• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : قراءة نقدية لقصيدة رسالة للشاعرة الأديبة عليا عيسى.. .
                          • الكاتب : د . عبير يحيي .

قراءة نقدية لقصيدة رسالة للشاعرة الأديبة عليا عيسى..

نقد أدبي مقدّم من الأديب السوري عماد الشيخ خميس لنص (رسالة ) للشاعرة السورية عليا عيسى 

 النقد أداة في نهوض الساحة الأدبية، بشكل عام، والشعرية بشكل خاص، وهو فن معقد، ونقد الشعر أكثر تعقيدا عن سواه من الأجناس الأدبية؛ وهو يحتاج إلى ثلاث خطوات ليتمكن الناقد من سبر أغوار النص الأدبي..

 

1. الأدوات: من استقامة اللغة، والوزن، وملائمة الألفاظ، وتساوقها...

 

كما أسلفت فإن من أهم عوامل نجاح النص الأدبي، بكافة أنواعه، هو تمكن الكاتب من أدواته.. نص رسالة للأديبة المميزة، الأستاذة عليا عيسى، نجحت فيه من التمكن من استقامة اللغة واستمرت على وزن متناسق، وتلاءمت ألفاظه مع بعضها البعض.. وبهذا يكون النص منتمي إلى الشعر، من حيث شكله وبناءه...

 

يقبع قلبي و صور ذكرى غدَت بلا تفاصيلٍ

برتابة زمنٍ غادرتهُ قهقهاتُ الفرحِ

واستوطنَهُ فحيحُ الهسيسِ يقطرُ سمُّهُ

تتآكل أطرافُ أصابعٍ ترسمُ الأحلامَ

إذ يسري بالشرايينِ وباءُ التلاشي

براكين التردّدِ تجني مواسمَ التفاحِ رماداً.

 

2. التقيم: تقيم النص بما يحمله من شعر، واستشفاف الروح الشعرية التي يتحدث بها الكاتب ..ومن حيث الشفافية الشعرية التي كانت تنقلنا فيها الكاتبة بين ثنايا الكلمات، تمكنت من جعلنا نتلاقى مع روحٍ داخل النص نلتقي فيها مع أحاسيسنا الخاصة، وبهذا استطاعت  الكاتبة أن تحقيق الخطوة الثانية في نصها..

 

نوازلِ البرقِ تدمي مآقِ الشجرِ

البراعمُ تبكي عذريةَ الفصولِ.

 

3. . المحاكمة الإبداعية: وهو الإضافات الجديدة التي يضيفها الشاعر، أو على أقل تقدير التماشي مع الأدباء المعاصرين للكاتب..

 

تتميز الكاتبة الراقية الأستاذة عليا عيسى، بإحساس راقٍ بديع، ترى الجمال الذي يأتي من ألوان الطبيعة فتستعمله بمزج فريد من أحاسيسها الرقيقة والتي تغلب عليها ريشة الإبداع في رسم صورٍ، ممزوجة بمصداقية الحنان الأنثوي، وما تحمله الأم من عاطفة مميزة، فأجد في نصوصها ولادات تتوالى، فتأخذ وليدها إلى صدرها، تعطيه كل ما تملكه من مقدرة على أن يكون، أجمل وأفضل الأولاد..  أما عن نصها الرسالة.. فليس لي إلا بشاهد حي من كلماتها..

 

نفسي المحطمةَ

يالِ ملحٍ زرعته الأيام في شقوقِ الجروحِ الغائرةِ النزيفِ

زناخة دمِ الفرحِ تزكمُ أزمنةَ لقاءٍ 

 

ألملمُ شظايا مرآةِ

يُعِدُّ لها توقيتي المتعبِ

بهذا تكون كاتبتنا، أضافت الجديد على نصها، لتجعله مميزاً، وربما لم تتفوق في محاكاة قدامى الشعراء، إلا أنها لا بد من الإقرار بأنها، تتماشى مع تألق وإبداع الشعراء المعاصرين لها...

وهنا نتمكن من القول أن شاعرتنا اجتازت عتبات النجاح، في صوغ قصيدة شعرية متناسقة ومتكاملة.

 

القراءة النقدية لنص الرسالة للشاعرة عليا عيسى..

 

 الناقد يحتاج إلى أدواته الخاصة ليتمكن من نقد النص الشعري، وهذه الأدوات تكمن في :

 

 أولاً : فهم الصورة الكلية للقصيدة .

كم أجد بهذه الصور الشعرية، توغل تدخل فيه لأعماق القارئ، تجره إلى الدرك الأسفل من هدف النص الذي تتحدث به عن أوجاعٍ من نائبات الدهر وتقلباته...

 

هنا حيث

أمشي وبلا دراية أظنُّه للأمام

وخطواتي للقبرِ تسبقني

 

تصوير رائع، لمشهد الهروب من أوجاعها التي تعيشها، من حملة الدهر للمنايا، وكأني أقرأ مطلع قصيدة زهير بن أبي سلمى.. 

سئمت تكاليف الحياة ... 

 

عليه تقوم الشاعرة بقصيدتها من نقل واقع الحياة السقيم الذي تعيشه في ظروف ضنكة.

 

ثانيا : البيئة التي قيل فيها النص.

 

الكاتبة تعيش ومنذ فترة ببيئة حربية كثر فيها القتل، والدمار، وبهذا طغى على نصها، شعور الوجع والألم من أثار هذه الحرب، ولهذا جاءت صورها الشعرية تحاكي أوجاع وويلات الحرب.. وإن كان النص بعيداً عن أدب الحرب بشكل مباشر..فتأثرت بمشاهد الحرب ، واستطاعت أن تختلق منها صوراً شعرية جميلة، وانزياحات متعددة في نصها.

 

كقولها:

 هنا حيث 

أمشي وبلا دراية أظنُّه للأمام

وخطواتي للقبرِ تسبقني

 

وقولها:

 يغتالُ نصل سيفِ التّحدي

ليستسلمَ بلا صراعٍ لمخاوفِ شعوذاتِ الريحِ

 

وقولها:

الدمعُ أشرعةُ عتبٍ يستغيثُ مآذنَ العودةِ

أرعدَ الصمتُ من كهفِ الخمسةِ الأنقياء

 

إضافة للكثير من الصور الشعرية الجميلة الراقية.

 

ثالثا: معرفة فكرة القصيدة الشاملة

نتيجة للحرب تكون فكرة القصيدة هي نقل صور عن مآسي وويلات الحرب...

 

براكين التردّدِ تجني مواسمَ التفاحِ رماداً

هكذا تذروا رياحُ القدرِ المحاصيلَ لسرابٍ

صدأُ المفاجآتِ المستذئبةِ

يغتالُ نصل سيفِ التّحدي

ليستسلمَ بلا صراعٍ لمخاوفِ شعوذاتِ الريحِ

تلاطمُ الواقعِ

هدمَ َ كلَّ القلاعِ الرمليّة الأماني

لا تزالُ قبضةُ الاختناقِ

تشتدُ على عنقِ الغيمِ الهاربِ

نوازلِ البرقِ تدمي مآقِ الشجرِ

 

وبهذا تنقل لنا الشاعرة الكثير من الأحداث التي تعاني منها لتربطها بعضها ببعض مُشكلة بذلك قصيدة متكاملة تتحدث فيها عن واقعها.

 

رابعا: المحسنات البديعية في القصيدة

 

لم تلتزم الشاعرة بقافية واحدة في قصيدتها، إلا أن الجرس الموسيقي للقصيدة كان متوافقاً مع القصيدة،.. وقل في القصيدة الطباق، والجناس، والسجع، إلا أنها تألقت في الاستعارات المتعددة التي استخدمتها في نصها..

 

نوازلِ البرقِ تدمي مآقِ الشجرِ

 

تمكرُ النوايا لهُ أعمدةً لصلبهِ حيّاً

 

يبوحُ بوقُ اسرافيلَ بقطراتِه نهايةً للجفافِ 

 

وبهذا تكون قد تألقت في استعمال المحسنات البديعية في قصيدتها. 

 

خامسا :التجربة الشعورية

نقلتنا الشاعرة في قصيدتها إلى عدة أماكن من خلال الانفعالات التي تمر بها لتدلنا على مدى عمق وصدق ووضوح هذا الإحساس الذي ترسمه في القصيدة..فشعورها بالإحباط من واقع الحال..بقولها:

هنا حيث 

أمشي وبلا دراية أظنُّه للأمام

وخطواتي للقبرِ تسبقني

 

إلى الشعور بالحنين والشوق:

 

يقبع قلبي و صور ذكرى غدَت بلا تفاصيلٍ

برتابة زمنٍ غادرتهُ قهقهاتُ الفرحِ

 

والشعور بالغضب والسخط على النائبات:

براكين التردّدِ تجني مواسمَ التفاحِ رماداً

هكذا تذروا رياحُ القدرِ المحاصيلَ لسرابٍ

 

وفي تصوير الغضب الذي يعتريها بقولها:

 

هدمَ َ كلَّ القلاعِ الرمليّة الأماني

لا تزالُ قبضةُ الاختناقِ

تشتدُ على عنقِ الغيمِ الهاربِ

 

والشعور المتألق الذي رسمته، بدفع القارئ ليعود إلى التاريخ القديم وما جاءت به العبر السماوية في قصصها، وما نقله لنا التاريخ من حكايات وأساطير عن شخصيات وهمية وحقيقية..

سفينةُ نوحٍ تلوحُ للرؤى بالصعودِ

تعكسُ لذاتي أضغاثَ مطرٍ يبشرُ بمواسمِ نور

كليلةٌ يدي إذ أحاربُ منفردةً طواحين العدمِ

مهدي يبكيه طفلُ مغارةٍ

تمكرُ النوايا لهُ أعمدةً لصلبهِ حيّاً

شمعةُ صلاتي بلا فتيلٍ تضيءُ عتمتي عنوةً

أتنفسُ أدخنةَ روحي المحترقةَ

لا زال صوتٌ يتسلّلني ...

وحيٌ كرذاذٍ 

يبوحُ بوقُ اسرافيلَ بقطراتِه نهايةً للجفافِ 

يروي بقايا زرعٍ 

نسيتهُ مناجلُ صيفٍ حارقِ الصراخِ

تنتشي أروقةُ الليلِ 

فتنتصب روحي بانبعاثِ فجرٍ من رقادهِ

من جديدٍ.....

 

وتعود لتبث في القارئ روح الأمل والتفاؤل الذي عايشته بانفعالاتها.. من خلال قولها:

سأنتظرُ قوافلَ الغدِّ السائرةِ إلى الشمسِ

و حين يدورُ محورُ الأرضِ 

و تلتحمُ عقاربُ الوقتِ عشقاً

ستعودُ النّضرةُ لملامحِ زليخةَ

إذ يذكرها يوسفُ بصلاةِ سماحٍ

 

وفي نهاية المطاف، تنقل شعورها ومشاعرها بأن الصبر والأمل باقيان فيها وستبقى على شوق الإنتظار بقولها الأخير:

 

ربما بجفنيكَ ارتجاعُه حياةٌ وليدةً

سأنتظرُكَ مخاضَ....حلم عسيرٍ.

 

 

خصائص الشعر وأنواعه:

تتعدد أنواع الشعر وهو عبارة عن:

1. الشعر التعليمي.

2. الشعر القصصي الملحمي

3. الشعر التمثيلي

4. الشعر الغنائي الوجداني

 

وفي لقاءنا مع قصيدة شاعرتنا الأستاذة عليا عيسى . 

نجد أن قصيدتها تتماشى مع الشعر الغنائي الوجداني من خلال العواطف والأحاسيس والوجدانية التي نقلتها لنا في قصيدتها.

 

نجحت الشاعرة في شكل ومضمون قصيدتها،فمن حيث المضمون ، كان المعنى، والعاطفة التي استعملتهما في أدواتها الشعرية ناجحة لتنقل لنا ما أرادت نقله، ومن حيث الشكل، نجحت أيضا من استعمال الخيال والأسلوب في الفكرة العامة للقصيدة.

تمكنت الشاعرة من الالتزام بالحقيقة، ولم تخطئ، وبهذا نال عملها القبول، أجادت الابتكار والجدية في قصيدتها، توغلت بأعماق المعاني لتعطي عمقاً لنصها، وبنجاح، وهذا عن المعنى.

أما عن العاطفة، نقلت الشاعرة دوافعها من القصيدة بصدق كامل وعمق في تجربتها الشعرية هذه

أثرت القصيدة في نفس القارئ، وحركت الوجدان والتفاعل ، وأخيرا تمكنت الشاعرة من استعمال الخيال بشكل ناجح ومتفوق لتنقل لنا مقاصد  قصيدتها. 

 

رسالة:    عنوان ( نكرة ) تميز به النص، لما يحمله من رسائل.. متعددة.

 

بهذا تكون أديبتنا قد رسمت لنا لوحة شعرية متميزة، تكاملت فيها طقوس التألق الإبداعي، المتميز، وتكاد تكون قد استوفت كل مكملات النجاح في نصها.

 

النص الكامل للشاعرة الأستاذة عليا عيسى..

 

رسالة#

هنا حيث 

أمشي وبلا دراية أظنُّه للأمام

وخطواتي للقبرِ تسبقني

يقبع قلبي و صور ذكرى غدَت بلا تفاصيلٍ

برتابة زمنٍ غادرتهُ قهقهاتُ الفرحِ

واستوطنَهُ فحيحُ الهسيسِ يقطرُ سمُّهُ

تتآكل أطرافُ أصابعٍ ترسمُ الأحلامَ

إذ يسري بالشرايينِ وباءُ التلاشي

براكين التردّدِ تجني مواسمَ التفاحِ رماداً

هكذا تذروا رياحُ القدرِ المحاصيلَ لسرابٍ

صدأُ المفاجآتِ المستذئبةِ

يغتالُ نصل سيفِ التّحدي

ليستسلمَ بلا صراعٍ لمخاوفِ شعوذاتِ الريحِ

تلاطمُ الواقعِ

هدمَ َ كلَّ القلاعِ الرمليّة الأماني

لا تزالُ قبضةُ الاختناقِ

تشتدُ على عنقِ الغيمِ الهاربِ

نوازلِ البرقِ تدمي مآقِ الشجرِ

البراعمُ تبكي عذريةَ الفصولِ

الدمعُ أشرعةُ عتبٍ يستغيثُ مآذنَ العودةِ

أرعدَ الصمتُ من كهفِ الخمسةِ الأنقياء

سفينةُ نوحٍ تلوحُ للرؤى بالصعودِ

تعكسُ لذاتي أضغاثَ مطرٍ يبشرُ بمواسمِ نور

كليلةٌ يدي إذ أحاربُ منفردةً طواحين العدمِ

مهدي يبكيه طفلُ مغارةٍ

تمكرُ النوايا لهُ أعمدةً لصلبهِ حيّاً

شمعةُ صلاتي بلا فتيلٍ تضيءُ عتمتي عنوةً

أتنفسُ أدخنةَ روحي المحترقةَ

لا زال صوتٌ يتسلّلني ...

وحيٌ كرذاذٍ 

يبوحُ بوقُ اسرافيلَ بقطراتِه نهايةً للجفافِ 

يروي بقايا زرعٍ 

نسيتهُ مناجلُ صيفٍ حارقِ الصراخِ

تنتشي أروقةُ الليلِ 

فتنتصب روحي بانبعاثِ فجرٍ من رقادهِ

من جديدٍ.....

سأوقد أوصالَ أحلامي ليدفأ كهفُ النسيان

رغمَ أنَّ المسافةَ بين الفجر وعيني

دهرٌ و هاويةٌ

ألملمُ شظايا مرآةِ نفسي المحطمةَ

يالِ ملحٍ زرعته الأيام في شقوقِ الجروحِ الغائرةِ النزيفِ

زناخة دمِ الفرحِ تزكمُ أزمنةَ لقاءٍ 

يُعِدُّ لها توقيتي المتعبِ

الآن.....

و على غفلةٍ من ذاتي

بينما العجائزُ الكالحاتُ تخيطُ أكفانَ ضفائري

أنسلُّ وبلا خوفٍ من عتمةِ موتٍ يفغرُ فاهُ

أنزعُ أدواتِ التحنيطِ عن أجفانِ الصبحِ

أرمي بنفسي في بئرِ يـوسفَ

ابتلعيني....

أيتُها الأمواجُ

مياهُ البحر والزّبدُ عنوانُ رسائلي

سأنتظرُ قوافلَ الغدِّ السائرةِ إلى الشمسِ

و حين يدورُ محورُ الأرضِ 

و تلتحمُ عقاربُ الوقتِ عشقاً

ستعودُ النّضرةُ لملامحِ زليخةَ

إذ يذكرها يوسفُ بصلاةِ سماحٍ

حينها... فقط حينها

ستأتي أنتَ....

معَ عطورِ ربيعٍ كان قد انزوى بعيداً

عابراً لفيافي الصمتِ المختزنِ بوتيني

صهيلُ فارسٍ بيده ورقةُ استدعاءٍ لقلبٍ 

معطّل النبضاتِ لساعاتٍ بلا نهايةٍ

هل الفجرَ سيشرق ذاتَ سلامٍ ما ؟

ربما بجفنيكَ ارتجاعُه حياةٌ وليدةً

سأنتظرُكَ مخاضَ....حلم عسيرٍ !!

 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=84877
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 10 / 16
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 07 / 16