمرِ ومع الفتنة ـــ بالمال أو بالتعذيب ــ يتنازل عن مبادئه ويسلك طريقا وسطا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، أو يدخل في اتفاقيه مع المخالف ، ولو ضمنيا ، ينال بها من حمى الدين ويبقى في أمن من الكفار. واؤلئك هم المنافقون ، ولكن كيف يبرزون وكيف ينشطون ؟

يبرز المنافقون للاسباب التالية :

1- وجود الاستعداد النفسي عند بعض الناس
2- وجود من يغذي هذا الاستعداد عند من تلبس بصفة النفاق

وقد سمَّى الله نفرا ممن أسلموا في مكة منافقين ، وفيهم نزلت ثلاث آياتٍ من كتاب الله ؛
- قول الله تعالى { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (النساء : 88)
- وقول الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً) (النساء : 97 ) ،
- وقول الله تعالى : ( إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )(الأنفال :من الآية 49(
هؤلاء لم يهاجروا ، أو هاجروا وعادوا ، ويوم بدر .. يوم الفرقان .. يوم التقى الجمعان .. حزب الرحمن وحزب الشيطان .. خرج نفر منهم في صف أولياء الشيطان يقاتلون أولياءَ الرحمن بدعوى الإكراه كما ادعوا .وقفوا في صفوف الكافرين ينظرون للمؤمنين ويسخرون ( غرً هؤلاء دينهم ) هذا وهم يتكلمون بالإسلام .!
أسباب النزول :
ألآية الاولى :
1-جاء في تفسير القرطبي عن ابن عباس أنه قال : أنهم قوم آمنوا بمكة وتركوا الهجرة .
2-وجاء في تفسير ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في قوم كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم فقالوا : إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس...
3-وجاء في تفسير القرطبي أيضا : أنها نزلت في قوم جاءوا إلى المدينة وأظهروا الإسلام ; فأصابهم وباء المدينة وحماها ؛ فأركسوا فخرجوا من المدينة , فاستقبلهم نفر من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالوا : ما لكم رجعتم ؟ فقالوا : أصابنا وباء المدينة فاجتويناها ...

ألآية الثانية :
يقول بن جرير الطبري : عن بن عباس رضي الله عنه قال . ( كان قوم من أهل مكة أسلموا ، وكانوا يَسْتَخْفُون بالإسلام فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم ، فأصيب بعضهم ،فقال المسلمون : كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأُكرهوا ، فاستغفروا لهم فنزلت : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً) (النساء : 97.(

الآية الثالثة:
وهي قول الله تعالى : ( إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )الأنفال :من الآية 49)
فنزلت في قوم تكلموا بالإسلام بمكة وخرجوا في صفوف الكافرين يوم بدر ، وحين تراصت الصفوف للقتال ، نظروا للمسلمين فاستقلوهم وقالوا ( غرً هؤلاء دينهم ) . أجمع المفسرون على ذكر أن هذه الآية المباركة نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يستحكم الإيمان في نفوسهم وقد خرجوا مع المشركين يوم بدر وأظهروا النفاق عندما رأوا قلة المسلمين. بهذا قال الطبري وابن كثير والسعدي والقرطبي وغيرهم
قال مقاتل في تفسيره: \"نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة والوليد بن الوليد بن المغيرة وقيس بن الوليد بن المغيرة والوليد بن عتبة بن ربيعة والعلاء بن أمية بن خلف الجمحي وعمرو بن أمية بن سفيان بن أمية، كان هؤلاء المسلمون بمكة، ثم أقاموا بمكة مع المشركين فلم يهاجروا إلى المدينة، فلما خرج كفار مكة إلى قتال بدر، خرج هؤلاء النفر معهم، فلما عاينوا قلة المؤمنين شكوا في دينهم وارتابوا، فقالوا: (غر هؤلاء دينهم) يعنون أصحاب محمد(صلى الله عليه وآله )
وكذا قال ابن عباس والثعلبي .
إذاً بمكة كان المنافقون موجودين، ذات النفسية التي نافقت في المدينة كانت موجودة بمكة ؟؟؟!!!
إذاً لماذا لم يظهر النفاق بمكة بنفس الصيغة التي ظهر بها في المدينة ؟
الجواب على ذلك هو وجود (المغذي) وهو اليهود ،اليهود لم يكونوا يوما ما رأس حربه في أي قضية من قضاياهم هم فضلا عن غيرهم ، ـ كما يقول الشيخ سفر الحوالي ـ .اتفقوا على مخالفة النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ وعداوته ، ولم يخرجوا إليه ، بل قلَّبوا الأحزاب حتى أحاطت بالمدينة ولم يشاركوا معهم بجيش ... فقط غدرت قريظة حين بدى لها أن معسكر المسلمين في خطر قد يذهب به .
وكان المنطق يقول أن يبدأ اليهود بالقتال حين هاجر النبي (ص) إلى المدينة ، وأن يقضوا على الدعوة في مهدها .

بل لم يتعاونوا مع بعضهم حين كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقاتل فريقا منهم . وتدبر :
أُجْلِيَت بنو قينقاع ، وجيرانُهم من بني قريظة،
وبني النضير يتفرجون ولم يحركوا ساكنا ؛
تدخل المنافقون في شخص عبد الله بن سلول من أجل يهود ولم تتدخل بني النضير وقريظة ولا يهود خيبر ووادي القرى وفدك لنصرة إخوانهم . وقد أخذ الله عليهم الميثاق بهذا .
وحدث ذات الشيء مع بني النضير ـ وفيهم أسياد يهود ـ
ولم تتحرك قريظة ولا يهود خيبر ووادي القرى وفدك لنصرتهم . اللهم المنافقون ، وكانت نصرتهم لهم قولا قالوه خفية وحين الفعل خنسوا ولم ينصروهم بقتال ولا بخروج
وحوصرت قريظة ورضيت بالتحكيم ( وهي تعلم أنه الذبح ) ولم تقاتل .
ويهود خيبر كانوا في حصونٍ منيعة فوق الجبال يكدسون فيها السلاح من أعوام ، وحين نزل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بساحتهم ظلوا وراء الجدر يرمون بالسهام ، وحين التحمت الصفوف لم يثبت إلا نفر أو نفران ــ وهي قلة لا يُقاس عليها ــ وفرَّ الباقون إلى الحصن المجاور ثم الذي يليه حتى نزلوا على الصلح ، ورضوا بالزرع وأذناب البقر . ولم تتحرك يهود وادي القرى وفدك لنصرة إخوانهم في خيبر . بل جاءوا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يهرعون ومن قبل كانوا يزأرون ويتوعدون . !!
كذلك من ألآيات النازلة بحق المنافقين أو النفاق في مكة هذه ألآيات :
- قوله تعالى في سورة المدثر: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31)

- ومن الثابت لدى جميع العلماء والمفسرين أن سورة المدثر من السور المكية، لا سيما هذه الآية التي هي مورد البحث، من الواضح أيضاً أن المرض المذكور في الآية المباركة هو مرض النفاق كما نص على ذلك المفسرون.
قال ابن كثير في تفسيره للآية: وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم أي: من المنافقين
- وقال الشوكاني: \"المراد بـ)الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) هم المنافقون\"
- قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11)(العنكبوت)
- وهذه أيضاً من الآيات المكية التي نزلت في بعض المنافقين بمكة.
قال الواحدي النيسابوري في أسباب النزول: \"وقال الضحاك: نزلت في أناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك\" .
وبنفس المضمون ما ذكره القرطبي في تفسيره
وهذا يكشف عن وجود النفاق بين المسلمين في مكة رغم الظروف الصعبة والمخاطر المحدقة بهم وسطوة قريش في ذلك الحين.
- من كل ما سبق يظهر ان النفاق قد ظهر مبتدأً في مكة،
- وإنا لله وإنا إليه راجعون ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ .




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=73777
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 01 / 29
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 08 / 7