• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : إسقاطات الطيف الآخر على واقعة الطف .
                          • الكاتب : علي حسين الخباز .

إسقاطات الطيف الآخر على واقعة الطف

 نقرأ في كل مناسبة عاشورائية العديد من المقالات والدراسات والبحوث المنشورة في مواقع كثيرة، ونتداولها لمعرفة كنه البنى الثقافية المتنوعة، وهذه  المرة لاحظنا مثل هذه الإسقاطات التي وردت في بعض الكتابات المنشورة في موقع (المثقف) ويقيناً في مواقع أُخَر، فنجد أن جميع الكتاب يدّعون  الموضوعية في الطرح وعدم الانحياز وعدم التعاطف والحكم بروح ايجابية يجمّلها الصدق وطلب الحقيقة، ولكن عندما ندخل صلب مواضيعهم نجد ان  اسقاطات الطيف الآخر تظهر من خلال اللاحيادية عندهم، ونجدهم للأسف محملين بايدلوجيات مؤثثة مسبقاً واحكام جاهزة مكررة في جميع مواضيعهم، دون أن يقف أحدهم يوماً ليرى ما في مواضيعه من شرخ وايهام، نجدهم كذلك مهيئين نفسياً لنقض كل التفسيرات المنطقية، معتمدين على انحياز مبرمج وتعاطف سلبي لايحتكم لأي ايجابية صحيحة، فأي استقلالية وعدم انحياز لكاتب يسقط آراء غريبة ومكررة، بل أصبحت رثة لكثرة ما يتشدق بها المتشدقون مع اعترافنا الكامل بما يمتلك أولئك الكتاب من مراتب عالية في الثقافة والأدب، ولكن مثل هذه الانحرافات قد تؤدي الى هباء غير محسوب.

الكاتب الاستاذ (راغب الركابي) الذي نظر الى قضية الحسين(عليه السلام) بأنها تمثل الجانب السياسي والانساني، اللذان أُدمجا كما يرى الكاتب الركابي لاستغلال الجهل والعاطفة، أليس هذا هو رأي قاطع وحاد؟، أين الانحيازية والحياد من استغلال سياسي للجهل والعاطفة؟ وهذا يعني محور حكم الشعائر الحسينية عند الاستاذ الركابي، وهذا حكم فيه جزم لايصلح لمقدمة طويلة عريضة تتغنى بالتحليل المنصف، بعد ذلك نجده يقترب تارة من الموضوع ويبتعد أخرى فهو يقترب الى عقدة الطائفية التي تحتوي الكثير من مواضيعه، والتي خصّص لها جهداً قيماً بالنسبة له ليقول ان القضية الحسينية بهذا الشكل تعد خطيئة أضرّت بوحدة الأمة ووحدة قيمها، وكأنّ قيم الأمة لاتُبارك إحياء قضية الحسين(عليه السلام)، فالسؤال المحيّر فعلاً هو كيف أضرّت هذه الشعائر بالأمة؟ والطائفة الشيعية كأمة تسعى لأن تكون قضية الحسين(عليه السلام) جامعة تلم الشمل دون ان تحتكم الى دعائية يراها السيد الركابي، فماذا يقول السيد راغب في تصريحاتٍ علنيةٍ وفتاوى تجيّشُ لتكفير أتباع أهل البيت(عليهم السلام) والقتل بمرجعية دينية مجهزة ومسلفنة بدعائية استقبال نبوي لقاتل الشيعة في جنات الله مع وجبة غداء فاخرة، قد يحتاج بعض الأخوان والأساتذة الكتاب الى تقويل بعض الشعائر أو تقويل الشيعة بأشياء تكبر في مخيلتهم او تساق بمورد آخر، يقول أستاذنا المبدع راغب الركابي (ان الحسين خرج لا من أجل عودة الحكم الى أهل البيت(عليهم السلام) كما قد يتوهم البعض)، في حقيقة الأمر ليس هناك شيعي واحد يؤمن بان الحسين(عليه السلام) خرج لأجل عودة الحكم، أو سعياً لحكم، لكننا نرى أن أهل البيت(عليهم السلام) هم الأحق بالحكم، وكان بودي أن يضع الكاتب الركابي بنفسه (عليهم السلام) مُذيلاً لذكر أهل البيت احتراما لمُتلقّيه، ما دام هو يسعى الى شمولية التلقّي، وأنا أعرف قبل غيري امكانية الكاتب الركابي وإيمانه بثقافته ومرتكزه الايماني بأن الحسين(عليه السلام)، هو الأولى وإن النظام الوراثي الشرير من قبل معاوية يخالف منطق الشرع وإرادته،

وإدراك قيمة هذا الانتهاك القانوني الدستوري للإسلام مع أننا نختلف معه في نقاط عديدة ومهمة قد تكون جوهرية، لكوننا نؤمن بأن الإمامة مطلب إلهي وليست خلافة دنيوية سياسية وإنما هي رسالة متممة للرسالة النبوية، ونقف عند اقرار الكاتب الركابي بأن الوصية من معاوية هي شكل مخالف للشريعة فنطالبه بالوقوف أمام الحقبة الراشدية بالوصية الانتقالية، التي نصّبت الخليفة الثاني(رضي الله عنه) ويعني أن هذا الشكل المخالف هو إرث سلوكي مجهّز ومصدّر، ثم نأتي الى موضوعة الجوهر المزيف في الرواية والتي فعلاً تحتاج الى أمانة عالية في النقل، وأدعو أولاً الأستاذ الركابي الى مراجعة واعية مع الذات ومع المصادر حول ماورد عن موافقته(عليه السلام) على مبايعة يزيد، ويدعي بأن القول رُدّد من قبل علماء الشيعة -حسب تعبير الأستاذ الركابي أطال الله عمره-، كالشيخ المفيد والشيخ الطوسي والسيد المرتضى ويحيلنا الى كتاب إشكالية الخطاب لوقعة كربلاء للشيخ الركابي، والشيخ الركابي-دام ذكره عزيزاً-، لايشكّل لنا أثراً مهمّاً رغم علمنا بما كتبه الأستاذ الركابي من بحوث ودراسات حول هذا الكتاب، وهذا تأثر انطباعي لا يُعدّ مصدراً، بل هو نقل واضح عن كتاب -مقاتل الطالبيين- لأبي الفرج الأصفهاني، الذي يرى أن الحسين(عليه السلام) قد ذكر ثلاثة مطالب: أن تتركوني ألحق بيزيد، أو أرجع من حيث أتيت، أو أمضي الى بعض ثغور المسلمين، وأبو الفرج ليس من علماء الشيعة، وعلى كل حال الجميع يعلم أن القضية مفبركة من قبل عمر بن سعد الذي أراد أن يصل الى حكم الري دون قتال، ودون أن يتورط بدم الحسين(عليه السلام)، وفعلاً انكشف المخطط على يد شمر بن ذي الجوشن الحسود الأول لقائد الجيش...ابن سعد،

ويرى الكاتب في أقسى سطوره أن الحسين أراد البيعة لأن الشرط الجماهيري انتفى وجوده، وهو الذي كتب قبل سطرين من هذه الجملة المريرة (أن القوة تمكنت من رقاب الناس وأجبرتهم على التخلي عن دعوتهم من خلال القهر والدعاية المضللة واستمالة ضعاف النفوس) فهل هذه التشخيصات تجعل الحسين(عليه السلام) يقتنع ببيعة يزيد، أيها الأخوة أنتم أساتذتنا وأصحاب ثقافة ورأي، الى متى تنسون ثقافتكم وحيادتيكم وتستخدمون بؤر الاسقاط العنيد، ألا ينظرُ الكاتب وهو صاحب تجربة واسعة وفطنة، كيف استطاع بهفوة أن يجمع النقيض بين الموافقة على بيعة يزيد وبين قوله(عليه السلام): "هيهات منا الذلة" الواردة في مقالته؟، وأخيراً يصل بنا الكاتب الى تناقضات لابدّ أن يراجعها جيداً، ونقرأ مقالاً ثانياً للكاتب (جاسم محمد مطر) إذ يذهب في موضوعة الشعائر الحسينية من الأسطورة الى الواقعية، الى اسقاطات الانتماء النقيض بقوة، فهو يرى أن هناك تفسيراً عند الشيعة للواقعة هو تفسير روحي، وأراد أن يُبعدَ الكاتب نفسه عن تحمل المسؤولية، فجعل الأمر بين فريقين ليتجاوزهما الى أشياء متخيّلة، تشدّ أزر إسقاطاته الفكرية، وإلا ليس هناك أحد من الشيعة يمارس هذه الطقوس باعتبارها نوعاً من العقوبة،

ومثل هذه الانعكاسات النفسية عند أهل الديانات الأُخَر، وهي غير موجودة في الذاكرة الشيعية، أي النظر على نحو التكفير عن الذنب، لكنهم ينظرون الى شفاعة سيد الشهداء ليغفر الله لهم كل ذنوبهم، ومثل هذا التقويل والتنظير المضاف هو مراد الفكرة النقيضة، ونعني هو الاسقاط المتبع والمقصود، وأما النظر باتجاه بعض فرديات الشباب الشيعي المغترب فهذا تعميم غير منصف، وبالمقابل هناك مواكب حسينية لأبناء العامة اليوم ومواكب لبقية أصحاب المذاهب والأديان المختلفة تقيم العزاء والمواساة وتقدم الغالي والنفيس لمواكب الحسين(عليه السلام)، وأما الموضوع الثالث الذي نشر في نفس العدد ليوم 24/ 11 في موقع (المثقف) والذي يحتوي على مثل هذه الاسقاطات هو موضوع (الأستاذ جواد السعيد)، الذي حاول جاهداً الإلتفاف الذكي حول الموضوع برمته لكونه يمتلك خبرة تدوينية عالية، وراح يضخّم في أمور لاتحتاج الى نقاش، فالرؤية الغيبية لقضية الحسين(عليه السلام) عند الشيعة لاتمنع من التحاور الفكري، ومتابعة جوهر الواقعة، بالنظر إليها من جميع المحاور الانسانية والعلمية، وثانياً، ليس هناك أحد من الشيعة يعطي الخصوصية التضحوية للحسين(عليه السلام) دون سائر الائمة، بل الشيعة ترى أن هناك إرث تضحوي يبدأ من معاناة الرسول(صلى الله عليه وآله) ومن ثم تضحية الإمام علي واستشهاده واستشهاد الزهراء واستشهاد الحسن(عليهم سلام الله)،

وهكذا يمتد الارث التضحوي حتى يصل آخر الائمة الأطهار، في حين نرى الأستاذ المبدع يذهب ويعود لنفس المنطلق دون أن يصل الى نتيجة مهمة، فيبقى يحاور مسائل ثانوية دون أن يسأل نفسه لو كان الفكر الشيعي خصص التضحوية لأئمة أهل البيت(عليهم السلام) فلماذا احتفى بشهداء واقعة الطف وجميع الشهداء المجاهدين إلا اللهم هناك اعتراض سياسي على إشكالية الجهاد التفخيخي الذي يذبح أمة الإسلام دون تمييز، ولا أحد خصص التماثل الحسيني ضمن أطر مذهبية، فليحتفِ من يشاء بالحسين(عليه السلام) وهذا مبلغ السرور الروحي عند الشيعة، وأما الالتفاف واسقاطات التمويهات الخائبة فلتترك جانباً، كي لاتدخل الثقافة العراقية في مطبّات النشيج الطائفي، ولنرفض سوية كل أذى يمس الانسانية والوطن.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=97612
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 07 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 01 / 21