• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : قراءة في كتاب .
                    • الموضوع : قراءة في كتاب : تهافت النظرية الدارونية وسقوط النظريات التابعة .
                          • الكاتب : د . حميد حسون بجية .

قراءة في كتاب : تهافت النظرية الدارونية وسقوط النظريات التابعة

المؤلف: السيد هادي المدرسي
التاريخ: 2011(الطبعة الأولى)
دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع
يتكون الكتاب من مقدمة وثلاثة أقسام والمصادر العربية والمصادر الأجنبية. عدد الصفحات: 221.
ملاحظة:  في هذه المقالة، نأيت بنفسي قدر الإمكان من أن أسميها (نظرية)، واكتفيت بكلمة (الدارونية)، لأن دارون نفسه وعندما نشرها، قال إنها فرضية، لكن من راق لهم ما فيها من هامش إلحاد، أطلقوا عليها أسم نظرية، لأن هنالك من الناس من يكون أكثر ملكية من الملك نفسه!
   يتناول الكاتب في مقدمته أسباب الكتابة في هذا الموضوع، ويعيدها إلى سببين: أولهما استغلال النظريات المادية المعاصرة للنظرية الدارونية لتكريس مبادئها القائمة على إنكار حقائق الكون الكبرى المتمثلة بوجود الله تعالى ونزول الوحي على الأنبياء والرسل والمعاد. وثانيهما ما يثيره أصحاب النظريات المادية من تناقض موهوم بين الدين والعلم اعتمادا على ما كان من علاقة بين الدارونية باعتبارها ممثلة للعلم، وأن الدين يمثل وجهة النظر غير العلمية.
يشير الكاتب إلى أن نظرية (التطور العضويorganic evolution) الذي جاءت به الدارونية والذي استنبطت منه فكرة الارتقاء، تفتقر إلى الأدلة العلمية كما يشير إلى ذلك كثير من العلماء مثل السير آرثر كيث الذي يعترف أنها غير ثابتة علميا، لكنها البديل للفكر الديني، أي أنها الخيار الوحيد بالنسبة لهم.
وبعد ذلك يذكر المؤلف ثلاث حقائق: الأولى أن دارون(1809-1882) لم يكن الواضع الأول للنظرية في كتابه(أصل الأنواع)، فقد سبقه الفرنسي جان باتيست لامارك(1748-1829) في كتابه(فلسفة الحيوان). لكن دارون أدخل عليها تعديلات جعلتها أكثر مرونة. كما أن كهنة بابل وآشور ومصر قد سبقوا الاثنين قبل آلاف السنين في الاعتقاد أن الإنسان كان في البدء كتلة لزجة من المادة لا شكل لها ولا صورة، وقد نفث   خالقها فيها نفثة من الحياة، ثم أثّرت فيها الطبيعة واشتركت في ذلك الكواكب، فتقلبت في أطوار من النشوء حتى أصبحت في صورتها البشرية. 
الحقيقة الثانية هي أن العلماء المتعصبين للدارونية يتصدون لأي دليل علمي من العلوم التجريبية يتناقض معها ويكذبونه، وإذا ما فرض نفسه قاموا ببعض التعديلات في أصل النظرية، حتى أنها تغيرت جذريا.
الحقيقة الثالثة أن الدارونية هي مجرد وجهة نظر ليس إلا، كما قال عنها واضعها ابتداء. فهي بحاجة إلى إثباتات علمية وتعديلات وإعادة نظر مستمرة.
القسم الأول من الكتاب: ويتناول الكاتب فيه مناقشات عامة حول الدارونية. وتبتدئ من إبحار دارون في سفينته عام1831 في سفينة شراعية صغيرة أسمها(البيجل) تابعة للأسطول الملكي البريطاني. ثم يتناول الأصول الأربعة في الدارونية، وهي تنازع البقاء و انتخاب الأصلح والملاءمة مع المحيط و الوراثة. 
     ومما ينبغي ذكره-وهذا من محاسن الكتاب-أن الكاتب عندما يذكر مبادئ الدارونية، يذكرها بأمانة وكأنه يريد إقناع القارئ بها، حتى إذا وصل إلى نقدها قلب لها ظهر المجن. وهذه إحدى صفات علماء وكتّاب ومفكري المذهب: ألا وهي أمانة الطرح.   
بعد ذلك يتناول الأدلة والبراهين التي تعتمدها الدارونية، وهي علم الأجنة وعلم الحفريات وعلم التشريح المقارن والردة والتشابه الخارجي. ثم يبدي ملاحظاته على كل منها.
وتحت عنوان (مناقشات جانبية) في نفس الفصل يتساءل المؤلف عن ماهية الحياة الأولى وعن كيفية تطورها. ويناقش جواب الدارونية لهذا السؤال. ثم يذكر ما في جوابها من تهافت. وفي النتيجة يتساءل: (ثم إذا كان التوالد نوعا من التطور، فهل أن القردة التي تولد أمثالها، تقوم بعملية التطوير؟ فلماذا إذن تطورت إلى إنسان؟)
ويناقش بعد ذلك العقل والغريزة اللتين سقطت في بيانهما الدارونية. ويذكر بعدها تعثر الدارونية في قضايا النبات. ثم يتساءل عن سبب انقراض الديناصورات، فيقول (فإنّ سر انقراضها يبدو مجهولا للغاية... ما دام طول العمر يتناسب مع كبر الحجم-كما تقول الدارونية). ويعرض آراء العلماء في ذلك.
وتحت عنوان(عنصر الأسطورة في الدارونية)، يقول الكاتب إن الدارونية وُضعت( في قالب أسطوري رائع) ثم وُصفت بـ(العلمية). ويقول إن (الأسطورة تمثل سلسلة الأعصاب، في الأقانيم الثلاثة: التطور الداروني وعلم النفس الفرويدي والديالكتيك الماركسي) ومواقفها اتجاه نشوء الكون وتطوره ونشوء الحياة وتطورها ونشوء العبادات والطقوس. والهدف من ذلك (التنازل لها عن كل القيم الإنسانية والقناعات العلمية والحقائق الفلسفية).
وفي صفحة133 يتساءل المؤلف عن اللغة. ويذكر ما تدعيه الدارونية إزاء ذلك. فهي تعزو الصوت وما تلاه من لغة إلى شهوة التناسل، أي أن غاية الصوت هو نداء الذكر للأنثى. ثم احتاج الإنسان اللغة عندما ترك الإقامة على الشجر وسكن مع أقرانه للصيد، فتفاهم معهم بالإشارة أولا ثم باللغة لاحقا. كما أن النار كانت عاملا قويا في تنشئة اللغة!
وفي صفحة 139، يتساءل الكاتب عن تعليل الدارونية للموت. فهي تدعي أن السبب هو أن الأبناء هم الذين يرغبون في ذلك!
القسم الثاني: وفي هذا القسم يناقش الكاتب العلاقة بين الإسلام والمادية المتمثلة بالدارونية. ويناقش قبل ذلك موقف المسيحية من الدارونية. فهنالك في المسيحية ما يقطع أن كل الكائنات: نباتية أو حيوانية، قد خُلقت بصورة مستقلة، دون تطور أو أصل أولي. وكان ما جاءت به الدارونية خطر على تلك الديانة لما فيها من خرق لتعاليم الكتاب المقدس.
وقد كان للإسلام رأيه الخاص في أن الحياة ليست وليدة صدفة عمياء بل هي خلق بإرادة خاصة. والكون يسير وفق ناموس الله وقوانينه, والإنسان أحد تلك المخلوقات، ومصيره ليس فناء وعدما. أما من حيث الاعتقاد والمبدأ، فان دارون نفسه يقول: (إن الاستدلال بمذهب التطور على إنكار الإله الخالق خطأ كبير، وادعاء لا سند له من العلم ولا من التفكير الأمين). ولهذا الحد، فموقف الإسلام منها لا يعدو كونه موقفا من أية نظرية بحاجة إلى مزيد من الإثباتات والأدلة والبراهين.   
ويورد الكاتب ملخصا لمقارنة رأي الإسلام القائل(كن صاحب حق حتى أحترمك) وما ترسمه المادية-الدارونية بالقول(كن قويا حتى..أحترمك).
وفي القسم الثالث يناقش المؤلف مأساة الإنسان في ظل المادية-الدارونية. ثم يتناول مدى مسؤولية الدارونية عن الأخطاء التي ارتكبها الماديون باسمها، وذلك عن طريق مناقشة ارتباطها بالماديات. فقد تأثر ماركس بالدارونية بشكل كبير. لذلك جاءت نظريته متناقضة مع الواقع ومع نفسها. ثم يتناول الكاتب تأثيراتها السلبية في الدين والحضارة. ومن ثم يتناول كون الدارونية سببا في الحروب ومآسيها، والاستعمار والتفرقة العنصرية التي كانت نتيجة طبيعية لما جاءت به.
وختاما، فهذا الكتاب جهد رائع في ميدانه. أغناه الكاتب بالمصادر بنوعيها: ما يدعم الدارونية وما يفندها. ويخلص كل من يقرأ الكتاب إلى ما يرمي إليه الكاتب من كتابه، تفوق الفكر الديني على ما جاءت به الدارونية.
على أن هنالك بعض الهنات في طبع الكلمات الانكليزية-وهذا ما لا يد للمؤلف فيه. فبالتأكيد كانت إضافة تلك الكلمات لغاية في نفس المؤلف، ولم تكن لتزيين الكتاب حسب. لكن الطباعة أفسدت ذلك. 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=89458
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 02 / 12
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 12