صفحة الكاتب : محمد الهجابي

لم تصدّق للا فاطمة ما يقعُ لرجلها. هي أوّل الناس منْ لم يصدّق. ثاني الناس هو عمّار. صديقه عمّار لم يصدّق في البداية، لكنّه صدّق فيما بعد. ثالث الناس ممّن لم يصدّقْ كان موظفو المصلحة. عمّار قال له إنّ ما يحصل بالمشرق سيبقى حبيس بلاد المشرق، ولن يصل إلى المصلحة، مصلحتك هذه بالذات. ربّما قد يحصل بالبلاد، لكن حتماً لن يستهدفك أنت يا السي محمد. أنت بعيدٌ يا صديقي. وللا فاطمة ذكرت أنّ الأولاد صاروا يسألونها عمّا جعل والدهم يتغيّر على هذا النحو. كيف تغيّر؟ والسي محمد لا يعلّق بردٍ. ولا يحادث للا فاطمة في الموضوع. ويظلّ ساكتاً، ينصتُ لعمّار بالمقهى، ويهزّ الرأس، من طور لآخر، دون أن يحير جواباً.
وهذا المساء، لمّا طلبت للا فاطمة من رجلها أن ينهي طعام عشائه، قال لها إنّه فقد الرغبة. لم يقل لها ليس لدي شهيّة. عوّض لفظة الشّهية بلفظة الرّغبة. وهو أدرى طبعاً بما يلفظُ من كلام. ولا شكّ أنّه أعلم بما يفرق الرّغبة عن الشّهية. قال لم تعد عندي رغبة للأكل، فقدتُها. ولا تفهمُ للا فاطمة ما يجري لرجلها. جمعت الصحون، وكوّمت الخبز في المنديل. أعادت الطعام إلى البراد، فيما رتّبت المنديل في السلة القصب، وركنت السلة في موضعها فوق رفّ الخزنة الخشب، ومسحت شرشف الطيفور، ثمّ انصرفت تعدّ الشاي بمختلف النباتات البرّية، كما يشتهيه السي محمد. والرجل لم يرتشف ولو رشفة واحدة من كأس الشاي الفوّاح، وإن على سبيل المجاملة. وكالجاري من عوائده الجديدة، اختار الجلوس بالصالون. وبينما سمّر عينيه في شاشة التلفاز، مضى يتنقّل بالريموت كونترول عبر قنوات الأخبار.
يوم قال له عمّار إنّه لربّما أدمن الأخبار، نفى السي محمد بحدّة ما صرّح به صديقه، أقربُ أصدقائه بالجماعة. ويوم نبّهته الجماعة إلى أنّه لم يعد يركّز على اللعب، أدار بصره في المقهى، ثمّ أسقط الملك، ونهض مبارحاً. وليست هي المرّة الأولى التي يأتي فعلته هذه. ثمّ إنّه لا يغادر المقهى، بل يبدّل قعدته حول طاولة اللعب بقعدة وزان التلفاز، ويبقي نظره مشدوداً إلى الصور، وباله مأخوذاً بالمعطيات التي يتناقلها الصحافيون والمعلقون بصدد الوقائع الجارية بليبيا واليمن وسوريا.
جديدُ السي محمد هذه الأيّام حقاً، هو أنّه ترك اللحية تنبت، ثمّ تسترسل على مهلٍ. الآن، صار يمسدها، فيما هو يتنقّل بين مكاتب المصلحة. وعلى الرغم من الخطوط التي حفرت جبهته، وهذه العقدة التي تقطّب ما بيْن حاجبيه الأرقطين الكثّين، فإنّ الرجلَ يبتسمُ لموظفيه بالمصلحة، كما لم يبتسم من قبل. وهذا جديده أيضاً. أخبرَ أحدُهم أنّه حينما استقبله بمكتبه، هذا الصباح، قام من كرسيه الدوار وصافحه. وأزيدُ من ذلك، ضحكَ. لمْ يضحك الرئيسُ ضحكةً كاملةً، قال الموظف. الرئيسُ ضحك نصف ضحكةٍ، ثمّ سقط وجهه القمحي فجأةً. استقامت عمودياً أسطر ملامحه، وتوغّلت عيناه في محجرها، وكأنّ الرجل على شفير نوبة بكاء. لكنّ السي محمد لم يبك. صرف الموظف بهدوء، وأغلق باب المكتب، ثمّ نزل في المصعد إلى موقف السيارات. أين مضى الرجل؟ لا أحد ألمع بخبر.
في وقتٍ لاحقٍ سينقلُ أحدُهم أنّه شاهده في الغابة يتمشّى. بيد أنّ أحدَهم قال بل رآه يوم الأحد في الغابة، يتنزّه، وهذا حق مشروعٌ. رآه إبّان الويكند، ولم يره يذهب أثناء دوام العمل. والفرق بينٌ لكل ذي عقل راجح. ثم إنّ الرجلَ يخرجُ باستمرار، أوقات العطل، إلى الضاحية. والثابتُ أنّ السي محمد وحده يعرف أنّه حينما يغلقُ المكتب، ويبارحُ كرسيه الأثير الدوّار، إنّما لكي يتوجّه إلى مقهى بمنأى عن الحي الإداري. وبعيداً، يطفئ نوبته الطارئة تلك، في فنجان قهوة سادة، ثمّ يعود أدراجه ليفتح باب المكتب.
 وحظّ الرجل في أنّه لا يستفّ سجائر. لا يدخّنُ. لو كان يفعل لربّما استعظل أمرُه، وبات حكايةً بين الألسن تفركُ في سيرته بأشنع النّعوت. ولعلّ الحكاية تحوّلت إلى هزأة للتنادر، ونكتاً تتبعُ ظلّه في الحضور والغياب.
لم يكن السي محمد ينحو جهة المقهى ليحتسي القهوة فحسب، بل أيضاً ليتحصّل مستجدات الأخبار. لا يجرؤ على أصحاب المقهى. لو كان يجرؤ لطلب الريموت كونترول، وصار يدير، هو بنفسه، الصحن إلى باقي القنوات الإخبارية. لا تكفيه قناة واحدة. غير أنّ الرجل لا يجرؤ. ليس المقهى كما بيته، يفكرُ. بهذا الأخير له مطلق السلطة في التصرف بالجهاز. ولم تكن للا فاطمة لتناجزَه، ولا الأولاد كذلك.
تغيّر الرجلُ، وهذه حقيقةٌ. منذ تونس تغيّر. أقصدُ منذ أن خرج بنعلي إلى السعودية، خرجته المعروفة تلك، تغيّر. ومنذ أن شرعَ الشارع المصري يدعو مبارك إلى المحاكمة العلنية تغيّر. بدأت معالم تبدّلٍ غريبٍ تكتسح الرجل. وعلى غير مألوفه بالمقهى، راح ينهزمُ بسرعة في اللعب. لا يقاومُ. وفي أحايين كثيرة لا ينهي اللعب. ثمّ هذا الإدمان على الشاشة، كيف جاءه؟ الرجلُ حقاً تغيّر. صديقه عمّار تنبّه مبكراً إلى هذا التحوّل. قال إنّ السي محمد لم يعد السي محمد. هذا الذي أمامي، سي محمد آخر. لا يمكن أن يكون هو السي محمد الذي خادنتُ وصادقتُ لسنوات، وناصبتُه قعداتٍ لا تنسى. وكأنّك رفعتَ رجلاً وأنزلتَ رجلاً. عمّار قال هذا الكلام. والتغيّر إيّاه عزاه باقي أفراد الجماعة إلى مشاكل عائلية. بعضُهم تساءل: ومنْ لا تعوزه مشاكل عائلة؟ لكنّ عمّاراً لم يصعب عليه إدراك حقيقة الرجل. وما حقيقته، اللحظة، سوى من حقيقة أخبار  القنوات. وحقيقة الأخبار أنّها تصدح بلفظة: ارحل.
 وإذن، ليس ما يثير أفزاعَ الرجل هو توارد أخبارٍ عنْ قرب سقوط هذا الرئيس أو ذاك السلطان. ليس هذا هو الذي يقلقُ السي محمد ويضجرُه. عمّار، لربّما، وحده الذي فهم السي محمد. يجزم عمار بالقول إنّ الذي قلبَ صديقه إلى رجلٍ آخر هو هذه الكلمة الصغيرة والمقتضبة والسحرية: ارحل. هذه اللفظة الآمرة هي التي جعلت الوسن يهجرُ صديقنا، فيفيقُ كلّ صباح محمّر العينين، يفتحُ فاه عن آخره، خائر القوى، منكسر الأعضاء، كما لو بات جسده، الليلة كلّها، عرضة خبط أيادي وأرجل قوم جعلوا ينكأون فيه، ويجرسون به، ويقرعون صفاته، ويصرخون ملء وجهه، بينما هم يرفعون قبضات أيديهم مضمومة إلى أعلى: ارحل. ارحل.
 كيفَ أرحل؟ وأيْنَ أرحل؟
أنكرَ السي محمد أن يكون ردّد في جوف نومته العبارة. لن يكون قطعاً برجلها إذا ما صارت العبارة تتقافز فوق حرف لسانه وهو ناعس أو نائم أو غاف حتّى، قال لامرأته. وقالت له إنّها سمعت العبارة بأذنيها الاثنتين معاً، وهي لا تكذب. كيف تكذب؟ وأذنها لا تخطئ، ولها صغو أذن يتصيّد الصوت في تمام صفائه، فيتنزّل على الطبلة مثلما لو يتنزّل لتوّه؛ صوتٌ لا تشوبُه لثغةٌ، ولا يخالطُه نشازٌ. شطّب السي محمد بيده في الهواء، ثمّ غادر الفراش إلى التواليت، فيما هو يبسمل ويحوقل، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
عقب الفطور استوضح من جديد امرأته عمّا تكون سمعت بالفعل. استنبأها ولمّا لا يزالان بعد قاعدين لوحدهما إلى الطيفور. وبدون كبير تفكير، قالت له إنّه لم يكف يردّد لفظة: ارحل. وأضافت تقولُ إنّها حرّكته بيدها لكم مرّة، فكان يرسلُ هنهنةً، ويغيّر رقدة الجنب الأيمن برقدة الجنب الشمال، ويغطسُ في نومته، ثمّ سرعان ما يعودُ إلى تكرار اللفظة عينها.
في ذلك الصباح، كظم السي محمد غضبةً شدّت بمخنقه، وانسحب إلى الخارج. وفي الخارج، بالمقهى، صاحت الأخبار: ارحل. وفي المصلحة شاهده الموظفون يلجُ المكتب ويوصد الباب، لا يستقبل أحداً، ولا يضغط على زرّ  السكرتيرة. وفي المقهى، مساءاً، لم يلعب. اختلى بصديقه عمّار في ركن قصي، وقال له إنّ الموطفين أضحوا يتخازرونه من طرف خفي، ويشمتون. لم يفعلوا خلال أزيد من عقدٍ من السنين من الخدمة معهم. لم يرهم يفعلون. الآن، اللئام يفعلون. وقال له أيضاً إنّ الرّياح قادمة لا ريب في ذلك، بل رأى نذُرها في عيون الموظفين. وقريباً، قريباً، سيجهرون بقبضات الأيدي وبإشارات النّصر في الأعلى، فيما هم يصيحون قدام المكتب: ارحل، ارحل، ارحل.         
يريد السي محمد نصيحة من صديقه. والنصيحة، يقول عمّار، هو أنّ هذا الذي لحق برؤساء المشرق لا يمكن أن يصلَ إلى المغرب، اطمئن يا صديقي. وحتّى إذا ما وصل، فلن يصيبك منه شيء. ثمّ أنت رئيس مصلحة بسيطة بإدارة كبيرة. ربّما أصاب الوزيرَ والكاتبَ العامَ والمديرينَ ورؤساءَ الأقسام، لكن قطعاً لن يصيب رئيس مصلحة منْ حجمكَ. لن ترحلَ يا صديقي السي محمد، لن ترحل.  الرجل أراد أن يصدّق صديقه، بيد أنّه لا يقدر. عقلٌ يقول له: صدّق. وعقلٌ يقول له: لا تصدّق. ويخمّنُ: موظفو هذه المصلحة بالضبط، هؤلاء الملاعين، لا بدّ أن ينطقوها، حتّى وإنْ لم أكنْ رئيسَ مصلحة، ولا رئيسَ دولة، ولا وزيراً. بالنقابة أو بدونها هم قادرون اليومَ أن ينطقوا: ارحل.
وهو جوار للا فاطمة، في الفراش هذه الليلة، حاول السي محمد أن ينامَ. بجدٍّ، سعى إلى النّوم، غير أنّه لم يستطع. كيف ينام؟ وفي الهزيع الثاني، شعرت المرأةُ به يتسلّل خارج السرير، ثمّ سمعت، بعد حين، صوت التلفاز يأتيها خفيضاً من تحت الباب. قلبت البطانية بالكامل على رأسها. وفي الظلمة الغماء، فتحت عينيها، وجعلت تنتحبُ، وتكزّ بالأسنان على شفتها السفلى.
                                                   أكتوبر 2011

 


محمد الهجابي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2011/11/17



كتابة تعليق لموضوع : ارحَلْ
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 

أحدث التعليقات إضافة (عدد : 1)


• (1) - كتب : tower ، في 2012/06/06 .

ارحَلْ

لم تصدّق للا فاطمة ما يقعُ لرجلها. هي أوّل الناس منْ لم يصدّق. ثاني الناس هو عمّار. صديقه عمّار لم يصدّق في البداية، لكنّه صدّق فيما بعد. ثالث الناس ممّن لم يصدّقْ كان موظفو المصلحة. عمّار قال له إنّ ما يحصل بالمشرق سيبقى حبيس بلاد المشرق، ولن يصل إلى المصلحة، مصلحتك هذه بالذات. ربّما قد يحصل بالبلاد، لكن حتماً لن يستهدفك أنت يا السي محمد. أنت بعيدٌ يا صديقي. وللا فاطمة ذكرت أنّ الأولاد صاروا يسألونها عمّا جعل والدهم يتغيّر على هذا النحو. كيف تغيّر؟ والسي محمد لا يعلّق بردٍ. ولا يحادث للا فاطمة في الموضوع. ويظلّ ساكتاً، ينصتُ لعمّار بالمقهى، ويهزّ الرأس، من طور لآخر، دون أن يحير جواباً.
وهذا المساء، لمّا طلبت للا فاطمة من رجلها أن ينهي طعام عشائه، قال لها إنّه فقد الرغبة. لم يقل لها ليس لدي شهيّة. عوّض لفظة الشّهية بلفظة الرّغبة. وهو أدرى طبعاً بما يلفظُ من كلام. ولا شكّ أنّه أعلم بما يفرق الرّغبة عن الشّهية. قال لم تعد عندي رغبة للأكل، فقدتُها. ولا تفهمُ للا فاطمة ما يجري لرجلها. جمعت الصحون، وكوّمت الخبز في المنديل. أعادت الطعام إلى البراد، فيما رتّبت المنديل في السلة القصب، وركنت السلة في موضعها فوق رفّ الخزنة الخشب، ومسحت شرشف الطيفور، ثمّ انصرفت تعدّ الشاي بمختلف النباتات البرّية، كما يشتهيه السي محمد. والرجل لم يرتشف ولو رشفة واحدة من كأس الشاي الفوّاح، وإن على سبيل المجاملة. وكالجاري من عوائده الجديدة، اختار الجلوس بالصالون. وبينما سمّر عينيه في شاشة التلفاز، مضى يتنقّل بالريموت كونترول عبر قنوات الأخبار.
يوم قال له عمّار إنّه لربّما أدمن الأخبار، نفى السي محمد بحدّة ما صرّح به صديقه، أقربُ أصدقائه بالجماعة. ويوم نبّهته الجماعة إلى أنّه لم يعد يركّز على اللعب، أدار بصره في المقهى، ثمّ أسقط الملك، ونهض مبارحاً. وليست هي المرّة الأولى التي يأتي فعلته هذه. ثمّ إنّه لا يغادر المقهى، بل يبدّل قعدته حول طاولة اللعب بقعدة وزان التلفاز، ويبقي نظره مشدوداً إلى الصور، وباله مأخوذاً بالمعطيات التي يتناقلها الصحافيون والمعلقون بصدد الوقائع الجارية بليبيا واليمن وسوريا.
جديدُ السي محمد هذه الأيّام حقاً، هو أنّه ترك اللحية تنبت، ثمّ تسترسل على مهلٍ. الآن، صار يمسدها، فيما هو يتنقّل بين مكاتب المصلحة. وعلى الرغم من الخطوط التي حفرت جبهته، وهذه العقدة التي تقطّب ما بيْن حاجبيه الأرقطين الكثّين، فإنّ الرجلَ يبتسمُ لموظفيه بالمصلحة، كما لم يبتسم من قبل. وهذا جديده أيضاً. أخبرَ أحدُهم أنّه حينما استقبله بمكتبه، هذا الصباح، قام من كرسيه الدوار وصافحه. وأزيدُ من ذلك، ضحكَ. لمْ يضحك الرئيسُ ضحكةً كاملةً، قال الموظف. الرئيسُ ضحك نصف ضحكةٍ، ثمّ سقط وجهه القمحي فجأةً. استقامت عمودياً أسطر ملامحه، وتوغّلت عيناه في محجرها، وكأنّ الرجل على شفير نوبة بكاء. لكنّ السي محمد لم يبك. صرف الموظف بهدوء، وأغلق باب المكتب، ثمّ نزل في المصعد إلى موقف السيارات. أين مضى الرجل؟ لا أحد ألمع بخبر.
في وقتٍ لاحقٍ سينقلُ أحدُهم أنّه شاهده في الغابة يتمشّى. بيد أنّ أحدَهم قال بل رآه يوم الأحد في الغابة، يتنزّه، وهذا حق مشروعٌ. رآه إبّان الويكند، ولم يره يذهب أثناء دوام العمل. والفرق بينٌ لكل ذي عقل راجح. ثم إنّ الرجلَ يخرجُ باستمرار، أوقات العطل، إلى الضاحية. والثابتُ أنّ السي محمد وحده يعرف أنّه حينما يغلقُ المكتب، ويبارحُ كرسيه الأثير الدوّار، إنّما لكي يتوجّه إلى مقهى بمنأى عن الحي الإداري. وبعيداً، يطفئ نوبته الطارئة تلك، في فنجان قهوة سادة، ثمّ يعود أدراجه ليفتح باب المكتب.
وحظّ الرجل في أنّه لا يستفّ سجائر. لا يدخّنُ. لو كان يفعل لربّما استعظل أمرُه، وبات حكايةً بين الألسن تفركُ في سيرته بأشنع النّعوت. ولعلّ الحكاية تحوّلت إلى هزأة للتنادر، ونكتاً تتبعُ ظلّه في الحضور والغياب.
لم يكن السي محمد ينحو جهة المقهى ليحتسي القهوة فحسب، بل أيضاً ليتحصّل مستجدات الأخبار. لا يجرؤ على أصحاب المقهى. لو كان يجرؤ لطلب الريموت كونترول، وصار يدير، هو بنفسه، الصحن إلى باقي القنوات الإخبارية. لا تكفيه قناة واحدة. غير أنّ الرجل لا يجرؤ. ليس المقهى كما بيته، يفكرُ. بهذا الأخير له مطلق السلطة في التصرف بالجهاز. ولم تكن للا فاطمة لتناجزَه، ولا الأولاد كذلك.
تغيّر الرجلُ، وهذه حقيقةٌ. منذ تونس تغيّر. أقصدُ منذ أن خرج بنعلي إلى السعودية، خرجته المعروفة تلك، تغيّر. ومنذ أن شرعَ الشارع المصري يدعو مبارك إلى المحاكمة العلنية تغيّر. بدأت معالم تبدّلٍ غريبٍ تكتسح الرجل. وعلى غير مألوفه بالمقهى، راح ينهزمُ بسرعة في اللعب. لا يقاومُ. وفي أحايين كثيرة لا ينهي اللعب. ثمّ هذا الإدمان على الشاشة، كيف جاءه؟ الرجلُ حقاً تغيّر. صديقه عمّار تنبّه مبكراً إلى هذا التحوّل. قال إنّ السي محمد لم يعد السي محمد. هذا الذي أمامي، سي محمد آخر. لا يمكن أن يكون هو السي محمد الذي خادنتُ وصادقتُ لسنوات، وناصبتُه قعداتٍ لا تنسى. وكأنّك رفعتَ رجلاً وأنزلتَ رجلاً. عمّار قال هذا الكلام. والتغيّر إيّاه عزاه باقي أفراد الجماعة إلى مشاكل عائلية. بعضُهم تساءل: ومنْ لا تعوزه مشاكل عائلة؟ لكنّ عمّاراً لم يصعب عليه إدراك حقيقة الرجل. وما حقيقته، اللحظة، سوى من حقيقة أخبار القنوات. وحقيقة الأخبار أنّها تصدح بلفظة: ارحل.
وإذن، ليس ما يثير أفزاعَ الرجل هو توارد أخبارٍ عنْ قرب سقوط هذا الرئيس أو ذاك السلطان. ليس هذا هو الذي يقلقُ السي محمد ويضجرُه. عمّار، لربّما، وحده الذي فهم السي محمد. يجزم عمار بالقول إنّ الذي قلبَ صديقه إلى رجلٍ آخر هو هذه الكلمة الصغيرة والمقتضبة والسحرية: ارحل. هذه اللفظة الآمرة هي التي جعلت الوسن يهجرُ صديقنا، فيفيقُ كلّ صباح محمّر العينين، يفتحُ فاه عن آخره، خائر القوى، منكسر الأعضاء، كما لو بات جسده، الليلة كلّها، عرضة خبط أيادي وأرجل قوم جعلوا ينكأون فيه، ويجرسون به، ويقرعون صفاته، ويصرخون ملء وجهه، بينما هم يرفعون قبضات أيديهم مضمومة إلى أعلى: ارحل. ارحل.
كيفَ أرحل؟ وأيْنَ أرحل؟
أنكرَ السي محمد أن يكون ردّد في جوف نومته العبارة. لن يكون قطعاً برجلها إذا ما صارت العبارة تتقافز فوق حرف لسانه وهو ناعس أو نائم أو غاف حتّى، قال لامرأته. وقالت له إنّها سمعت العبارة بأذنيها الاثنتين معاً، وهي لا تكذب. كيف تكذب؟ وأذنها لا تخطئ، ولها صغو أذن يتصيّد الصوت في تمام صفائه، فيتنزّل على الطبلة مثلما لو يتنزّل لتوّه؛ صوتٌ لا تشوبُه لثغةٌ، ولا يخالطُه نشازٌ. شطّب السي محمد بيده في الهواء، ثمّ غادر الفراش إلى التواليت، فيما هو يبسمل ويحوقل، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
عقب الفطور استوضح من جديد امرأته عمّا تكون سمعت بالفعل. استنبأها ولمّا لا يزالان بعد قاعدين لوحدهما إلى الطيفور. وبدون كبير تفكير، قالت له إنّه لم يكف يردّد لفظة: ارحل. وأضافت تقولُ إنّها حرّكته بيدها لكم مرّة، فكان يرسلُ هنهنةً، ويغيّر رقدة الجنب الأيمن برقدة الجنب الشمال، ويغطسُ في نومته، ثمّ سرعان ما يعودُ إلى تكرار اللفظة عينها.
في ذلك الصباح، كظم السي محمد غضبةً شدّت بمخنقه، وانسحب إلى الخارج. وفي الخارج، بالمقهى، صاحت الأخبار: ارحل. وفي المصلحة شاهده الموظفون يلجُ المكتب ويوصد الباب، لا يستقبل أحداً، ولا يضغط على زرّ السكرتيرة. وفي المقهى، مساءاً، لم يلعب. اختلى بصديقه عمّار في ركن قصي، وقال له إنّ الموطفين أضحوا يتخازرونه من طرف خفي، ويشمتون. لم يفعلوا خلال أزيد من عقدٍ من السنين من الخدمة معهم. لم يرهم يفعلون. الآن، اللئام يفعلون. وقال له أيضاً إنّ الرّياح قادمة لا ريب في ذلك، بل رأى نذُرها في عيون الموظفين. وقريباً، قريباً، سيجهرون بقبضات الأيدي وبإشارات النّصر في الأعلى، فيما هم يصيحون قدام المكتب: ارحل، ارحل، ارحل.
يريد السي محمد نصيحة من صديقه. والنصيحة، يقول عمّار، هو أنّ هذا الذي لحق برؤساء المشرق لا يمكن أن يصلَ إلى المغرب، اطمئن يا صديقي. وحتّى إذا ما وصل، فلن يصيبك منه شيء. ثمّ أنت رئيس مصلحة بسيطة بإدارة كبيرة. ربّما أصاب الوزيرَ والكاتبَ العامَ والمديرينَ ورؤساءَ الأقسام، لكن قطعاً لن يصيب رئيس مصلحة منْ حجمكَ. لن ترحلَ يا صديقي السي محمد، لن ترحل. الرجل أراد أن يصدّق صديقه، بيد أنّه لا يقدر. عقلٌ يقول له: صدّق. وعقلٌ يقول له: لا تصدّق. ويخمّنُ: موظفو هذه المصلحة بالضبط، هؤلاء الملاعين، لا بدّ أن ينطقوها، حتّى وإنْ لم أكنْ رئيسَ مصلحة، ولا رئيسَ دولة، ولا وزيراً. بالنقابة أو بدونها هم قادرون اليومَ أن ينطقوا: ارحل.
وهو جوار للا فاطمة، في الفراش هذه الليلة، حاول السي محمد أن ينامَ. بجدٍّ، سعى إلى النّوم، غير أنّه لم يستطع. كيف ينام؟ وفي الهزيع الثاني، شعرت المرأةُ به يتسلّل خارج السرير، ثمّ سمعت، بعد حين، صوت التلفاز يأتيها خفيضاً من تحت الباب. قلبت البطانية بالكامل على رأسها. وفي الظلمة الغماء، فتحت عينيها، وجعلت تنتحبُ، وتكزّ بالأسنان على شفتها السفلى.



البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق إيزابيل بنيامين ماما آشوري ، على بعض احاديث المسلمين مأخوذة من اليهود !! - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : سلام ونعمة وبركة عليكم اخي الطيب محمد مصطفى كيال حياك الرب منذ ان اختط قلم القدرة مسيرة الانسانية في الكون او على هذه الأرض كان هناك خطان . خط اتبع الشيطان لأن في جعبته الكثير من الشهوات . وخط الرب الذي جعل افضل شهواته (الجنة) محفوفة بالمكاره وبما ان الناس عبيد الدنيا وعبّاد الشهوة انجرفوا وراء الخط الثاني واغترفوا من شهوات الدنيا ما دفعهم إلى قتل كل من يُحاول ارجاعهم إلى الصواب او الخط الالهي وخير من يُحاول ذلك هم المقدسون في كل دين اسباط او حواريون او ائمة السبب لأن هؤلاء كما قال عنهم الرب (وجعلناهم ائمة يهدون بأمرنا) وليس بأمر إبليس . هؤلاء الائمة لا يعطون ذهبا او مناصبا او وعودا كاذبة ، بل رجال الرب الصادقين الذين يقودون الناس إلى النعيم الأكبر المحفوف بالمكاره . اشكركم اخي الطيب على المرور . تحياتي

 
علّق نادية مداني ، على قصة مضرّجة جدائلها بالليلة القزحية - للكاتب احمد ختاوي : نص رائع وممتع تحياتي أستاذ

 
علّق وليد خالد زنكي خانقين ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : عشيرة زنكي كبيرة جدا في خانقين لاكن المشكلة اين في القيادة الزنكية لايوجد قائد للزنكية على مر السنين المضت فا اصبحت مع اخوالهم الاركوازية

 
علّق فلاح زنكي كربلاء السعدية المخيم ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : شيخ ال زنكي العام في كربلاء وكلنا من اصول ديالى وتحياتنا لكم اولاد العم في ديالى وكركوك والموصل

 
علّق ام على الزنكي ديالى ناحية السعدية سابقا ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : نحن عشيرة الزنكي ومسقط راس اجدادي في ناحية السعدية لاكن الان كل زنكي مرتبط مع الزنكنة من ظمنهم اخوتي واولاد عمي المتواجدين في ديالى لقلة التواصل ولايوجد اخ كبير لهم وهل الشيخ عصام قادر على المهمة الصعبة اختكم ام علي الزنكي كركوك وسابقا ناحية السعدية

 
علّق محمد مصطفى كيال ، على بعض احاديث المسلمين مأخوذة من اليهود !! - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : ((فلماذا لا تُطبقون ذلك مع حكامكم اليوم في بغداد المالكي والجعفري والعبادي مع انهم لم يضربوكم ولم يسلبوكم بل اعطوكم ثروات الجنوب وفضلوكم على انفسهم فلماذا تنقلبون عليهم وتخرجون عليهم بينما احاديثكم تقول لا يجوز الخروج على الحاكم الظالم. ممكن تفسير؟)) السلام عليكِ ورحمة الله التفسير متضمن في فهم ابليس هناك امر لا ينتبه اليه كثيرون؛ وهو ان ابليس حياته مسخره فقط لمحارية دين الله في الانسان لا يوجد له حياه او نشاط الا ذلك. الدين السني؛ ووفق سيرته التاريخيه؛ هو دين باسم الاسلام لا يوجد له فقه او موروث الا بمحاربة المذهب الشيعي والتعرض له. وضعت الاحاديث للرد على الشيعه اخترع مصطلح صحابه لمواجهة موالاة ال البيت تم تتبع (الائمه) الاكثر يذاءه في حث الشيعه.. يمكن من فهم هذا الدين فهم عميق لما هو ابليس دمتم في امان الله

 
علّق ذنون زنكي موصل ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : سلام عليكم ورحمة الله وبركاته بالنسبة لعشيرة زنكي مهمولة جدا وحاليا مع عشيرة زنكنة في سهل نينوى مع الشيخ شهاب زنكنة مقروضة عشيرة زنكي من ديالى وكركوك والان الموصل اذا حبيتم لم عشيرة زنكي نحن نساعدكم على كل الزنكية المتواصلين مع الزنكنة ونحن بخدمت عمامنا والشيخ ابو عصام الزنكي في ديالى ام اصل الزنكي

 
علّق يشار تركماني ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : نحن عائلة زنكي التركمانية ونحن من اصول ديالى والنسب يرجع الى عماد نور الدين زنكي ويوجد عمامنا في موصل وكربلاء اهناك شيخ حاجي حمود زنكي

 
علّق محمد جعفر ، على منطق التعامل مع الشر : قراءة في منهج الامام الكاظم عليه السلام  - للكاتب الشيخ ليث الكربلائي : احسنتم شيخنا

 
علّق عباس البخاتي ، على المرجعية العليا ..جهود فاقت الحدود - للكاتب ابو زهراء الحيدري : سلمت يداك ابا زهراء عندما وضعت النقاط على الحروف

 
علّق قاسم المحمدي ، على رؤية الهلال عند فقهاء إمامية معاصرين - للكاتب حيدر المعموري : احسنتم سيدنا العزيز جزاكم الله الف خير

 
علّق ابو وجدان زنكي سعدية ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : ممكن عنوان الشيخ عصام الزنكي شيخ عشيرة الزنكي اين في محافظة ديالى

 
علّق محمد قاسم ، على الاردن تسحب سفيرها من ايران : بمجرد زيارة ملك الاردن للسعودية ووقوفها الاالامي معه .. تغير موقفه تجاه ايران .. وصار امن السعودية من اولوياته !!! وصار ذو عمق خليجي !!! وانتبه الى سياسة ايران في المتضمنة للتدخل بي شؤون المنطقة .

 
علّق علاء عامر ، على من رحاب القران إلى كنف مؤسسة العين - للكاتب هدى حيدر : مقال رائع ويستحق القراءة احسنتم

 
علّق ابو قاسم زنكي خانقين ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : الى شيخ ال زنكي في محافظة دبالى الشيخ عصام زنكي كل التحيات لك ابن العم نتمنى ان نتعرف عليك واتت رفعة الراس نحن لانعرف اصلنا نعرف بزنكنة ورغم نحن من اصل الزنكي .

الكتّاب :

صفحة الكاتب : امجد الدهامات
صفحة الكاتب :
  امجد الدهامات


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

كتابات متنوعة :



 الهندسة العسكرية للحشد تشرع باعمال اكساء وتبليط طريق حيوي في البصرة (صور)

 توزيع شقق لعوائل شهداء شرطة واسط  : علي فضيله الشمري

 هل يمكن إنقاذ إقتصاد العراق من خلال البنك المركزي ( 4 )  : محمد توفيق علاوي

 بيان الهيئة القيادية في المجلس الاعلى( د همام حمودي رئيسا للمجلس الاعلى)

 ثورة سياسي صغير  : جنان الهلالي

 تعيين ممثل جديد لحكومة إقليم كوردستان في السويد  : دائرة العلاقات الخارجية حكومة اقليم كردستان

 كتاب سادن الشعر وحارس بوابة القصيدة

 اللعب بلا رأس مال.. الجزء الثاني  : جاسم جمعة الكعبي

 ردا على بيان الشاهرودي ...مجموعة من اساتذة الحوزة العلمية يصدرون بيانا

 هل ثمة فساد وطائفية في مملكة النمل؟!  : عباس الكتبي

 عاصفة لوزان أعتى وأسطع من عاصفة الحزم  : عزيز الحافظ

 أطفئوا ألحرائق بعقد جلسة البرلمان وتشكيل الحكومة  : حميد الموسوي

 دائرة العلاقات تنظم دورة في فن التعامل والاتكيت للكادر المتقدم  : وزارة الشباب والرياضة

 قيادة عمليات سامراء تعقد مؤتمراً امنياً موسعاً في مقر القيادة  : وزارة الدفاع العراقية

 مشروع المرأة من أجل تشريع منصف (WEL)  : فريال الكعبي

إحصاءات :


 • الأقسام : 26 - التصفحات : 107911699

 • التاريخ : 23/06/2018 - 09:24

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net