الإلحاد الدوكنزي ... لا مفر من الخلل المنطقي !
غيث شبر

منذ أن بدأ الفكر الإلحادي كانت معضلته التي تقوض كل بناء فكري يرتكز عليه، هي الاضطرار للقول بتكون الأنظمة صدفة.

وهذه المعضلة مشكلتها أنها بديهية يدرك كنهها كل إنسان بلا أي عناء، فلا يمكن أن يوجد دار مبني أو حتى خيمة صدفة، ولا يمكن أن يكون هناك براد ماء أو ماكنة خياطة صدفة، ولا يمكن أن يوجد جهاز تلفاز أو حاسوب أو طائرة أو غير ذلك صدفة، فضلا عن أن يوجد جهاز مناعي وجهاز هضمي وجهاز عصبي وغير ذلك من الأجهزة التي تعمل بنسق تام صدفة، ولذلك كان مصير الفكر الإلحادي على مر السنين هو ذلك السيناريو المعاد: الوقوف بوجه التوحيد ثم تلقي ضربة موجعة من العقل لينبطح اتباعه حتى فرصة أخرى للقيام.

ولكثرة ضربات العقل لتلك الفكرة السقيمة ارتأى أصحابها في هذا العصر أن يتخلصوا إلى الأبد من صديقهم الملازم لهم ألا وهو القول بالصدفة، وهنا انبرى الملحد الأشرس في هذا العصر (ريتشارد دوكنز) في مؤلفاته لبيان براءته من القول بالصدفة؛ لأنه يعلم أن التزام نظرية الصدفة انتحار علمي يعقبه ضربة عقلية موجعة كما في الماضي.

يقول دوكنز: "منطق المؤمنين بنظرية الخلق لا يتغير، ويتلخص بأن بعض الظواهر الطبيعية منطقيا من غير المحتمل بشكل كبير تكونها تلقائيا ـ فهي معقدة جدا، جميلة جدا، رهيبة جدا ـ لتكون محض صدفة، والتصميم الذكي هو البديل الوحيد الذي يمكننا تصوره للصدفة؛ لذا فلابد من الإقرار بوجود مصمم قد أنجز هذا التصميم الذكي، ولكن (العلم)([1]) أيضاً يمتلك أيضاً إجابة واحدة لهذا المنطق المغلوط، وهي: أن التصميم ليس هو البديل الوحيد للصدفة، بل الانتخاب الطبيعي هو البديل الأمثل، بل واقعا أن التصميم ليس بديلا حقيقيا البتة؛ لأنه يفضي إلى مسألة أكبر من المسألة التي نريد حلها، وهي : من صمم المصمم؟ فالصدفة والتصميم كلاهما يفشل في حل مشكلة عدم الاحتمال المنطقي؛ لأن أحدهما هو المشكلة بحد ذاتها، والآخر ليس إلا ارتدادا لها" [2].

ويكمل دوكنز مسترسلا: "الحل الحقيقي هو الانتخاب الطبيعي، بل هو الحل الوحيد العملي المحتمل لحل المشكلة، وليس هو حلا عمليا فحسب، بل هو حل مذهل في أناقته وقدرته، ولكن ما الذي يجعل الانتخاب الطبيعي حلا ناجعا لمشكلة الاحتمالية، في حين يخفق كل من الصدفة والتصميم عند خط البداية؟ والجواب هو أن الانتخاب الطبيعي يمثل العملية التراكمية التي تجزئ مشكلة الاحتمالية إلى قطع صغيرة، واحتمالية كل منها ممكنة الحدوث بشكل ما، وغير مستحيلة الحدوث، إلا أنه حين تتكدس أعداد كبيرة من هذه القطع الصغيرة في سلسلة فإن الناتج النهائي سيكون غير محتمل الحدوث جدا جدا بنحو واقعي، ويكون مستحيلا كفاية ليصبح بعيدا كل البعد عن كونه وجد صدفة. وهذا المنتج النهائي هو الذي ينظر إليه المؤمنون بالخلق ويجعلهم يقعون في المصادرة، فمتبع نظرية الخلق لا يضع يده على الفكرة إطلاقا؛ لأنه يصر أن يتعامل مع الإمكانية الإحصائية على أنها خطوة واحدة. وهو لا يفهم قدرة التراكم" [3].

أقول: يمكن ملاحظة أمور نستند إليها في فهم فكرة دوكنز

1: الصدفة حل غير مقبول قطعا، لتبرير ما نشاهده من أنظمة حيوية حولنا.

2: التصميم ليس حلا حقيقيا، لأنه يودي بنا إلى سؤال آخر وهو: (من صمم المصمم؟).

3: الانتخاب الطبيعي يقدم حلا لسؤال كيف تكونت تلك الأنظمة.

ونحن نتفق مع دوكنز في النقطة الأولى التي كان الملحدون على مر السنين يتمسكون بها ويعتبرونها من أكثر البديهيات تسليما مع أنها باطلة بالبديهة.

أما النقطة الثانية من كلام دوكنز فإنه رفض الحل لا لشيء، بل فقط لأنه فتح له تساؤلا جديدا! أيعقل أن نترك حلا منطقيا؛ لأن هذا الحل المنطقي يفتح الباب لسؤال آخر؟!

هذا الكلام من ناحية فكرية غير مقبول قطعا، ولأضرب أمثلة للتنظير لهذا..

في محاولة لتشغيل سيارة أبت أن لا تعمل اكتشف الميكانيكي أن السبب يكمن في عدم وصول تيار كهربائي إلى شمعات القدح في المحرك، ولكن هذا الحل ـ والذي هو صحيح ـ قد فتح بابا لتساؤل آخر وهو لماذا لا يصل التيار الكهربائي لشمعات القدح؟ وقد تكون الإجابة أن هناك قطعا في أسلاك التمديد الواصلة من البطارية أو أن البطارية لا تمد الأسلاك أصلا بالكهرباء، ولو توصلنا إلى أن الحل هو الثاني انفتح باب لتساؤل آخر وهو لماذا كانت البطارية بهذه الحالة؟ وقد يكون الجواب متشعبا في أن السبب عمرها وتلفها أو أن السبب في الأسلاك التي تمد البطارية بالتيار من المولد، أو أن السبب في المولد، وعند الإجابة عن هذا السؤال بشكل صحيح ينفتح سؤال آخر.

بل وفي الطب فلو اعترضت طبيب حالة من ارتفاع ضغط الدم عند أحد مرضاه، واكتشف هذا الطبيب الحاذق أن سبب ارتفاع ضغط الدم هو ازدياد نسبة الانجيوتنسين الثاني في الجسم؛ فإن هذا يقوده إلى سؤال آخر وهو: ما الذي سبب ارتفاع هذه المادة؟ وقد تكون الإجابة عن السؤال المتفرع أنه بسبب زيادة إفراز الرينين من الكبيبات، والذي يتفاعل مع مولد الانجيوتنسين ليولد الانجيوتنسين الثاني، وهنا يتفرع سؤال آخر وهو: ما الذي جعل الرينين يزداد في الجسم؟ وهنا تبرز إجابات عدة، فلعل السبب حصول نزف ومن ثم قلة حجم الدم مما جعل المستشعرات تأمر بإفراز كمية أكبر كي تقلص الأوعية الدموية من أحجامها كي لا ينخفض الضغط بشكل كبير، أو أن هناك نسبة عالية من الكلور أو الصوديوم، أو أن عمل الكلية قليل؛ بسبب قلة تناول المياه؛ مما يجعل الدم المار في الشريان الكلوي قليلا مما يعطي إيعازًا خاطئا في قلة حجم الدم في الجسم على العموم، فيرتفع الضغط بسبب كل هذه العوامل واحدة تلو الأُخرى، فلا أعلم كيف تسنى لدوكنز أن يعتبر الإجابة التي تودي لتساؤل آخر إجابة خاطئة فهل كانت معرفة ازدياد الانجيوتنسين الثاني في الجسم سببا لارتفاع ضغط الدم خاطئة؟!

لا تفارقني الدهشة في قبول أن نعرض عن الإجابات الصحيحة لأنها تفتح أسئلة أخرى؟ ما هذا المنطق العجيب؟ المنطق الصحيح سيد دوكنز هو : أن الإجابات التي تحقق مناطا واقعيا للحقيقة لا يمكن رفضها لمجرد أنها فتحت الباب لأسئلة أخرى، بل كيف حصل التطور العلمي لولا هذه الطريقة؟

مع أن السؤال الذي طرحه دوكنز هنا والذي لطالما ردده في برامجه التلفزيونية، هو سؤال قديم عفى عليه الدهر وشرب وتناوله للفلاسفة والحكماء قبل أكثر من ألفي عام وأوردوا عليه الإجابات المقنعة والواضحة، ولو كان منصفا قليلا مع ما كتبه أهل الفلسفة لعرف عدد الإجابات المقنعة عن سؤاله (العجيب) بنظره؟! حتى إن الفلاسفة من الملاحدة تركوا هذا السؤال لمعرفتهم بأن الموحدين قادرين على إجابته بكل بساطة في طي كتبهم.

وهنا أُذَكِر بالببغائية النابعة من الانبهار، فالمسألة كما ترى فلسفية منطقية لا علاقة لها بعلم الأحياء بتاتا، وهو رجل مختص بعلم الأحياء فكلامه في هذا المجال ككلام ميكانيكي السيارات في قضية طبية، وكلام الطبيب في ميكانيكا السيارات، فالاعتماد عليه ليس له منشأ يعتد به إلا من حيث المشكلة التي ذكرنا، ويمكن للحصيف أن يرى زلته المنطقية تلك وقلة العمق ـ لا أريد أن استخدم كلمة ضحالة ـ في منهجية قبول الإجابات ورفضها.

فاتضح أن رفضه للتصميم الذكي كحل لم يكن مبررا كفاية، فيبقى أن نكون موضوعيين مع الرجل لنرى ما قدم من إجابة في النقطة الثالثة وهل تفي بالغرض، بغض النظر عن الشطحة المنطقية التي وقع فيها من رفضه للإجابة الرائجة.

ما اقترحه من حل هو أنه جعل الانتحاب الطبيعي بديلا عن إجابة الصدفة سيئة الصيت وعن إجابة التصميم التي تفتح تساؤلات أخرى لا يحبها دوكنز!

أما الحل الذي وضعه فقد صدره بقائمة مدح قد تليق بالكتب الأدبية أكثر مما يليق بالكتب العلمية، وما ذلك إلا لإضفاء طابع الانبهار قبل الحل لتهيئة العقل فسلجيا وسيكولوجيا لقبوله كحل بديل.

فلنترك المدح الذي قدم له ولنشاهد ماذا قدم دوكنز للتدليل على أن حله هو الحل الوحيد الناجح..

قال: أن الانتخاب الطبيعي هو عملية تراكمية مما يجزئ مشكلة عدم الاحتمالية إلى أجزاء صغيرة وكل منها صغير لدرجة أن عدم احتمال كونه وجد صدفة مقبول بشكل ما وليس مستحيل الحدوث، ولكن الناتج النهائي سيكون عديم الاحتمال بشكل كبير جدا جدا، سيكون عديم الاحتمال بشكل لا يقبل للشك مجالا أنه تكون عن طريق الصدفة، والمؤمنون يخطئون الهدف لأنهم يصرون على معاملة احتمالية التكوين المعقد كخطوة واحدة وحدث واحد لانهم لا يفهون قدرة التراكم.

      وقد ختم كما ترى أن حله غير مقبول عند المؤمنين لأنهم لا يفهمون قدرة التراكم، ولا أعلم هل فهم فكرة معينة كالتراكم أو غيرها حكر على الملحدين؟ هل يعي دوكنز أن هناك عددا كبيرا من علماء الأحياء من التطوريين ومن الذين فهموا الأحياء والانتخاب الطبيعي بصورة أكثر وضوحا منه كانوا من المؤمنين؟ هل كريك الذي حاز على النوبل لاكتشافاته المذهلة في  الحمض النووي والتي غيرت مسار علم الأحياء إلى الأبد أقل إدراكًا منه؟

هذه الطريقة السيئة والمتعجرفة في الطرح لا تتناسب مع كتاب من المفترض أن يكون كاتبه عالما أكاديميا، إضافة إلى طرح الإشكال الذي ينقض الدليل في نهاية الدليل وعدم رده له، بل وصفه بأنه سقيم هو نوع من اللقاح والهروب من هدم الدليل، ببيان أني اعرف ما تقولون ولا تظنونني غافلا عنه ولكنه سقيم، لماذا؟ فقط لأنكم لا تفهمون؛ لماذا؟ فقط لأنكم مؤمنون!!

ولعل هذه العجرفة هي ما أشار إليه زميله في كامبردج الملحد سابقا المؤمن حاليا مك غراث في الصفحات الأولى من كتابه الجميل (وهم دوكنز) حيث قال معللا في تهكم قوي في سبب اختلاف نتيجتهما في البحث فكان دوكنز ملحدا وأصبح مك غراث مؤمنا: لأنني أؤمن بالله فأنا مضطرب ومخدوع ومُضلَّل ومُضلِّل، وإن قدرتي الفكرية تُشوّشت من خلال إصابتها بفايروس الله المعدي والخبيث. أو أنه؛ لأنني مضطرب ومخدوع ومُضلَّل ومُضلِّل، فإن قدرتي الفكرية تُشوّشت من خلال إصابتها بفايروس الله المعدي والخبيث، فآمنت بالله"([4])، وقال لعل هذه هي إجابات دوكنز في وهم الإله عن سبب الإيمان.

وهنا وبغض عن المهاترات اللفظية، والأساليب الدعائية والخطابية، ينبغي أن نقف بدقة علمية عند كلمات دوكنز التي استعان بها على تبرير قبوله للانتخاب الطبيعي حلا بديلا عن الصدفة العمياء والتصميم الذكي، ونحليل تلك الكلمات بأسلوب رياضي بعيد عن الجدل الأفلاطوني العقيم.

إن دوكنز يدرك أن تكون الجهاز الهضمي أو العصبي أو جسم الإنسان، بل وحتى خلية عصبية من الجهاز العصبي، أو عضلة ملساء في الجسم، أو عضو يؤدي غرضا كالقلب أو الكبد أو الرئة أو غيرها من الأعضاء عن طريق الصدفة يصطدم بعدم احتمالية ممتنعة القبول عند العلماء، فهي أصعب قبولا من كون هذا المطبوع الذي بين يديك وجد صدفة بمليارات المرات، وهنا بدأ دوكنز بطرح الطريقة التي يمكن بها قبول تكون الإنسان وأجزائه جراء عملية تراكمية انتخابية تدريجية.

لتوضيح دليله أقول: إن تكون الكتاب الذي بين يديك صدفة أمر محال، لكنه سيفترض أن قبل فترة طويلة وجد القطن ولم يبق من القطن القديم الذي تناثر وتلاشى إلا ذلك القطن الذي اختلط صدفة بالنورة، وأمطرت السماء بعدها، وحدوث هذا الأمر ليس احتمالا ممتنعا، ثم أن هذا القطن الذي اختلط بالنورة والماء واصبح كالعجينة أيضاً تلف منه كل قسم لم يسقط عليه حجر أملس ليحفظه كرقيقة مسطحة تحته وبقيت فقط تلك الرقائق المحفوظة تحت الأحجار الملساء، وخلال ملايين السنين فإن عدة عديدة مثل هذه الأحداث التي احتمالية حدوث كل واحدة منها ليست مستحيلة، تجمعت شيئا فشيئا وكانت إحدى التجمعات قد حصلت عند غابات الصنوبر حيث كانت شجرة من الأشجار قد افرز غصنها الكثير من الصمغ الراتينجي، وصدف أن وقع هذا الصمغ على طرف ذلك التجمع الكبير من الأوراق فجعلها تبدو كالدفتر، وهذا الحدث ليس مستحيلا بنفسه، ولأن الصفحة الأولى والأخيرة بدأت تتعرض لأنواء جوية مختلفة عن تلك التي تتعرض لها الصفحات في الداخل أصبح لون وسمك وطبيعة تلك الأوراق مختلفا عن نظيراتها في الداخل، ولا أريد أن أتكلم عن  صناعة كتاب لأنها حتى بمثل هذه السيناريوهات تبدو كارتونية أكثر منها علمية، لكن فلنقل تكون دفتر صدفة إنما يكون بهذه الطريقة، فكل حدث حدث وإن كان صعب الحصول لوحده، لكنه ليس مستحيل الحدوث، فيمكن على هذا التقريب حصول الناتج النهائي.

وهذا التقريب الأول لحل دوكنز لإشكالية الصدفة وهو يتضمن مغالطة رياضية صارخة، فإن حساب الاحتمال لإنتاج المكون النهائي لا يمكن حسابه بفصل أجزائه واحدا عن الآخر، فإن نسبة احتمال تكوّن الجزء الأول تضرب مع نسبة احتمال تكوّن الجزء الثاني بعدها وهكذا دواليك مما يولد متوالية رياضية ممتنعة الاحتمال.

فمثلا لو ضغط قرد على لوحة المفاتيح فإن نقره على زر الحرف (ص) هو احتمال 1% وهو ممكن الحصول بشكل ما، وأيضاً احتمال نقره للزر (د) هو 1% ، وكذلك نسبة نقره لحرف (ف) ومثله في الاحتمال نقره للــ(ـة)، فلا يقال أن احتمال تنضيد القرد لكلمة صدفة هو أيضاً 1% فهو ممكن! إذ على هذا الحساب سيكون تأليف القرد لرواية من روايات شكسبير هو أيضاً 1%!!

فالمعروف بجلاء أن نسبة الاحتمال الأولى تضرب في الثانية وهكذا لتصنع لنا رقما عديم الاحتمال بشكل كبير إذا ما وصلنا إلى جملة (القرد يكتب بالصدفة) ما يعادل 1/18 مرفوعة للأُس 100. أي 1 من رقم يسبقه 100 صفرا، (1 من مائة الف مليون مليون مليون مليون مليون مليون مليون مليون مليون مليون مليون مليون مليون مليون مليون) وهو رقم لا يمكن مع قلة احتماله التي هي صفر عمليا أن القرد قام بتنضيد جملة (القرد يكتب صدفة) صدفة وهو يلعب بأزرار لوحة المفاتيح!!

وقد يوافق دوكنز في قرارة نفسه أن القرد قادر على كتابة أعمال شكسبير إذا سنح له الوقت الكافي للعب بلوحة المفاتيح، وهي فكرة مجنونة يتجه إليها الإنسان لتبرير ما يعتنقه، يقول دوكنز: "أنا لا اعلم من هو أول من قال : أعط القرد زمنا كافيا ليضغط على أزرار الطابعة بشكل عشوائي فإنه من الممكن أن يطبع لك كل أعمال شكسبير، ولكن محط الركب في جملة (أعطه وقتا كافيا)" [5] !

ولكنه يعلم أنه ليس من المقبول علميا التصرف بهذه الطريقة السمجة في محضر العلماء، فاحتمال حدوث هذا يقترب كاقتراب غاية متسارعة نحو الصفر بلا إشكال.

ولو طلبنا من أديب أن يكتب كل أعمال شكسبير بدون أن يراجعها ويقرأها فمن منتهى الجنون أن يقال أنه سيكتبها هكذا صدفة، ولعلنا وفق هذا المنطق الذي إذا تم قبوله وقبول لوازمه أن نقترح أن أي جريمة تقع إنما وقعت من غير مجرم، بل هي مجرد أحداث فوضوية اتفاقية، فإن نسبة تلك وقوع تلك الأحداث أكثر قبولا من قبول كون القرد يستطيع كتابة كل أعمال شكسبير صدفة!!  

ولأنه يعلم تفاهة ذلك أيضاً فقد ادخل تحسينات جديدة كي يجعل القرد قادرا على تنضيد جملة واحدة شرط أن تتناسى قصة تنضيده كل مؤلفات شكسبير! فقال دوكنز: ص 77 [6]

دعنا نحدد نوع المهمة التي يواجهها قردنا هذا، ولنفرض أن عليه ـ لا أن ينتج أعمال شكسبير كلهاـ وإنما أن يكتب عشوائيا جملة قصيرة فلتكن (Me thinks is like weasel) وسنجعل الأمر أسهل نسبيا بأن نعطيه آلة كاتبة لوحة مفاتيحها فيها 26 حرفا ومفتاحا للمسافات فحسب، فما الزمن الذي يستغرقه لكتابة هذه الجملة الصغيرة.

ثم بعد كلام طويل عن استخدامه لابنته الصغيرة بدلا من القرد ومن ثم استخدامه للحاسوب الذي يطبع بشكل عشوائي يلتجئ إلى الحساب الرياضي لمعرفة نسبة احتمال أن تنتج تلك الكلمة صدفة، لأنه وكما سيذكر لاحقا أن الكومبيوتر سيحتاج لكتابة هذه الجملة الصغيرة عشوائيا لمليون مليون مليون مرة ضعف زمن الكون للآن (ص 81)! يقول دوكنز: فرصة تنضيد تلك العبارة القصيرة هي 1/27 للأس 28 وهذه نسبة احتمال ضئيلة تقترب من نسبة 1 إلى 10000 مليون مليون مليون مليون مليون مليون!

ويبين دوكنز هنا الفرق بين الانتخاب بخطوة واحدة كما يسميه والانتخاب الطبيعي التراكمي فيقول لغرض تشبيه عملية الانتخاب التراكمي: سنستخدم مرة أخرى جهازنا لكومبيوتر القرد ولكن مع فارق حاسم في برنامجه، إنه مرة أخرى يبدأ باختيار عشوائي لأحد الحروف كما في السابق تماما ثم هو الآن يستولد من أول عبارة عشوائية، فهو يكرر إعادة نسخها، ولكن مع وجود نسبة لفرصة معينة من الخطأ العشوائي في النسخ (الطفرة)، ويقوم الكومبيوتر بفحص عبارات الهراء الطافرة (الذرية للعبارة الأم) ويختار إحداها التي تشبه العبارة المطلوبة  (Me thinks is like weasel) شبها أكثر، مهما كان هذا الشبه بسيطا، فإنه في محاولة الكومبيوتر الأولى وصل إلى العبارة المطلوبة بعد 43 جيلا وفي الثانية بعد 64 جيلا والى الثالثة بعد 41 جيلا!

وهنا أيضاً ينبغي الوقوف على طريقة التشبيه التي جعلها دوكنز دليلا على قبول تحقق كتابة الجملة بشكل غير صدفوي وغير مقصود بل نتيجة لعملية انتخابية.

أقول: إن هذا التشبيه هو في صالح الخلوقيين أقرب من أن يكون في صالح دوكنز، فاستعمال البرنامج الذي سيقوم باستبعاد عناصر معينة وإبقاء عناصر محددة وفق غاية مرسومة له لهو أحد أهم أنواع التعاملات الذكية الرياضية المبرمجة، فالبرنامج الكومبيوتري يقوم أولاً بنسخ الجملة الأم مع إبقاء فسحة لحصول اختلاف في كل عدد معين من النسخ، وهو تصرف مبرمج بحد ذاته، وعند حصول اختلاف في النسخ، فإنه يقارن النسخة المختلفة بالجملة المستهدفة (الجملة الهدف)، فيلاحظ مناطق الشبه فيبقيها، وهو أيضاً تصرف برمجي دقيق مقصود وغير عبثي أو عشوائي، ويستمر بهذه العملية للوصول إلى الجملة الهدف بعملية انتخابية ذكية.

إن لب المغالطة يكمن في الخلط بين تولد الجملة من عملية ذكية وعملية عمياء، فالصدفة عملية عمياء وأما التصميم الجاهز (التصميم الذكي)،  والتصميم التطوري (الأذكى) فهو عملية هادفة ومبرمجة لا تختلف عن بعضها إلا من حيث الكيفية في الصناعة، أي أن الفرق الحقيق بين الصدفة والتخليق (الذكي والتطوري) إنما هو بين البرمجة القصدية الهادفة في عمليات التخليق والحدث الأعمى كما في الصدفة، ومن الملاحظ جيدا أن مثال الكومبيوتر هو أفضل مثال للقصدية الهادفة فالكومبيوتر مع وجود (الجملة الهدف) واستبعاده الاختلاف، وإبقائه على التشابهات حقق الهدف في الوصول إلى الجملة المطلوبة وفق ما برمج عليه، وقد انتهى عمله حين تحقق قصد المبرمج من أداء هذا البرنامج!

أن تعريف دوكنز للانتخاب الطبيعي أنه صانع ساعات أعمى لأنه لا يرى أمامه ولا يخطط النتائج وليس له هدف يراه [7]

لا ينطبق أبدًا مع مثاله هذا، فالمبرمج كان قد برمج الحاسوب لكي يصل إلى جملة محددة (جملة الهدف) وكان يخوض ذلك بعملية انتقائية، فيقارن بين كل جيل جديد وجملة الهدف، فما حصل من كتابة الكومبيوتر للجملة المعنية لم يكن شبيها بما ينطبق عليه تعريفه للانتخاب الطبيعي، فالمبرمج حقيقة هو صانع ساعات نظر إلى تصميم برنامج هادف يؤدي في نهايته إلى كتابة جملة الهدف بعمليات تدريجية يقوم بها الحاسوب.

-------------------------------------

[1] استعاض عن اسمه بالعلم فلو قال (لكن دوكنز) أو (لكن الملاحدة أيضاً يمتلكون إجابة) لكان صائبا، لكن أن يضع في مكان اسمه كلمة العلم فهو انتحال كبير ودعوى مبطنة عريضة.

[2] The God delusion/ p122.

[3] The God delusion/ p122.

[4] McGrath, The Dawkins Delusion, p 10.

[5] ( Blind…p46)

[6] Blind >>> p46

[7] ( Blind…p45)

غيث شبر

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2017/10/06



كتابة تعليق لموضوع : الإلحاد الدوكنزي ... لا مفر من الخلل المنطقي !
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق كاظم الربيعي ، على إحذروا الشرك - للكاتب الشيخ حسان منعم : بارك الله بكم شيخنا وزاكم الله عن الاسلام خيرا يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم والله متم نوره ولو كره المشركون

 
علّق بن سعيد ، على السريانية بين القرآن والوحي - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : تحياتي، لؤي التافه وغيره يبنون كلامهم على كتاب وضعه رجل لبناني مسيحي طريد (وليس مستشرق بل مستغرب) كان يزعم وجود كلمات آرامية في القرآن فطُرد أيام الحرب الأهلية وفرّ إلى ألمانيا وانتحل اسماً زائفاً لدكتور ألماني ووضع كتاباً بالألمانية اسمه لغة القرآن الآرامية لكن اللبنانيين كشفوا شخصيته المنتحلة، وكان هذا المسيحي الوثني ظهر في فورة المناداة بالكتابة باللهجة العامية ونبذ الفصحى، في عز الحرب بين المسلمين والمسيحيين، وخاب هو وأتباعه. شياطين حاقدة يظنون أنهم بالقتل يقضون على الإسلام فيفشلون، ثم يهاجمون العربية فيفشلون، ثم ينادون بالعامية فيفشلون، ثم يشككون بالقرآن فيفشلون، والله متم نوره وله كره الكافرون.

 
علّق محمد مصطفى كيال ، على السريانية بين القرآن والوحي - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : السلام عليكِ سيدتي ورحمة الله هذا الموضوع هو في لب القصور العقلي الفطري ؛ وانا على ثقه ان هناك عقائد تاسس لهذا النمط من القصور. الموضوع طويل؛ اعرف انه لا متسع هنا للاسترسال به؛ الا ان هناك فطره انسانيه عقليه تقيس الامور وتبني مفهومها على صدق او كذب الخبر بناءأ على ذلك؛ هذا لا يتطلب دراسه منهجيه مركبه بقدر ما يتطلب فطره سلبمه. القران كان كتاب معمم يتوارده الناس ويتم اشهاره؛ الجدل الذي حصل وقتها يستلزم ان يكون جدلا عاما تصلنا اصداؤه؛ ان ياتي من يدعي امرا "اكتشاف سرّي" بمعزل عن الواقع والتطور الطبيعي للسير ؛ فهذا شذوذ فكري. بالنسبه لهذا الغلام "لؤي الشريف" ؛ فيكفي ان يكون انسانا طبيعيا ليعي ان القران المعمم اذا كان سريانيا فصيصلنا اصداء اليريانيه كاساس للقران والجدل الدائر حول هذا الامر كموضوع جوهري رئيسي وليس كاكتشاف من لم تلد النساء مثله. دمتم في امان الله مبارك تحرير العراق العريق.

 
علّق اثير الخزاعي ، على المجلس الأعلى يبارك للعراقيين انتصارهم ويشكر صناع النصر ويدعو لبدء معركة الفساد - للكاتب مكتب د . همام حمودي : الشيء الغريب أن كل الكتل السياسية والاحزاب تُنادي بمحاربة الفساد ؟!! وكأن الفاسدون يعيشون في كوكب آخر ونخشى من غزوهم للأرض . (وإذا قيل لهم:لا تفسدوا في الأرض , قالوا:إنما نحن مصلحون . ألا إنهم هم المفسدون , ولكن لا يشعرون). لا يشعرون لأن المفسد يرى ان كل ممارساته صحيحة .

 
علّق إيزابيل بنيامين ماما آشوري ، على السريانية بين القرآن والوحي - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : سلام ونعمة وبركة عليكم اخي الطيب علي جابر . كل شيء اختلط بشيء آخر فاولد إما مسخا أو هجينا او رماديا له علاقة بالاثنين ولكنه لا يشبههما . الانساب اختلطت بشكل يُرثى له فاصبح هناك عرب وعاربة وعجم ومستعجمة ناهيك عن هجائن النباتات والحيوانات ، واللغة كذلك ايضا تختلط المفردات بعضها ببعض ويبدع الانسان اشياء اخرى ويوجد اشياء اخرى ويختلق ويختصر ويُعقّد وهكذا واللغة العربية حالها حال بقية الالسن واللغات ايضا تداخل بعضها ببعض بفعل الهجرات والغزوات وكل لغة استولدت لسانا هجينا مثل العامية إلى الفصحى . والكتب السماوية ايضا ادلت بدلوها فاخبرتنا بأن اللغة كانت واحدة ، هذه التوراة تقول (فبلبل الله السنة الناس فاصبح لا يفهم بعضهم بعضا وإنما سُميت بابل لتبلبل الالسنة). طبعا هذا رأي التوراة واما رأي القرآن فيقول : (كان الناس أمة واحدة ). على لغة واحدة ودين واحد ثم قال : (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ). والعلم وقف ما بين هذين النصين فقدم ايضا رأيه في ذلك . تحياتي

 
علّق فراس موحان الساعدي ، على أهالي قضاء التاجي من الحدود العراقية السورية : نصر الشعب العراقي تحقق بفتوى المرجعية الدينية العليا ودماء الشهداء وتضحيات الميامين : موفقين انشاء اللة

 
علّق علي جابر الفتلاوي ، على السريانية بين القرآن والوحي - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : حيّاك الرّب الاخت الباحثة إيزابيل بنيامين ماما اشوري دائما تتحفينا بالمعلومات الموثقة التي لا تقبل الجدل، جزاك الله خيرا، عندي وجهة نظر ربما توافقينني عليها بخصوص ما تفضلتي في مقالتك الأخيرة(السريانية بين القرآن والوحي)، اتفق معك أن نبينا الكريم (ص) لا يتكلم إلّا العربية، وأن العربية هي لغة القرآن الكريم، كذلك اتوافق معك أن العربية سبق وجودها قبل نزول القرآن، لكن بخصوص وجود تشابه بين القرآن وما موجود في التوراة والانجيل الصحيحين الموثقين، يرى بعض الباحثين وأنا اتوافق معهم ان وجد مثل هذا التشابه بين القرآن والانجيل والتوارة فسببه أن الكتب المقدسة الثلاثة مصدرها واحد هو الله تعالى، فلا عجب أن وجد مثل هذا الشبه في بعض الافاظ والمعاني، كذلك اتوافق معك أن بعض المستشرقين من ذوي النوايا السيئة استغلوا هذا المحور للطعن في القرآن والرسول محمد (ص)، ومثل هذه الادعاءات لا تصمد أمام البحث العلمي، وقد ابطلها علميا الكثير من العلماء والباحثين المنصفين، ومنهم حضرتك الكريمة، حفظك الله تعالى ورعاك، ووفقك لكشف الحقائق وفضح المزورين واصحاب النوايا السيئة. تحياتي لك.

 
علّق حسين فرحان ، على أيها العراقي : إذا صِرتَ وزيراً فاعلم - للكاتب مهند الساعدي : اختيار موفق .. أحسنتم . لكم مني فائق التقدير .

 
علّق مهند العيساوي ، على الانتفاضة الشعبانية...رحلة الى وطني - للكاتب علي حسين الخباز : احسنت السرد

 
علّق علي الاحمد ، على قطر ... هل ستحرق اليابس والأخضر ؟! - للكاتب احمد الجار الله : واصبحتم شماعة للتكفير الوهابي وبعد ان كنتم تطبلون لهم انقطعت المعونات فصرتم مع قطر التي يختبا فيها الصرخي كفرتم من لم يقلد صريخوس حتى الحشد ومن حماكم

 
علّق علي الاحمد ، على هل أصبحنا أمة الببغاوات ؟! - للكاتب احمد الجار الله : ببغاء من ببغاوات الصرخي

 
علّق علي الاحمد ، على كشف الفتنة الصرخية - للكاتب احمد الجار الله : احسنت بكشف الصرخي واتباعه 

 
علّق كاره للصرخية ، على حقيقة الجهل عند الصرخي واتباعه والسبب السب والشتم - للكاتب ابراهيم محمود : لم تقل لنا اين هرب الصرخي اسم جديد المعلم الاول

 
علّق علي الاحمد ، على الصرخي هو الشيطان - للكاتب ابراهيم محمود : صرخيوس هو شيطان هذا الزمان 

 
علّق بيداء محمد ، على البيت الثقافي في بغداد الجديدة يشارك براعم الطفولة مهرجانها السنوي - للكاتب اعلام وزارة الثقافة : كانت فعاليات متميزة حقا... شكرا للجهود المبذولة من قبل كادر البراعم.

الكتّاب :

صفحة الكاتب : حيدر علاوي حيدرة
صفحة الكاتب :
  حيدر علاوي حيدرة


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

إحصاءات :


 • الأقسام : 25 - التصفحات : 90866126

 • التاريخ : 17/12/2017 - 04:28

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net