• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : وهم الخلاف في حقيقة الاستخلاف .
                          • الكاتب : حسين جويد الكندي .

وهم الخلاف في حقيقة الاستخلاف

 مغالطة موضوعية تلك التي يرتكبها بعض من يخوض في المسائل الخلافية التي تقع في خانة الفكر السياسي الإسلامي باعثه التعصب المذهبي تارة أو الانتماء القومي تارة أخرى , ألقى عليها تعاقب الدهور سربالا زائفا يتجلبب بقداسته كل من يريد تمرير أزمات سياسية أو حتى عقائد باطلة , استنزفت في طريق صيرورتها قابلية الأمة على النمو كحضارة حية  ملئت الدنيا وشغلت الناس يوم ذابت في بوتقتها مختلف الملل والنحل , فأنتجت أطوار متعددة من المناهج الفلسفية والمعرفية , وترجمتها حضارات كبيرة صيغا للتحديث والتنوير , في فترة تعتبر من أخصب فترات النمو النوعي لبني الإنسان على هذه الأرض , إن بساطة تناول قضايا هامة وجوهرية في حركة ( تاريخ ) الفكر السياسي الإسلامي , لايخدم البحث العلمي عن منشأ اختلاف الأمة في القضايا التي عليها مدار التخندق المذهبي والعقدي , والذي يتخذ صور للصراع الوجودي في فترات تتفاوت قوة وضعفا , بل ربما تفضي أساليب التسطيح المعرفي إلى زيادة الوهم في المخيال الاجتماعي لأبناء امتنا الذين أضاعوا بوصلة الانتماء والهوية واخذوا قرارهم بالفرار شرقا وغربا بحثا عن ضالة ليس لها وجود إلا في أذهان مشوشة , حتى ملئت منهم حيتان البحر بطونها , وتناثرت جثثهم على ضفاف سواحل اليونان وأطراف غابات مقدونيا .
أرسى الفكر الإسلامي قواعده العامة الشاملة لجميع نواحي الحياة , وثبت أسس مناهجه لكي لا تكون للناس حجة بعد الرسل , ومن تلك المناهج بيان أهلية الأمة على اختيار نظام الحكم ؟ , أو صفات الحاكم , فوضع لذلك الأسس , وفصل في الجزئيات , وقد بالغ النبي ( ص ) في بيان تلك المناهج في غير موضع أو مناسبة , تجديدا للفكرة في أذهان الصحابة , وشحذا لقابليتهم على التفاعل الايجابي مع مسالة غاية في الخطورة تمس مستقبل الدعوة , بل تحدد أطرها العامة , وتهيمن على إمكانية انتشار الإسلام وديمومة أفكاره , وهكذا كانت نوعية النظام السياسي الواجب الإتباع بعد فقد النبي ( ص ) حاضرة في الذهنية العامة للصحابة ,  ولم يترك أمر جوهري يتمثل في قيادة الأمة سدى تتلاقفه أهواء مريدي السلطة , بل وضع الأطر الكفيلة لاختيار النظام السياسي وأمر المسلمين بإتباعها للحصول على قيادة سياسية تتمثل في حركتها مبادئ الإسلام الحنيف , لأن ترك الخيار للناس أمر يوجب الاختلاف , لاختلاف الأهواء وتفاوت العقول وتعدد الأطماع وشذوذ بعضها , فكانت آيات الخلافة العامة في مدلولها تكوينية , بمعنى إن الخلافة اختيار الهي للإنسان في طبيعة حركته الايجابية سياسيا , وهو ما بلغه النبي ( ص ) مستخدما لفظ ( الخلافة والخليفة ) وكما عبر الدكتور الجابري ( راع واحد يقود الأمة برمتها ) للدلالة على نوع النظام الواجب الاقتداء بعد غياب مقام النبوة , ومن هنا لم ( يترك الإسلام الحرية كاملة للمسلمين لاختيار النظام السياسي المستجيب لقضايا زمانهم ) كما يتصور الدكتور الجنحاني , بل أعلن عنه وحدد مفاهيمه ومسمياته , فالخلافة إذن هي النظام السياسي الإسلامي الذي ينبغي أن تختاره الأمة بعد النبوة , والذي أعلن النبي ( ص ) عنه , وهو الذي لاينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى , والخلاف الذي حصل ليس في اختيار النظام السياسي , بل في صفات الخليفة , ففي الوقت الذي ترى فيه طائفة من المسلمين ان يكون الخليفة قرشيا , ترى طائفة أخرى منهم شرطا أكثر خصوصية , يتمثل في أن يكون الخليفة هاشميا من قريش .
شكلت الاجتهادات الشخصية في اختيار الخليفة أصعب عقبة للوقوف على حقانية الاختيار طيلة فترة الاستخلاف التي امتدت قرون متطاولة , تلك الاجتهادات التي عبرت عن قابلية الأشخاص في معالجة المشكل السياسي , فاتسمت الحقب التاريخية بسمات أفراد وانطبعت السياسات بطابع رؤى محدودة تمثل رغبات وأهواء شخصية حتى آل الأمر إلى اعتبار من تمكن بالقهر والاستيلاء وبقوة الشوكة في انعقاد الخلافة له , متحكما بدين الأمة فضلا عن دنياها ( كما يرى التفتازاني )  , في استعمال وضيع لمقولة ( ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم ) , ومن دون الالتفات إلى الفصل بين مقامي القيادة الدينية والدنيوية في الفكر الإسلامي , والتي ثبت فيها فكرة فصل السلطات في وقت مبكر من تاريخ الفكر السياسي العام , فإلى جانب مصطلح الخلافة , كان هناك مصطلح آخر يتداول في مفاهيم القيادة وهو مقام ( الإمامة ) الذي أشارت إليه الآيات القرآنية , والتي تعتبره ظاهرا أعلى رتبة من مقام النبوة ( إني جاعلك للناس إماما ) , وكان ذلك بعد النبوة والرسالة والخلة لأبراهيم ـ عليه السلام ـ بمعنى إن الإمامة اعم واشمل من مصطلح الخلافة , وهذا يشير إلى عمومية دلالته لمقام الخلافة , فالإمامة  التي هي حقيقة تكوينية ومقام وجودي وتكليف الهي , أما الإمام فان له صفة الجعل الإلهي وان لم يكن متقلدا زمام الأمور بالفعل , وهو فصل واضح بين الدولة والدين كما هو واضح .
استعمل النبي ( ص ) مصطلح ( الخليفة ) بما لايمكن الإحاطة به حصرا للدلالة على مفهوم الإنابة عنه في إدارة شؤون الأمة , وقد نقل عنه ذلك في الموسوعات الحديثية الإسلامية العامة  , واستغرب جدا من ادعاء الدكتور الجنحاني الذي يقول ( بحثنا ولم نعثر على استعمال مفهوم الخلافة في مرحلة النبوة ) ص 21 , وفيما يلي طائفة من الموارد التي استعمل فيها النبي ( ص ) لفظ الخليفة في حياته .
اخرج ابن اسحاق وابن جرير الطبري في تاريخه 2 : 62 , وابن ابي حاتم وابن مردويه وابو نعيم والعسقلاني في الاصابة 1 : 127 , وابن سعد في طبقاته 1 : 187 , والحسكاني في شواهد التنزيل , والحديث عن طريق المتقي الهندي في كنز العمال 13 : 130 , الحديث 36489 طبعة مؤسسة الرسالة ـ بيروت , قال رسول الله ( ص ) في حق علي : ( هذا اخي ووصي وخليفتي فيكم فاسمعوا له واطيعوا ) .
ايضا اخرج الامام احمد في مسنده , بداية مسند عبد الله بن عباس , 6 : 436 , الحديث رقم 2903 , وابن كثير في تفسيره 6 : 170 , في حديث الثقلين , في غزوة تبوك , قال النبي ( ص ) لعلي : ( اما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا انك لست بنبي , انه لاينبغي ان اذهب الا وانت خليفتي ) ومناسبة الحديث ان علي حزن لتخلفه من مرافقة المسلمين في الغزوة , فعلم النبي بحزنه , فقال له ذلك .
وقد استعمل النبي ( ص ) مصطلح آخر يدل على إنابته في الأمة في حال غيابه , استعمل كثيرا بعده في الإشارة إلى الخليفة , ذاك هو مصطلح ( أمير المؤمنين ) والغريب انه نادى به وهو بين ظهراني المسلمين , قال في الحديث الذي أخرجه ابن مردويه في فضائل الصحابة نقلا عن حلية الأولياء لابي نعيم وكتاب الولاية للطبري , قال : قال النبي : ياأنس يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين وخاتم الوصيين ..... يقول انس : اذ جاء علي .... الحديث .
لم يترك الإسلام أمر قيادة الأمة سدى , بل بين المنهج ووضع النظام , وأشاد الأسس , وقد تكفل النبي ( ص ) في التنصيص وبيان الشرائط لهذا المقام المهم , في أحاديث حفظتها لنا طائفة من الصحابة , نقلت عنهم في موسوعاتنا الإسلامية العامة , فضلا عما ورد في اثر طوائف المسلمين , وموروثاتهم الخاصة .
 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=85700
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 11 / 05
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 04 / 19