• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : في التحيين المستدام لسؤال الحداثة .
                          • الكاتب : ادريس هاني .

في التحيين المستدام لسؤال الحداثة

لا ينبغي التعاطي مع أسئلة الفلسفة على أساس علم أمراض النفس..القلق الذي يخلقه السؤال الفلسفي يختلف عن القلق السيكولوجي المرضي..إنه مثل الشك الذي يفضي إلى اليقين: قلق يفضي إلى راحة العقل.. إنها أسئلة تحيلك إلى منفتح من الكون المفاهيمي العريق..في صرعة وسرعة التحديث الدّائم الذي هو بعد من أبعاد كائن يتفكّر في مآلات فكره ووجوده..سؤال الحداثة هو أكبر من سؤال التحديث..لأن قصّة الحداثة كمكر التّاريخ يتعذّر التنبّؤ بمساراتها..أسئلة الحداثة بالأمس ليست هي أسئلتها اليوم..الحداثة تجدّد أسئلتها دوما وتفترض أجوبتها باستمرار..وحق ما قال إيريك فروم من انّ المفاهيم تمرض وتموت، ومثل ذلك الحداثة يمكننا القول عنها أنها من المفاهيم التي تبلى مما يستوجب تحيين أسئلتها وفق منظور مختلف وآفاق متجدّدة..أشار د. محمد سبيلا وهو من بين أكثر المغاربة الذين اشتغلوا في حقل الفلسفة إلى أنّ الغرب متقدّم علينا في الفكر أكثر مما هو متقدّم علينا في التقنية..التقنية يمكن لولد صغير أن يتقنها ويستوعبها لكن يظلّ بعضنا عمرا كاملا يزحف لكي يجد نفسه أمام عتبة شطر أو عتبة المفاهيم الحداثية..هذا كلام في الصّميم..قيمة الخطاب الفلسفي للحداثة كما مارسه سبيلا يتميّز بالسهل الممتنع وكذا بالاعتدال، حيث أقام في تخوم الجدل الذي فجرّه كل من العروي والجابري، فضخّ على سؤال الحداثة دفعات فرانكفورتية ساءل التقليد والحداثة معا في مفصل الجدل بينهما نازعا بعضا من صلابة الموقفين الذين حكما النقاش اللسّتيني والسبعيني للحداثة والتقليد..في تصوّري لا بدّ من الحذر من المفاهيم اليوم حيث باتت متاحة ككل أشياء الحداثة الأخرى للاستهلاك العمومي ولإعادة الاستعمال في سوق الخردة..وتتيح الأيديولوجيا التي تأتي قبل أوانها لتعبر عن مرض الفكر وتضعنا أمام جبروت الاختزال والمغالطة..نحن لسنا في حاجة إلى الأنوار..الأنوار باتت مصطنعة وهي في سطوعها تمارس تشويشا وحجبا..نحن في حاجة إلى العتمة..نريد إطفاء النور لنعرف كيف نفكّر بعيدا عن الأنوار..بعض التفاصيل لا تظهر إلاّ في العتمة..حيث يهيمن التفكير والتّأمّل..لا شيء اليوم يبدو خارجا عن قدر الحداثة..إنّما كلّ ما في الأمر أنّنا أمام أشكال ومستويات من التدبير لتموضعاتنا المختلفة في جغرافيا الحداثة..فالمركز يدير تموضعاته بحسب مصالحه، حيث يصل الأمر أن يستثمر في تخلّفنا..فحتى ما يبدو لنا تخلفا وتطرفا وإرهابا وكل مستويات الضّحالة هو عامل تدبير الحداثة في صراع أقطابها مع الهامش..هذا إذا أردنا القول أنه من تقنيات الحداثة السياسية أو الأمنية تكريس سيطرتها الجيوبوليتيكية..الخطورة اليوم ليس في الحداثة بل في لعبة تزييف أسئلتها أو عدم مواكبة تجلّياتها أو لنقل في استغلال مقاهيمها في تمكين التّأخّر..كنت أرفض المقارنة بين التقليد والحداثة لأنّني أرى أنّ التقليد له وضعية خاصة سواء أتموضعنا في التّأخر ومؤسساته أو الحداثة ومؤسساتها..ممارسة التقليد ظاهرة في خطاب التأخّر وفي خطاب الحداثة معا..إذا ركّزنا على محور النقاش الذي فجّره صاحب الخطاب الفلسفي للحداثة: هابرماس، سنكون أمام فرصة أخرى لمساءلة الحداثة خارج التحيين التعسّفي لفكرة انحطاط الغرب التي أسس لها خطاب شبينغلر.. قلق الحضارة بتعبير فرويد لا يعني أنّ الحداثة استنزفت نفسها بل هي مع هابرماس مشروع لم يكمل مهامه بعد ولم يجب عن سائر وعوده..وهي في ما بعد الحداثة ليست كما يحيل إليه المعادل العربي الذي يوحي بالتحقيب، بل كما في النقاش التواصلي لهبرماس وكما في بيان محمد سبيلا هي الحداثة حين تثور على نفسها أو حين تعمّق أسئلتها أو حين تخلق مكرها..إنها عملية مستمرّة وإعادة فتح العالم على مديات متجددة في العلم والتقنية والتفكير..الصلابة في تدبير خطاب الحداثة مستفزّ وصادم ويخلق اهتزازات وارتدادات..فالتقليد هو أيضا يمارس غوايته وجاذبيته تماما كالحداثة..ولو أنّنا أسرفنا كثيرا في الجمود على المساءلات الجامدة ذاتها حول الحداثة بوصفها انحطاطية وأزموية ولا أخلاقية فسنراوح تموضعنا على هامشها..ففكر الهامش يخلق تساؤلات محبطة ويائسة ويمارس اختلافا مرضيا مع المركز..السيطرة هي إحدى مظاهر الحداثة السياسية..السيطرة في كل العصور هي حقيقة سياسية لا غنى للعالم عنها..العالم هنا المقصود به ما تحت عالم المثال..ومن هنا لا شيء يمنع منها سوى المقاومة..والمقاومة هنا لنظام السيطرة لا يتأتّى إلاّ باستيعاب جوهر الحداثة بوصفها حقيقة تاريخية لا محيد عنها..من السهولة تبني خطاب التجريح والهجاء للحداثة بحيث لا يستحضر آثارها الإيجابية على النوع..غير أنّ الحداثة هي الأخرى تخلق أدواتها في الردع والمقاومة..المشكلة اليوم ليس أنّ الحداثة غربية بل المشكلة هي أنّ الغرب حداثي..أي الغرب الذي دخلنا معه في تجربة طويلة من الصراع قبل الحداثة وبعدها..إنّ المزاج المتعصّب أمر أجنبي عن مفهوم التقليد والحداثة..لأنّ أيّا منهما إذا تسلط عليه مزاج متطرف استطاع أن يحوّله إلى جحيم..جحيم التراث وجحيم الحداثة معا..

يبقى سؤال الحداثة مطروحا بإلحاح في زمن إدارة التّوحّش..لا شيء يحجب إلحاحيته..قد يتوارى أو يخضع للغلبة الأيديولوجية للتأخر وقهر الأسئلة الزّائفة..ولكنه سؤال لا يتقادم حتى في أزمنة الانحطاط العام الذي يحجب عنّا ممكنات الحداثة وقدرتها على تجديد نفسها وتحيين جوهرها الذي هو في الأصل قضية العقل والحرية والإنسان..



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=81377
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 07 / 24
  • تاريخ الطباعة : 2025 / 02 / 2