• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : هزيمة حزيران والبكاء بين يدي زرقاء اليمامه .
                          • الكاتب : جعفر المهاجر .

هزيمة حزيران والبكاء بين يدي زرقاء اليمامه

الأحداث الجسام مهما تقادم عليها الزمن فأنها لاتمحى من ذاكرة الشعوب فينقلها الجيل الذي عاصرها وعاش دقائقها ألى الجيل الذي بعده لتكون عبرة ومنطلقا للحكام الذين يعاملون شعوبهم معاملة السيد للعبد وعلى السيد أن يأمر وعلى العبد أن يطيع وينفذ والنتائج الكارثية التي تفرزها تلك المفاهيم الجهنمية على الشعوب وهزيمة الخامس من حزيران كانت زلزالا هزت كيان الشعب العربي لأنها انطلقت من ذلك المفهوم الذي يناقض حركة التأريخ حيث تركت نتائج وخيمة لاتزال آثارها ماثلة حتى اليوم. لقد استفاق الشعب العربي على هول الكارثة في ضحى ذلك اليوم وكيف انهارت الجبهة المصرية خلال ساعات وأتذكر ويتذكر معي كيف كان صوت أحمد سعيد بطل الأنتصارات الدونكيشوتيه يعلو من أذاعة صوت العرب لتغطية تلك الهزيمة الشنيعة بصوته الرنان ولكن سرعان ماانكشفت الحقيقة المره ومن الغريب أن يسير على نهجه شخص آخر بعد سنين طويلة من تلك الهزيمه ليغطي هزيمة أقسى وأمر من تلك الهزيمه وهي هزيمة النظام الصدامي الذي أدعى بأن الأمريكان سينتحرون على أبواب بغداد !!! حيث كان صوت بطل العلوج محمد سعيد الصحاف يعلو ليسوق الأنتصارات الوهميه للشعب العراقي المغلوب على أمره ولكن الحقيقة كانت أدهى وأمر والسبب أن كلا النظامين كانا معزولين عن طموحات شعبيهما اللذين همشا تهميشا تاما ودفعا ثمن غطرسة وظلم وجبروت الحكام في البلدين وهذا هو القاسم المشترك بين معظم الأنظمة في الوطن العربي .وفي الجانب الآخر الذي يمثل صوت الشعب ونبضه ونقائه كان على الجانب الآخر من يؤرخ لتلك الفتره ويكشف سوءات النظام التي أدت ألى تلك الهزيمه فكتب الكثيرون من المؤرخين والمثقفين  والأدباء عن هزيمة الخامس من حزيران ومن جملة أولئك الذين كتبوا كان صوت الشاعر الكبير أمل دنقل شاعر الرفض المقدس والأرض والفقراء فكتب تراجيديته الكبيرة ( البكاء بين يدي زرقاء اليمامه ) تلك القصيدة التي فضحت أدران النظام وأكاذيبه والفساد المسشتري في كافة مفاصله وكيف أخفى كل الحقائق عن الشعب وهذا هو ديدن الحكام العرب منذ أن تربعوا على دفة الحكم وليومنا هذا رغم عمليات التزويق والتلميع الكاذبه التي تقوم بها الحاشية والأذناب والمنتفعون والأنتهازيون الذين أذا رأوا الحاكم راكبا بغلة يقولون له ماأجمل هذا الأسد! كما يقول جحا .
أن قصيدة البكاء بين زرقاء اليمامه هي صرخة الأنسان العربي المكبل منذ قرون وهو يساق ألى نيران الحروب المهلكات وهو جائع مقهور تأكله دوائر الغبارو مكسور السيف لايعرف مايحيط به وهو في واد والحاكم الذي يتربع على كرسيه في برجه العاجي تحيط به الزمرة الفاسدة وتقلب له الحقائق المأساوية وكأنها ربيع دائم وفي خضم ذلك الصخب الديماغوئي الأجوف ينكشف الغبار وتبدو الحقيقة عارية من كل زيف ودجل وانحراف وخلال تلك الساعات الحالكة تسقط ورقة التوت عن الحكام الذين تبجحوا كثيرا بدفاعهم عن حقوق الشعب وتحقيقهم لآمالها وتحسسهم لآلامها ولكن شاعر الرؤى
 الواضحة والرفض المدس الذي يحمل هموم الناس المسحوقين في قلبه ووجدانه أطلقها وهو القائل ( كنت لاأحمل ألا قلما بين ضلوعي ) والذي عاش فوق الفراش الخشن كما يقول صديقه جابر عصفور والذي يخاطب أرضه التي عض عليها بالنواجذ حيث يقول ( هذه الأرض حسناء ..
زينتها الفقراء .. لهم تتطيب .. يعطونها الحب .. وتعطيهم النسل والكبرياء ) أطلقها صرخة مدوية في وجه أصنام الهزيمة ووظف التراث بشكل رائع لكشف ركام الزيف والدجل والأفتراء والأستلاب فاستعمل رمز زرقاء اليمامه التي تعتبر من القصص الجاهلية القديمه والتي تحكي عن تلك الفتاة الحادة البصر والذكاء وكيف كانت تراقب الأعداء من مسافات بعيدة لتنذر قومها مما يخبئ العدو من مخططات للأجهاز على قومها ولكنهم سخروا منها ولم يعيروا أي اهتمام لنداآتها المستمرة فانقض عليهم العدو ودمرهم وانتقم من زرقاء فسمل عينيها حتى لاترى شيئا في المستقبل . يستهل أمل مطلع القصيده مخاطبا زرقاء اليمامه قائلا
أيتها العرافة المقدسه
جئت أليك مثخنا بالطعنات والدماء
أزحف في معاطف القتلى , وفوق الجثث المكدسه
منكسر السيف , مغبر الجبين والأعضاء
أسأل يازرقاء
عن فمك الياقوت , عن نبوءة العذراء
عن ساعدي المقطوع .. وهو مايزال ممسكا
بالراية المنكسه
أن المقطع الأول للقصيدة هو رفض قاطع للواقع المأزوم الذي يعيش فيه الوطن وأنسان الوطن منذ قرون .. أنه صوت الشاعر الذي يعبر بصدق عن صوت الأنسان المسحوق الذي دعي ألى القتال وهو مقطوع الساعدين مستلب الأرادة مثخن بالجراح وجائع وأعطوه سيفا صدا وقالوا له أذهب
وقاتل ونحن هنا قاعدون نرقب المعركة بعد انجلاء الموقف !ثم يسترسل في تلك التراجيديا الحية ويخاطب زرقاء التي تمثل الوطن فيقول
أيتها النبية المقدسه
لاتسكتي
فقد سكت سنة بعد سنه
لكي أنال فضلة الأمان
قيل لي أخرس
فخرست وعميت وائتممت بالخصيان
ظللت في عبيد ( عبس ) أحرس القطعان
أجتز صوفها
أرد نوقها
أنام في حظائر النسيان
طعامي الكسرة والماء وبعض التمرات اليابسه
وها أنا في ساعة الطعان
ساعة أن تخاذل الكماة والرماة والفرسان
دعيت للميدان
وهذه الكلمات العميقة صورة حية للأنسان العربي على مر الزمن ولابد للشاعر الذي عاش بين الفقراء والمضطهدين الذين تعاملهم الأنظمة كعبيد بني عبس الذين لايمكنهم السكوت بعد اليوم بعد أن بلغ السيل الزبى ووصلت القلوب ألى الحناجر وصودرت أرادات الشعوب ألى حد الأمتهان واستخف الحكام بمقدراتها وحرموها من أبسط متطلبات الحياة ويستمر الشاعر الكبير في تلك القصيدة الرائعة مخاطبا زرقاء الرمز الحي النابض برؤى التأريخ قائلا
أنا الذي ماذقت لحم الضان
أنا الذي لاحول لي أو شان
أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان
أدعى ألى الموت ولم أدع ألى المجالسه
تكلمي أيتها النبية المقدسه
تكلمي تكلمي
فهاأنا على التراب سائل دمي
وهو ظمئ يطلب المزيدا
أسائل الصمت الذي يخنقني
ماللجمال مشيها وئيدا ؟
ماللجمال مشيها وئيدا ؟
فمن ترى يصدقني
أسائل الركع والسجودا
أسائل القيودا
ماللجمال مشيها وئيدا ؟
ماللجمال مشيها وئيدا ؟
وأي صورة أبلغ وأصدق من هذه الصورة التي رسمها الشاعر الكبير للأنسان العربي المسحوق حتى العظم على مر العصور من قبل حكامه الطغاة المستبدين الذين جعلوا منه عبدا يسيل دمه على الأرض متى مايشاؤون وكيفما يشاؤون ويبيعونه في مزادات الشعارات الوطنية المهلهلة والخاوية من أي مضمون حقيقي دون مراعاة لأبسط حقوقه المهانة كأنسان خلقه الله وكرمه وأعلى مقامه وجعله خليفة على الأرض . ويستمر أمل الشاعر والأنسان ليغوص أكثر فأكثر في عمق المأساة ويستخرج منها اللآلئ الشعرية المعبرة عن أحاسيس الأنسان ويستلهم من رؤىزرقاء النقية والعرافة المقدسة التي لم يسمع أحد نداآتها المتكررة والمقتولة في النهاية فيقول في المقطع قبل الأخير للقصيده
أيتها العرافة المقدسه
ماذا تفيد الكلمات البائسه ؟
قلت لهم ماقلت عن قوافل الغبار
فاتهموا عينيك يازرقاء بالبوار
قلت لهم ماقلت عن مسيرة الأشجار
فاستضحكوا من وهمك الثرثار
وحين فوجئوا بحد السيف : قايضوا بنا
والتمسوا النجاة والفرار
ونحن جرحى القلب
جرحى الروح والفم
لم يبق ألا الموت والحطام والدمار
وصبية مشردون يعبرون آخر الأنهار
ونسوة يسقن في سلاسل الأسر
وفي ثياب العار
مطئطئات الرأس لايملكن ألا الصرخات التاعسه
أنها النتيجة المنطقية لهذا الأنسان المستلب المجروح القلب والفم الذي استغل الأعداء
ضعفه واستلابه فانقضوا عليه ونهشوا لحمه وحولوا عدته الهزيلة الغير متكافئة ألى هشيم
محترق
وفي المقطع الأخير يخاطب الشاعر زرقاء بعد أن سملت عيونها ولم يدرك الحكام مايجول في أعماقها فظل الحال كما هو وعادت حليمه ألى عادتها القديمه بعد انكشاف غبار المعركه وبقي الحكام في قصورهم وأبراجهم وحصونهم دون أن يأبهوا لتلك الهزيمة الكبرى التي دفع الفقراء ثمنها غاليا من دمائهم وعرقهم وأرواحهم التي صعدت ألى السماء لتشكوا من رماها في أتون النار التي خطط لها الأعداء طويلا
ها أنت يازرقاء
وحيدة عمياء
وما تزال أغنيات الحب والأضواء
والعربات الفارهات والأزياء
فأين أخفي وجهي المشوها
كي لاأعكر الصفاء الأبله المموها
في أعين الرجال والنساء
وأنت يازرقاء
وحيدة عمياء
وحيدة عمياء
فما أشبه الليلة بالبارحة وهاهم الحكام العرب اليوم يضربون المثل الأسوأ في الظلم والجبروت والدكتاتورية والطغيان ويعيشون في عزلة تامة عن شعوبهم دون أن يعتبروا من حوادث التأريخ والعدو يقوى يوما بعد يوم ويخطط لمعارك قادمة ليجهز بها على آخر أمل للشعوب المقهوره رحم الله شاعر الفقراء والرفض المقدس أمل دنقل الذي قضى وهو في في قمة عطائه الشعري نتيجة لتلك الأحداث المأساوية التي دفع ثمنها أسوة بالفقراء والمقهورين والذي كان الشاعر واحدا منهم
أمل دنقل في سطور
ولد الشاعر الكبير أمل دنقل في بلدة القلعه بمحافظة قنا في صعيد مصر عام 1940 كتب ست مجموعات شعريه أولها ديوانه البكاء بين يدي زرقاء اليمامه الذي سميت القصيدة باسمه والديوان الثاني تعليق على ماحدث) والديوان الثالث ( مقتل القمر ) والرابع العهد الآتي والخامس ( أحاديث في غرفة مغلقه ) وله مجموعة شعرية سادسة كتبها خلال مرضه وهي عنوان أوراق الغرفة رقم 8 ) وقد جمع شعره في ديوان واحد سمي ديوان أمل دنقل ) توفي الشاعر أمل دنقل في القاهرة يوم السبت المصادف 21-4 - 1983 أثر مرض عضال وهو في في الثانية والأربعين من عمره رحم الله شاعر الفقراء وشاعر الرفض المقدس الشاعر الكبير أمل دنقل
جعفر المهاجر - السويد



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=75
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2010 / 06 / 12
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 01 / 21