• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في إيران..ماذا نقول يا ترى؟؟ .
                          • الكاتب : ادريس هاني .

ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في إيران..ماذا نقول يا ترى؟؟

في الحكمة المتعالية للانتصار نكون أمام حالة الجوهر المتحرك الذي لا يمكن أن نستوعب حركته إلاّ على سبيل الانبهار..فالتحولات الجوهرية تفهم في عالم الخلق بحق أو بغير حق على أنّها معجزات..ذلك لأنّ العزوف عن هذه الحقيقة يجعل من حركة التكامل النفسي أمرا لا جدوى منه وشططا في الوجود..ولا زلت أرى آثار الحركة الجوهرية في الثورة الإيرانية في مناحي شتّى..فقائدها المعلم الذي جعل من الثورة رحيقا مختوما يدرك القيمة النفسية والاجتماعية للحركة الجوهرية...إحدى أهم آثار هذه الحركة أنّ الإيرانيون يتطلعون إلى المستقبل أكثر من الماضي..أي أنّهم يعتبرون أنفسهم يحققون ثوراتهم الدائمة على التخلف والحصار..

في ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في إيران لا بدّ من التأكيد على أنّها ثورة تحيّن مضمونها باستمرار، وتطوّر أداءها باستمرار، وذلك لأنّها في فعاليتها تجاوزت خطاب خصومها الذين لم يتطوّروا في مواقفهم وأفكارهم..واصلت الثورة تحقيق شعاراتها والتي في مقدّمتها السيادة والاستقلال والعودة إلى الذّات والاكتفاء..كلّف هذا الجمهورية غاليا..في العالم لا يسمح بالعزف خارج نوطة التبعية وخارج منطق الاستسلام للنظام العالمي الذي تمّ فرضه فرض عين على كل مواطني المجتمع الدولي..كانت الحرب الباردة على أشدّها وكانت الثورة حالة فريدة لم تستند إلى عنصر التمكين في الاصطفاف مع المحاور، بل آمنت بقيادتها وشعبها..بالرجوع إلى الوراء قليلا لا بدّ من الحديث عن قيادة الثورة..هو شخصية تتمتع بفرادة ناذرة..في كلّ أبعادها تقف على ميزات ينذر وجودها عند قادة الثورات وعلماء الشريعة وأرباب العرفان..كان الإمام الخميني رجل ثورة..ولأنه لم يكن على مذهب الفوضوية السياسية وهو الفقيه والمؤصّل كان أيضا رجل دولة..لذا أدار معركة الصمود في الحرب المفروضة إلى أن انتصر انتصارا باهرا عزّز من قدرات الثورة ومكّن للدولة أيضا..يهمني هنا الحديث عن ولاية الفقيه من الجانب الذي يتعلّق بقضية الدولة في فكر هذا الرجل.. اليوم ندرك خطورة الأفكار التي تنتج حول الدولة من قبل التيارات الفوضوية.. جاءت فكرة الدولة في فكر الإمام الخميني يوم لم يكن في خلد أي من هذه التيارات الإسلامية رؤية حول الدولة غير الخلافة التي تحققت اليوم مع داعش التي لم تتحدث حديثا لم تغرف منه سائر التيارات الإسلامية ذات النشأة الإخوانية..أصّل الإمام الخميني لفكر الدولة فآمن بالدستور والديمقراطية والانتخابات..حيث في تفاصيلها نقف على رؤية لا يمكن نسبتها للمستبدة لأنها استمرار لفكر النائني في تنبيه الأمة وتنزيه الملة وبالتالي هم من أنصار المشروطة..ولا يمكن نسبتها للثيوقراطية لأنّها فيها انتخابات ونظام جمهوري وإمكانية العزل الدستوري للقيادة في حالة اختلال شرط من شروط تحققها، اذ مجرد الاشتراط ينافي الثيوقراطية التي هي حكم معروف وله مواصفاته في الفكر السياسي..ولا يمكن نسبتها إلى الديمقراطية الغربية لأنها لا تستقوي بالاقتصاد السياسي والتمكين واللعبة الانتخابية..هي إذن الدولة التي تراعي متطلبات ثورتها..دولة وفية للثورة وثورة وفية للدولة..وهذا ما كان ليدرك إلاّ بعد أكثر من ثلاثة عقود من التصدي والعمل الذي أظهر قيمة القيادة وفرادتها في تأطير أمّة ناهضة أرغمت على الحرب التي شكلت تشويشا دنيئا على مسارها لكنها قاومت وحوّلت الحرب والحصار إلى مدرسة لصالحها..خصوم إيران تراجعوا كثيرا في معادلة الصراع وتدهور وضعهم وأضاعوا مكتسباتهم ولم تنفعهم التبعية والعمالة..بينما الرابح الوحيد هو إيران ليس لأنها متآمرة كما يردد خصومها ليل نهار، بل لأنها صادقة مع نفسها ومع ثورتها ومع شعبها..اختارت الطريق الصعب وكافحت ولم تستسلم لاقتصاد الريع بل طورت من نمط الإنتاج وتحررت من سيكولوجيا الأمة المهزومة والمقهورة وانخرطت في دورة الإبداع والابتكار..طبيعي جدّا حينما تنظر بعض الدول الرجعية في المنطقة إلى إيران ومنجزاتها تشعر بالإحباط..هم يريدون ان يقولوا للأمريكيين: نحن أخلصنا لكم في التبعية بينما ظلت إيران تنادي عليكم في صلواتها: (مارغ بار أمريكا)، ومع ذلك أنتم اليوم تواصلون معها المفاوضات وتتنازلون لها وتفكون الحصار؟؟؟ لم يعد لخصوم إيران اليوم إلا أن يعلنوها صراحة: الاصطفاف مع إسرائيل ضد إيران علانية..ولولا خشية شعوبهم لأعلنوها صراحا..

إنّ حالة الإحباط التي منيت بها منظومة التبعية تتجلّى في أن إيران حققت كل ما يريدونه بالثورة والاستقلال والعزة والكرامة.. بالمقابل تراجعت هذه المنظومة في مجال التنمية على الرغم من تعبدها في محراب التبعية..وهي اليوم تعاني من الهشاشة وفقدت المبادرة وأنتجت مجتمعات مثل القطيع يهيمن عليها التملق والنفاق السياسي والتخلف والهمجية..في زمن إفلاس منظومة التبعية حصدت إيران محصولا من التفوق والنبوغ والمكتسبات وهي لا زالت تتطور نحو الأفضل..فالوتيرة السريعة التي هي الأعلى في العالم من حيث سرعة الابتكار من شأنها أن تقفز بإيران إلى الصفوف الأولى للدول الصناعية..وثمة أرقام مذهلة في هذا المجال..لعله من المفارقة أن منظومة التبعية تتحدث كثيرا عن الوضع الإيراني وتردد الميتافورا ذاتها في مجال الديمقراطية والحقوق، وكان هذا من أسوأ الخداع الذاتي، بينما كانت إيران تعمل في سياق معقد وصعب وحسّاس من شأنه أن يخلق الكثير من الصعوبات في طريق التنمية والتقدم..لقد صنعت إيران كل هذا في سياق مشحون بالحرب والحصار والتلويح بالحرب والتآمر..هنا تكمن المعجزة الإيرانية التي يمنع العناد والهشاشة من الاعتراف بها..في زمن يحسب البعض أنّ الحقيقة كلها تكمن في إعلام الـ(الغلا غلا)..

إن مشكلة منظومة التبعية تحسب أنّ الصّخب الإعلامي من شأنه أن يقهر حقيقة الجغرافيا..ففي هذا الضجيج اليومي عن طموحات إيران ودورها الإقليمي الذي يقدم كشريط من تمارين الإيرانوفوبيا ، قلّما نلتفت إلى أنّ الجغرافيا تفرض طبيعة السياسات..ففي الوقت التي تسعى فيه دويلات لا تتمتع بالسمنة الجغرافية التي تعطيها الحق في كل هذا النشاط الإقليمي العملاق، نلاحظ تدمرا من أي نشاط إيراني ولو في الداخل..كل العالم يتدخل في إيران اليوم حتى في مطبخها الداخلي..ولا يوجد إعلام لا يهمز ويلمز ضد إيران..ولو استعملت إيران ربع العبارات التي تستعمل ضدها من قبل خصومها لترنّحوا وفقدوا كل الموازين..مشكلة إيران أنها وجدت في بحر من الدول تعاني من سبات التبعية..وهي في كل لحظة تذكّرهم بوضعيتهم المزرية..تحتفل إيران اليوم بثورتها في سياق استطاعت فيه أن تلتقط ثمار ثورتها..انتصار على الحرب وانتصار على الحصار وانتصار على المشروع الأمريكي في المنطقة...أليس من حق الإيرانيين أن يحتفلوا بثورة وضعتهم في مصاف الدّول الصناعية الواعدة..أليست إيران اليوم تحظى بمستقبل لم تعد ملامحه واضحة لدى دول كثيرة فضّلت أن تجعل مهمّتها التاريخية الللانهائية هي إحصاء إنجازات إيران والقيام بالتشويش وأن تندب حظّها العاثر...




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=74363
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 02 / 12
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 01 / 19