• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : تقدير الثقافة والأبداع .
                          • الكاتب : عبد الهادي البابي .

تقدير الثقافة والأبداع

لا شك في أن تقدير الثقافة يساعد على تنميتها وتطويرها ، ويدفع المثقفين الى المزيد  من العطاء والأنجاز ، ويكرس في نفوسهم حب مجتمعهم والأخلاص إليه ،والتفاني في خدمته ، بينما تجاهل الثقافة قد يثبط نشاطها ويصيبها بالأحباط،  وفي أقل الإحتمالات فإن تلك الثقافات تسلك طريق النزوح والأغتراب ،وما يصطلح عليه اليوم بهجرة الكفاءات والثقافات والأدمغة المبدعة..
·   فالشعوب والمجتمعات لاتقاس بوفرة عددها وبكثافتها السكانية ، وإنما تقاس الشعوب والمجتمعات بقوتها النوعية ، المتمثلة في كفاءات أبنائها ، وقدراتهم المتميزة علمياً وعملياً ، من هنا أعتبر القرآن الكريم فرداً واحداً  بمثابة أمةً كاملة لما كان يتمتع به من صفات ومواصفات عظيمة ، وهو نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام ، يقول تعالى ( إن ابراهيم كان أمة ) سورة النحل /120
وكان العرب يقولون عن المتفوق  في حكمته وتدبيره : (رجل ثقيف يعد بألف)..فالكفاءةوالثقافة والأبداع هي مصدر قوة الأفراد والشعوب ، وأن المجتمع القوي  هو الذي تكثر  فيه ميادين الثقافة والكفاءة والأبداع  بين أبنائه ..
ولكن كيف تنموالثقافة .. وكيف تتفجر الكفاءات ..ولماذا تزخر بعض المجتمعات بالمبدعين والمتفوقين ،  بينما تعاني مجتمعات أخرى من القحط  والفقر ..؟
وفي الحقيقة أن هناك عوامل وأسباب عديدة تؤثر في مستوى حركة الأبداع والتفوق في أي مجتمع ،لعل من أبرزها مدى مايجده المثقف والمبدع والكفوء من تشجيع وإحترام ، فالمجتمعات المتقدمة عادةً ما تحرص على توفير أكبر قدر من الأحترام والتشجيع للطاقات والقدرات المتميزة من أبنائها ، بينما تنعدم أو تتضائل مثل هذه الحالة  في المجتمعات المتخلفة ..
ان إحترام المثقف والمبدع والكفوء هو بالواقع إحترام للذات وهو مظهر من مظاهر الرقي والتقدم عند الأمم والشعوب ، فالإنسان السوي يختزن في أعماق نفسه مشاعر إعجاب وتقدير لكل كفاءة متميزة ، وإبداع خّلاق ، ودون ذلك لايكون إنساناً سوياً أبداً ، لكن أمتلاك قدرة التعبير عن تلك المشاعر ، والمبادرة لأبرازها هو سمة الراقين المتحضرين ..
إن من يظهر  مسشاعر تقديرهُ للمثقفين والمبدعين ، إنما يسّجل إحترامه لذاته أولاً بالتعبير عما تختزنه من أنطباعات ، ومنحها جدارة التقديم والعرض بكل شرف ، بينما يشكك ضعفاء الثقة بذواتهم ، في إستحقاق مشاعرهم ، للأظهار والأبراز  ويبخلون على أنفسهم بفرصة التعبير عما يختلج فيها ، لضعف إحترامهم لها ..
وقد تتراكم على نفس  الأنسان حجب قاتمة ، من نوازع الأنانية والحسد تمنعه من إعلان تقديره للمستحقين للتقدير ، وذلك خلق سيء وحالة مرضية  لاعلاج لها إلا بالوعي الصحيح والتربية الفاضلة ، وممارسة  جهاد النفس  ، وهو الجهاد الأكبر ..
إن البعض تمتلأ نفسه بحب ذاته  بشكل نرجسي ، ويسيطر عليه الغرور ، وتتضخم  لديه الأنا  بحيث لا يرى أحدا غيره مستحقا للمدح والتقدير والثناء ، بل وينزعج ويتذمر  حين يشاد بآخرين ، وقد يكون ذلك ناجما  من شعور عميق  بالنقص والضعف ، يستثيره ذكر كمال الأخرين  وتفوقهم !
وقد يشعر بعض من يجد  في نفسه الكفاءة  بالغبن حينما يرى تكريم  غيره  من المبدعين والمثقفين ، وإنه يجب أن يغتبط ويفرح بذلك ، لأن تقدير أي كفاءة في المجتمع  يعتبر تكريساً لمنهجية صحيحة ، إذا تأكد وجودها فستشمله بركاتها وآثارها  كغيره من المؤهلين ..
ولشيوع مثل هذه الأمراض في نفوس أبناء المجتمعات المتخلفة عادة يتأجل تقدير وتكريم الكفوءين من العلماء والمثقفين والأدباء والمصلحين إلى مابعد وفاتهم ومغادرتهم هذه الدنيا ، عندها تعقد مجالس التأبين لذكر محاسنهم وتعداد فضائلهم وإعلان الحسرة على فقهم ، بينما كانوا في حياتهمك مجهولين أو متجاهلين وكما قال الشاعر العربي :
لأعرفنّكَ بعد الموت تندبني        وفي الحياة مازودتني زادي
إن تكريم المثقفين يرفع درجة الطموح  والتطلع نحو التقدم والأبداع لدى أبناء المجتمع ، فعلى من يهتم بالثقافة وأهلها أن يجتهد في وضع البرامج وإبتكار الأساليب لتقدير وتكريم المثقفين والأدباء من أبنائها والأحتفاء بهم أعلامياً، وتكريمهم إجتماعيا ورصد الجوائز والأوسمة لهم وتوفير وسائل العيش الكريم والخدمات الازمة لفاعليتهم ونشاطاتهم ..
وقد أخذت مجتمعاتنا  العربية والإسلامية المعاصرة عن المجتمعات المتقدمة بعض عادات الإهتمام ،وبرامج التقدير للمثقفين والمتفوقين ،لكنها تكاد تنحصر في الأهتمام بالمتفوقين في القوى البدنية كالرياضين ، والقدرات الفنية كالمطربين والفنانين،  وإقامة الأحتفالات الكبيرة والباذخة ،وتقديم الهدايا المالية الكبيرة لهم في عدة مناسبات ..
أما المثقفون والمفكرون ، والأدباء المبدعون ، وسائر الكفاءات النافعة ، فهي  في الكثير من أ قطار العالم الثالث تتمنى السلامة على نفسها !!! فضلا عن أن يتوفر لها الأهتمام والتقدير ، حتى قال الشاعر أحمد مطر ..معبراًعن هذه الحقيقة المرة :
قال أبي ...
[ في كلٍ قطرٍ عربي ...
إن أعْلنَ الذكّي عن ذكائه ...
فهو غبي ..!!]
وأقول ..وكفى الله المثقفين  شر الأغبياء ...!!
 


كافة التعليقات (عدد : 1)


• (1) - كتب : مهند البراك ، في 2011/09/30 .

موفق مقال يستحق القراءة
فقد اعطى الكاتب دفعة معنوية لكل المثقفين ان يواصلوا بطرح افكارهم بطريقة حضارية لاتستطيع ان توقفهم ماكنة الاحباطات هنا او هناك

شكرا مرة اخرى



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=9945
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 09 / 30
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 8