• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : الشاعر محمد طاهر الصفار: (كانت ثورة الحسين عالمية بكل مقاييسها وقيمها ومبادئها السامية فغطى صداها جميع أصقاع العالم، وأصبحت كربلاء أنشودة الحرية في فم الأجيال) .
                          • الكاتب : علي حسين الخباز .

الشاعر محمد طاهر الصفار: (كانت ثورة الحسين عالمية بكل مقاييسها وقيمها ومبادئها السامية فغطى صداها جميع أصقاع العالم، وأصبحت كربلاء أنشودة الحرية في فم الأجيال)

حوارات المبدعين..
الشاعر محمد طاهر الصفار: (كانت ثورة الحسين عالمية بكل مقاييسها وقيمها ومبادئها السامية فغطى صداها جميع أصقاع العالم، وأصبحت كربلاء أنشودة الحرية في فم الأجيال)

 حاوره: علي حسين الخباز

 لا يحتاج المبدع الى تعريف، لذا سندخل الى عوالم الشاعر العراقي الكربلائي محمد طاهر الصفار، فبدأت المحاورة بسؤال: 
- ما الذي نستطيع أن نضيفه لكربلاء؟ لنعيد السؤال ثانية: هل الارتكاز على البنية المكانية يحقق للخطاب الشعري نصرة روحية؟ وقررت أن أعيد السؤال ثالثة: كربلاء لها رؤية والكثير من الدلالات والاحالات، كيف يمكن احتواء عوالمها في متن قصيدة؟ 
الشاعر محمد طاهر الصفار:ـ في الواقع لقد تخطى الشعراء واقعة كربلاء بوصفها حدثاً تاريخياً إلى فضاءات أوسع، تزامنت مع روح العصر، فكانت الصلة نابضة حيّة بين الأمس واليوم، فقلّما تجد شاعراً لم تستوقفه تلك الدماء التي لا زالت تلهث على أفق هذه المدينة براية حمراء ترمز إلى ذروة العطاء البشري, وتشكّل صلة نابضة حية تروي للعصور قصة ملحمتها الخالدة. 
 لقد تخطّت (كربلاء) حدود جغرافيتها, وطوت تضاريسها, فلم تعد خاضعة لبقعة معينة من الأرض, بل أصبحت رمزاً لفلسفة الرفض عبر الأزمنة والأمكنة والأحداث, لتجسّد عظمة الثائر وعظمة الثورة، فلم تكن كربلاء مجرد حادثة تاريخية، وإنما كانت ثورة لها أبعادها الدينية والسياسية والفلسفية والفكرية والتي تضمنت مفاهيمَ وقيماً إنسانية عليا هي أساس خلودها عبر العصور.
 وقد انعكست هذه القيم والمفاهيم في الشعر، فاستحضرها الشعراء بشكل مباشر أحياناً وغير مباشر أحياناً أخرى، ووظّفوها في معالجة المشاكل الراهنة، بحيث أصبحت سمة بارزة من سمات الهوية الثقافية التي غذت الحركة الأدبية والفنية بخبرات وتجارب غنية، وطبعت إنتاجها بمسحة من الحزن والألم مثلما تحوّلت إلى نماذج معاصرة في التضحية والفداء. 
 لقد أفصح الكم الهائل من القصائد التي تناولت كربلاء على مدى قرون طويلة عن مفهوم أن التاريخ سياق يتحرك باستمرار, فالإرث العظيم الذي حملته هذه المدينة المقدسة بقيمه السامية ومبادئه العظيمة تجاوز التراث, وكان أكثر حضوراً وإشراقاً في وجدان الأمة جيلاً بعد جيل, فانصهر صوت الشاعر مع كربلاء، ليعبر من خلالها عن طموحات الأمة وتطلعاتها نحو مستقبل مشرق. 
 وقد استلهم الشعراء واقعة كربلاء بدلالات تكسر الحواجز والأبعاد وبإحالات معاصرة مثلما ظهر في شعر الجواهري، وبدر شاكر السياب، وسعدي يوسف، ومظفر النواب، وحسب الشيخ جعفر، وغيرهم الكثير من الشعراء الذين وظفوا حادثة كربلاء في الحياة المعاصرة بأساليب فنية جديدة، وصاغوا نماذج أدبية رفيعة، تنضح بالجرح المدمّى والأثر العميق المتجذّر في الوجدان، مستلهمين معاني عاشوراء في الثورة والاستشهاد. 
 لقد أصبحت الدماء التي سالت في كربلاء رمزاً للحق ووساماً على صدور الأحرار وتضحية عظيمة، فالخير لا ينتصر بالكلمات فقط، إنما في الكفاح والدماء فوسم الشعراء قضية الحسين بأروع كتاباتهم، فهي تشرق مع الشمس لتدخل أشعتها نوافذ بيوتهم، وتتألق في الورود والصباح، وتثمر بالخبز والحياة والكرامة... رأس الحسين غدا وردة في الحدائق، وأنشودة للمتعبين ونهراً ونافذة للمطر... الحسين يتجلى في كل زمان ومكان، ليس بطلاً فحسب، بل هو التحقيق المادي الذي يتجسد عبر الأزمنة في الأبطال والمدافعين عن شرف الأمة وحريتها وكرامتها.. الحسين(عليه السلام) هو النموذج الذي يتمثله الانسان رمزاً للاستشهاد، مقابل النموذج الشر كرمز مناقض في الوجدان الإسلامي والإنساني.
 - كل ثيمة مكانية لها مميزاتها الخاصة، تلك مسألة لا نقاش فيها، لكننا نسأل عن التمكن الشعوري الذي يمتلك من يكتب عن كربلاء؟ وهل هناك فارق للتعايش الجغرافي أم أنها الهوية الروحية الشمولية هي السائدة؟ وبشكل أوضح، الشاعر الكربلائي اكثر مسؤولية لتمثيل هذا الانتماء؛ لكونه يمتلك التماس المباشر مع سلطة التأثير المكاني، أم ترى أنه لابد من إلغاء فوارق المسافات تماماً، وإلغاء خصوصية التعايش المكاني، ولتصبح كربلاء موقفاً روحياً وفكرياً؟ 
الشاعر محمد طاهر الصفار:ـ اكتسبت الحركة الثقافية في هذه المدينة المقدسة أهمية خاصة؛ كونها تمثل الإرث التاريخي والأخلاقي لهذه المدينة، لقد تميزت كربلاء؛ كونها كانت مسرحاً لأروع ملحمة في التاريخ وأنصع صفحة من صفحاته، وقد زخر الشعر الحسيني الكربلائي بصور الملحمة الحسينية، فمثلما كانت كربلاء آهة حزينة ودمعة حَرّى، فقد كانت نشيداً خالداً للشاعر الكربلائي الذي وجد في القضية الحسينية سجلاً حافلاً بالصور المجسدة لكل ما جرى في معركة الطف، فتعددت المحاور والموضوعات فإلى جانب الرثاء كانت هناك جوانب أخرى: كالشجاعة والاباء والتضحية التي تجسدت في الإمام الحسين(عليه السلام) كذلك التعبير عن إجلال الشعراء للإمام الحسين وبيان مكانته عند رسول الله(ص) إضافة إلى الجوانب الأخرى.
 كما تجلى في الشعر الكربلائي الحسيني صدق العاطفة والصور المؤثرة، ففي الرثاء كان الشاعر الكربلائي يعبر عن شدة الحزن والأسى، لما ألمّ بالإمام الحسين وأهل بيته وصحبه(عليهم السلام)، فكان لهذا الشعر الرثائي صدى جماهيري واسع حينما يلقى على المنابر لتصويره الجوانب المؤثرة في واقعة كربلاء وما جرى في فيها من مآس على أهل بيته، فلم يشهد تاريخ الأدب العربي انسجاماً وتلاحماً بين الشاعر وجمهور المتلقين مثلما حصل في مراثي الحسين، فكان ذلك مصداقاً لقول رسول الله (ص): (إن لقتل ولدي الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً).
 ورغم أن كربلاء كانت ولا تزال مصدر الإشعاع الذي تغلغل إلى الضمير الإنساني عبر العصور، إلا أن الثيمة المكانية لها خصوصياتها بالطبع، ولكنها تنصهر ولا تلغى مع أصوات عشاقها، لتصبح كربلاء قبلة لعشاق البطولة والإباء بغض النظر عن دينهم وانتماءاتهم، فمثلما هز الصوت الحسيني البطل وهب المسيحي، فلا يزال هذا الصوت متجدداً يهزّ الضمائر الحرة من الشعراء والكتاب المسيحيين الذين وجدوا في وهب أسوة حسنة، فتجسد ذلك في شعرهم ونثرهم، فكتبوا الملاحم والقصائد الطويلة، وألفوا الكتب والموسوعات عن كربلاء.
 ويطالعنا الأدب العربي بقائمة كبيرة من قاماته السامقة من الشعراء والأدباء المسيحيين استلهموا من الحسين الروح الإنسانية الكبيرة يقول انطوان بارا في كتابه: (الحسين في الفكر المسيحي)ص72: (لو كان الحسين لنا لرفعنا له في كل بلدة بيرقاً، ولنصبنا له في كل قرية منبراً، ولدعونا الناس إلى المسيحية باسم الحسين).
 أجل، لقد تجلّت العظمة بأروع صورها عند الحسين، فكان عظيماً في إبائه كما كان عظيماً في عطائه، فعلّم الإنسانية أروع دروس ومعاني العقيدة الراسخة، كما لم يقتصر هذا الشعر على لغة العرب وحدها، ولا على المسلمين وحدهم، فتمجيد الثورة ضد الظلم هو تمجيد للمبادئ الإنسانية جمعاء.
 وقد كانت ثورة الحسين عالمية بكل مقاييسها وقيمها ومبادئها السامية فغطى صداها جميع أصقاع العالم، وأصبحت كربلاء أنشودة الحرية في فم الأجيال، يقول جبران خليل جبران: (لم أجد إنساناً كالحسين سجّل مجدَ البشرية بدمائه).
- لكربلاء طعم في اللامحكي ام الانفتاح المباشر للتغني بمآثرها أطعم وألذ؟، وأين هي من قضية الواقع والمتخيل؟، هل تتعامل معها كتاريخ وتجعلها في الركن المتحفي أم تجعلها معاصرة وتعطيها صفة الحياة؟ 
الشاعر محمد طاهر الصفار:ـ الغد سيكون مشرقاً بالتحدي ورفع الصوت والظهور بقوة ورفض كل أنواع الظلم، لتكتسب النفوس القوة والمتعة، فالحسين بطل تحدّى فناضل وقاتل فاستشهد، فالحدث الحسيني كان غذاءً ودافعاً مهما لرسم غد مشرق. 
 إنّ الشاعر كان يلهث وراء السراب ليستعير من ملاحم اختلطت فيها الحقائق بالخرافات, في شخصيات اختلف في وجودها من عدمه، ليستقي منها مادة شعره, ويتغنّى ببطولات وأمجاد قبلية ضائعة في تيه الصحراء, ليكوّن مادته من التبجح بالأنساب, والغلو بالمحامد والمدائح الذي يضاهي الخوارق, والتفاخر بالغزو والسلب, فتأتي كربلاء الواحة, كربلاء الحقيقة, كربلاء الينبوع, الذي يرفد الشعراء بدفقات الولاء ويبث فيهم روح الثورة, روح الشهادة, فأصبحت كربلاء أنشودة الشاعر الحماسية, ولحنه الشجي. 
 إن كربلاء حاضرة ومعاصرة وهي التي تهب الحياة، إن الأمم تجدد ملاحمها لتبقى حية بتعاقب أجيالها عن طريق شعرائها وكتابها وفنانيها؛ لأن تلك الملاحم تمثل لها وجودها التاريخي وصراعها من أجل كرامتها ومسيرتها الحضارية, وقد بذل الشعراء من تلك الأمم وغيرهم جهدهم على إبراز تلك الملاحم بصورة مشوّقة ومؤثرة؛ لأنها تدور حول تاريخ الأمة ووجودها يحثهم على ذلك الاعتزاز بالتراث لخلق هدف إنساني منه. 
- ماذا يشكل الرمز الحسيني عند توظيف معناه شعرياً، هل نتعامل معه كمرموز ثوري تاريخي أم واقع له دلالاته الفكرية وله حقيقته الثورية، ام لإضافة ما يوحد التلقي وجدانياً؟ سأضيف استفهاما آخر: هل المنحى المصائبي له حراك مؤثر على وجدانية التلقي أم هو حاجة نفسية لها مؤثراتها الابداعية داخل محتوى الشاعر معنوياً؟
الشاعر محمد طاهر الصفار:ـ بالطبع إن للمنحى المصائبي حراكاً مؤثراً على وجدانية الشاعر والمتلقي معاً، فالشاعر هو رسول الألم والحزن بشكل شعري، وهو يتألم في نقله الحزن للمتلقي فهو يحكي عن مآسٍ تتفطر لها القلوب، وشعره يتدفق من حزن ينبع في داخله، ويصعد في الدم ضاجاً متألماً، ذلك هو الحزن الحقيقي.. حزن أن تعيش المأساة.. فأي دم في ذلك اليوم قد سفك؟ وأي حريم قد انتهكت؟
ويستبد الحزن بالشاعر حتى يصبح هذا الحزن داءً ينهش قلبه ويقرح كبده، فصورة سيد الشهداء وهو ظمآن ولا يسقى بغير الرماح والسيوف تتغلغل في نفسه، وتمتزج بدمه لتصبح جذوة من الغضب والحزن ولتنطلق ضاجة من الوحشية الأموية، فيشيع هذا الحزن عند الشاعر، ويصبح شغله الشاغل فهو حزن الإنسان وثورته اللاهبة.
 وهناك الكثير من القصائد التي تعد لوحات تراجيدية معبرة عن الألم والحزن العميقين بروح أكثر أفقاً، لذلك اليوم المأساوي على إيقاع حزين كان الشاعر فيها أكثر التحاماً وتداخلاً مع صور مشهد الطف، مثل مقصورة الشريف الرضي، وبائية السيد رضا الهندي، ولامية السيد حيدر الحلي، وكافية السيد جعفر الحلي، وغيرها التي صارت أناشيد الطف البكائية.
من هنا نعرف أن الائمة المعصومين (عليهم السلام) ونظراً لما يشكله الشعر من أهمية خاصة أرادوا أن تمتزج العواطف والمشاعر مع المعاني الإنسانية لسيد الشهداء والأحداث المأساوية التي مرّت عليه، وهذا ما يعطيها أبعاداً واحتواء أكثر غنىً وجاذبية، فكان للشعراء دورهم الكبير في نشر حادثة كربلاء وإبقاء جذوتها متّقدة في النفوس من خلال التعبير عن مشاعرهم وحبهم للإمام الحسين (عليه السلام).
 وكان من بين هؤلاء الشعراء من تشرّف بزيارة مرقد أبي الأحرار (عليه السلام) في كربلاء المقدسة، وفيها سكب فيها من القوافي والكلمات المؤثرة، وعبر بشعره عن مدى ولائه للإمام الحسين (عليه السلام) وإيمانه بقضيته العادلة، وأيضاً إظهار بطولات شهداء الواقعة ومواقفهم الخالدة أمام جبهة الباطل، ثم مسير السبايا من نساء النبي(ص) الأكرم إلى الشام وما جرى عليهن من المحن وإلى بشاعة الأعمال الإجرامية التي قام بها الأمويون وغيرها من الصور عن حادثة كربلاء.. كل ذلك كان يصوره الشاعر بلغة الحزن الذي يغرس فيه انطباعاً بهول المأساة، وهو يقف على قبر سيد الشهداء(عليه السلام) ليؤدي مراسيم زيارته حزناً وشعراً.
 كما أن هناك جانباً آخر في ذكر تفاصيل كربلاء وهو إذكاء الروح الثورية لدى المسلمين، والتي حاول الأمويون إخمادها، واستمرت تلك الروح في الثورات التي تلتها والتي اتخذت من كربلاء عاملاً مهماً من عوامل إثارة النفوس، فكانت كربلاء رمزاً وشعاراً وروحاً لكل الثورات التي قامت ضد الظلم والباطل.
 لقد حرص الأئمة المعصومون(عليه السلام) أشد الحرص على إبقاء روحية الثورة الحسينية ومبادئها متجذرة في النفوس وحية في الضمائر ولهم في ذلك روايات كثيرة جداً, واستمرت هذه الأشعار في تصعيد روح الثورة في الوجدان الشعبي حتى أصبح هذا الشعر ما لا يمكن حصره أو تعداده يقول الشيخ محمد جواد مغنية: (ما عرفت البشرية جمعاء من أبنائها قيل فيه من الشعر ما قيل في الحسين بن علي).
وتقول الدكتورة بنت الشاطئ في موسوعتها (آل النبي) (ص765): (ما أحسب أن التاريخ قد عرف حزناً كهذا طال مداه حتى استمر بضعة عشر قرناً دون أن يفتر، فمراثي شهداء كربلاء هي الأناشيد التي يترنّم بها الشيعة في عيد حزنهم يوم عاشوراء في كل عام، ويتحدّون الزمن أن يغيّبها في متاهة النسيان).

مانشيتات
•    وسم الشعراء قضية الحسين بأروع كتاباتهم، فهي تشرق مع الشمس لتدخل أشعتها نوافذ بيوتهم، وتتألق في الورود والصباح، وتثمر بالخبز والحياة والكرامة.
•     كربلاء الواحة, كربلاء الحقيقة, كربلاء الينبوع, الذي يرفد الشعراء بدفقات الولاء ويبث فيهم روح الثورة, روح الشهادة, فأصبحت كربلاء أنشودة الشاعر الحماسية, ولحنه الشجي. 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=96535
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 06 / 17
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 11 / 19