• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : العرب و الرّدة الفلسفية .
                          • الكاتب : ادريس هاني .

العرب و الرّدة الفلسفية

ليس من قبيل المبالغة إن قلت بأنّه لا يوجد فيلسوف عربي مهما حاول البعض تمثّل هذه الصفة ولو من دون وظيفة..ومهما بلغ الاشتغال بنصوص الفلسفة دون خبرتها التي هي مدى آخر من آماد الرّقي في الوجود..فما دام الفيلسوف العربي مصرّا على أنّ الفلسفة هي تجربة المعقول المنحصر في "الوجود الكتبي" حسب تصنيف مناطقة القرن الوسيط، ولا يدرك أن الفلسفة الحقيقية هي خبرة في ذات الوجود المتّصل بالمعرفة، فإنّ مقولات فكرنا ووعينا ستكون خارجية توجد هناك في مقولة الكيف كما نحا ابن سينا لا شأنا للجوهر المتحرك الذي تتحرك معه الأعراض كلّها..قلت بأنّه لم يوجد الفيلسوف العربي الراهن، ذلك لأنّ شرط الفيلسوف أن يكون كونيا..فالكونية مداه وجال تأمّلاته، والأقلمة قدر لغته وأدواته الأولى، لكن الفيلسوف الذي لم يتخطّى حدود الإقليم والمزاج وأوعية اللغة والمقولات المحلية فهو كائن محلّي لا يصلح للفلسفة. الكونية هنا ليست اختيارا بل حاجة ملحّة تقتضيها الفلسفة باعتبارها تستهدف الكائن في كلّ تجلّياته المحتملة. حتى المحلّية عند الفيلسوف هي تشخيص للكوني وفق شروط يحددها الزمان والمكان، لكن روح الفلسفة هي فوق كل الحدود.
لا تنطبق على الفيلسوف معايير التخلف بالمعنى الاقتصاد ـ السياسي، فهو بما أنّه حالة متجاوزة للزمان والمكان، يستطيع أن يكشف عن مظاهر التخلف في سائر البيئات بما فيها الراقية تنمويا. التقسيم الإمبريالي للإنتاج والثروة والعنصرية لا يسري مفعوله على الفيلسوف، فهو متقدّم على الدّول وحتى على الشعوب بمقدار ما يتّصل بالرؤية الكونية وروح الأشياء. الفيلسوف متقدّم على زمانه ومكانه. وبما أن وظيفة المشتغل العربي بالفلسفة تقتصر على تنزيل أحكامها من الشمال على الجنوب، فهو جزء من بنية متخلفة. هي وظيفة إمبريالية لا تختلف عن كل الوظائف التي يتيحها التقسيم الإمبريالي للعمل. في مثل هذه الحالة يساهم المشتغل العربي الراهن بالفلسفة على أساس من الهزيمة العقلية والإحساس المفرط بالدونية في إعادة إنتاج بنية التخلف العربي، مما ينتهي بحالة من الانتحار والتدمير الذاتي والتنكّر للذّاتي وخلط أوراق الحقيقة كلّها إلاّ حقيقة أنّ كلّ ما يأتي من الشّمال هو منبع الخير الوجودي. لا يسمح العقل الأداتي في طور نفاذ شحنته التاريخية بولادة الفيلسوف العربي الذي يتمتع بالشجاعة من أجل الوجود. لقد رأينا في أوج العطاء العربي المعاصر نزوعا غريزيا نحو الضحالة، فلا يشذّ متفلسف عربي متعاصر قط عن إحلال ابن تيمية محلّ كانط أو هيغل، الشيء الذي لم يحدث مع فلاسفة العرب القدامى. كم كان سيضحك ابن رشد لو سمع اليوم أن من يشتغلون بالفلسفة في ديارنا سعوا ولا زالوا بإصرار بليد على إعادة إنتاج بن تيمية. في كلّ نصّ ما خلا نص العروي وبعض ممن سلك منحاه، يوجد منبر لابن تيمية بوصفه مهدي الخلاص الفلسفي الأخير..الجابري، طه عبد الرحمن، أبو يعرب المرزوقي..حتى حسين مروة يشيد به في نقد هذا الأخير للمنطقيين وكذا يتبعه علي حرب وهلم جرّا..وأما المقلدون فكثر..كتبت ردّا لعله الأول على كتاب ابن تيمية في رده على المنطقيين..حدث ذلك بعد أن رأيت لا أحد وقف عند سرقات هذا الأخير من خصومه..من ابن عربي في الفتوحات والسهروردي في نقد المنطق اليوناني الخ..تدليس في المعقول والمنقول لازال يجد له من يسعى لسلفنة الفلسفة العربية بعد أن سلفنوا كل شيء بما في ذلك السياسة والاعلام والاقتصاد والحرب..قلت حدث ذلك لما رأيت طه عبد الرحمن يمنح ابن تيمية في المنطق وسام الشّرف مع أنّه سخر ممن يعلق أملا على المنطق الذي رأى أنّ لا حاجة إليه مطلقا وقد عاش الناس من دونه منذ آدم. بهذا التبسيط نقض على المناطقة وبهذا الغباء جعلوا منها أبو المناطقة العرب.. أو أبو يعرب المرزوقي الذي جعل منه فولتير العرب ومخلّص العقل الكوني.
في الحنين إلى ابن تيمية فلسفيا نكون دخلنا مرحلة النكسة والنكوص الفكري..على الأقل قبل سنوات كان ابن تيمية مركز استقطاب المتطرفين العقائديين، أما اليوم فهو مركز استقطاب المتفلسفين وأشباههم. يجري هذا الأمر في المجال العربي مجرى العدوى إذ الكل يتلقّف الدعوى المنكرة تلك ويزيد في غليانها. لقد تجاوز بعض المتفلسفة العرب عندنا كلاّ من ابن سينا وابن رشد وعانقوا ابن تيمية وأظهروا إعجابا غريبا به كأنه اكتشاف جديد. ولا شكّ أنّه من الناحية التحليلية نستطيع القول أنّ الحنين إلى ابن تيمية حينما يأخذ طابعا فلسفيا فهو مؤشّر على انحطاط العقل العربي، وعلى تراجع في الذّوق الفلسفي ومؤشّر على الفوضى. فحالة الفراغ التي يعيشها المتفلسف العربي أحيانا تقوده إلى البحث عن نظائر في مخزون تراثه يقارع بها فلاسفة العصر. كما أن الخلفية السلفية لبعض المتفلسفة تجعلهم يحسون بضرورة الوفاء لماضيهم العقائدي ومحاولة تلفيق صورة عن ابن تيمية يقرأ بمفاهيم لا صلة لها بعالمه ولا بمزاجه.
ما عدا ذلك فالمتفلسف العربي الراهن متنطّع لا شيء يقوم عنده على أصل ولا شيء فيما يزعمه مقنع، فالصناعة الفلسفية تدانت وتدلّت حتى باتت ضربا من الإننشاء والتكرار والنقول والحشو كأنّنا مع محدّثين لا فلاسفة..

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=82787
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 08 / 26
  • تاريخ الطباعة : 2025 / 02 / 8