صفحة الكاتب : كريم السيد

عن صراع العلم والأيمان
كريم السيد
ببساطه, كان الايمان يجوب وحده في عقائد الانسان بلا منافس ولا ندّ, حيث طغى الايمان على عقل الانسان ثم امتد الى حريته وأرادته. وهو بالطبع ليس الايمان الحقيقي انما المقصود بها منظومته التي تمثله, فاستفحل بعد استقراره واصبح قرشا هائجا يلتهم انسان القرون الوسطى دون هوادة ولا رحمة, انه ينطق بأسم الله ليبيد البشرية.
يروى في الاساطير ان هناك معلم يملك جنيا خارقا في تحقيق الرغبات التي يطلبها سيده, سيده الذي يحتجزه في قارورة صغيرة يضع له طلاسم وكلمات تكون هي كلمة السر التي تخرج الجني من قارورته ثم يعيده بكلمات اخرى وهكذا, وبينما هو معتاد على ذلك قام احد تلامذة ذلك المعلم بحفظ كلمة استخراج الجني ليقوم بالفعل باستخراجه بعد غياب استاذه لكنه نسي ان يحفظ كلمة السر التي تعيده, ولما عرف الجني فقر التلميذ بمعرفة كيفية اعادته استغل الوضع فانتقم من التلميذ وولى هاربا.
هذه الاسطورة تشبه الى حد ما مقولة المؤرخ البريطاني الشهير ارنولد توينبي التي تنقل على لسان المفكر الإسلامي الشيخ مرتضى مطهري, والتي يعزو فيها ان آدم اخطأ حين التهم الشجرة ليخسر جنة ربه فهبط في الارض ليحاول ان يعوض جنته السماوية بجنة في الارض فعمد على عمارة الارض وزراعتها وجعلها منها جنة تعوضه عن الجنة الأولى التي غادرها, وارتكب الانسان الخطأ الثاني في الجنة الثانية وبذلك يتعين عليه ان يغادر جنته الثانية, انه التكنولوجيا والماكنة الصناعية. لان التكنولوجيا تنمو يوما بعد يوم بينما الانسان يضعف تدريجيا بنموها وبذلك فأن الانسان اضحى مثل دودة القز التي تصنع شرنقتها بيدها. وخروج الانسان من جنته الثانية محكوم عليه بالفناء المطلق, اذ لاوجود لجنة ثالثة. (سلوك واخلاق الاسلام لمرتضى مطهري ص128).
يعتقد مطهري ان توينبي قد ارتكب خطأ كبيرا بمقولته تلك, اذ هو ترجمة فكرية لما جاء به (فرنسيس بيكن) واتباعه حين قالوا: ان العلم كل شيء, ويعتقد ان التكنولوجيا والعلوم ليست السبب في فناء الانسان بل هي سبيل تقدمه شريطة ان توازي رافدها الاخر وهو الايمان, وهو يقرّ بأن العلم يجعل من الانسان قادر ولكن قادرا على ماذا؟! "ان الأنسان يكتسب العلم ليقتلع جذور المرض؟. انه جهد مبارك, يكتسب العلم ليحارب الفقر؟ انه قول نسبي, فيه جانب صحيح وآخر ليس صحيحا, أي يمكن تنمية الاقتصاد بالعلم, لكن الفقر  ليس ناشئا دائما من الضعف الاقتصادي, هل نكتسب العلم لنقضي على الاضطرابات النفسية؟ هل نكتسب العلم لنحارب الظلم؟ العلم اثبت عكس ذلك بل غدا العلم سيفا بيد الظالم, هل نكتسب العلم لنحارب البخل والحرص والانانية؟ لم يثبت ذلك بل تحول الامر الى عكس ذلك فالعلم قد زاد من تلك الصفات في الانسان". ونحن في ازاء العلم نلمس ان مبتكروا العلوم طغى عليهم غرور معرفي جعلهم يعتقدون ان العلم وحده كاف لان يفسر كل شيء, كل الوجود, وظهرت لأجل ذلك فلسفات وافكار ونظريات مادية والحادية وما شاكلها وصلت بالضرورة الى الحاد بالله في قبال اكتشاف العلوم التي يعتقدون انها استعاضت عن ذلك الحمل الذي تتبناه المنظومة الدينية التي ثاروا بوجهها بصرخة التكنولوجيا والعلوم.
شخصيا, اجدني اصل بالنهاية لما وصل اليه مطهري. حين يختتم صراعة الفكري مع توينبي بهذه العبارة "البشرية في المستقبل لا حيلة لها سوى اللجوء الى الايمان, أي معرفة الله مقرونة بالخضوع له, ان الاضطرابات البشرية المستعصية عن الحل والمشاكل المعاصرة كلها ناشئة من الفراغ المعنوي الاخلاقي".
ان اقراري بعقلانية مطهري لا يعني الانكار لدور العلم الذي اصبح يخدم الانسان كدابة في صحراء قاحله, لكن الاعتكاز على العلم فقط وفقط لخلاص البشر والعيش بجنته - كما يرى توينبي- لا يتم الا باقتران السلب بالإيجاب كما هي الكهرباء اليوم, والا لا نفع بعلم بلا طمأنينة وسلام داخلي كما لا نفع بأيمان مقيد.
لنلقي نظرة الان على واقعنا الحالي, ما رأيكم لو قلنا ان القطبان يسودهما الافراط والتفريط الذي يجعل منهما بعدين تمام البعد عن بعضهما البعض, دونما اتحاد وخلاص. ان يكون العلم مادة الغرب ويكون الايمان مادة الشرق, بينما تزداد تطور العلوم هناك تغلي حمى العودة للرب والايمان هنا, ان الاديان والطوائف لتتصارع لأجل الايمان وهو شعارها, اليس كذلك؟!
بالنهاية, يمكننا ان نذكر القارئ بمقدمة المقال, حيث الايمان مسيطرا والعلم ثائرا, بينما اليوم بات المعادلة عكسية, العلم يسيطر والايمان يبحث عن ثورة للبقاء والتوازن. وهكذا كانت ومضة من صراع يجر خلفة فلسفات وأفكار, ايدولوجيات وسياسات, انسان ورحلة تنتهي ذات يوم.

  

كريم السيد
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2013/07/06



كتابة تعليق لموضوع : عن صراع العلم والأيمان
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



حمل تطبيق (بنك الدم الالكتروني) من Google Play

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق يوسف ناصر ، على كُنْ مَن أنتَ فأنتَ أخي..! - للكاتب يوسف ناصر : شكرًا أستاذنا الجليل ، لا عجب ، من عادة الزهر أن يبعث الأريج والعبير

 
علّق مهند العيساوي ، على كُنْ مَن أنتَ فأنتَ أخي..! - للكاتب يوسف ناصر : وانا اقرا مقالكم تحضرني الآن مقولة الإمام علي (ع) ( الناس صنفان: أما أخ لك في الدين, أو نظير لك في الخلق) احسنت واجدت

 
علّق متابع ، على مجلس الفساد الاعلى يطالب بضرورة تزويده بالادلة والبيانات المتعلقة بفساد اشخاص او مؤسسات : ليتابع اللجان الاقتصادية للاحزاب الحاكمة ونتحدى المجلس ان يزج بحوت من حيتان الفساد التابعة للاحزاب السنية والشيعية ويراجع تمويل هذه الاحزاب وكيف فتحت مقرات لها حتى في القرى ... اين الحزم والقوة يا رئيس المجلس !!!!

 
علّق Ahmed ، على حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء - للكاتب اسعد الحلفي : فالكل يعرف ان هناك حوزة عريقة في النجف الاشرف وعمرها يزيد على الألف سنة سبحانك ربي ونحن في عام 1440 ه والحوزة عمرها أكثر من ألف سنة

 
علّق ابو الحسن ، على ذاكرتي عن ليلة الجهاد الكفائي..أولا - للكاتب كمال الموسوي : لقد اسبلت دموعنا واقرحت جفوننا ياسيد كمال جزاك الله خير الجزاء اريد منك ان تعطي لنا عنوان هذه العائله عسى ان نخفف من الامهم ونكون اخوه وخدم لهن الا لعنة الله على الظالمين الا لعنة الله على من تسبب بضياع الوطن واراقة دماء الشهداء ولازال ينعم بالخيرات ويتخندق في الخضراء بدون اي ذرة حياء نعم افرحنا النصر بفتوى السيد الكبير لكننا نريد الفرح الاكبر بسحل هؤلاء الحثالات الذين تسببو بضياع الارض ونهب خيرات البلد وهم لايساوون شسع نعل ابنة الشهيد ولا حول ولا قوه الا بالله العلي العظيم

 
علّق خالد علي ، على موقف الحيدري من الدين - للكاتب حسين المياحي : الذي يفهم من كلام السيد الحيدري انه يقول ان الانسان اذا كان عنده دليل على دينه الذي يدين به فهو معذور اي دين كان.. وهذا الكلام لاغبار عليه.. أما انك تضع الحيدري بين خيارين اما الكفر او النفاق فقد جانبك الصواب في هذا الحكم لان السيد لم ينكر ان الدين الإسلامي هو الحق وإنما أعطى عذر للمتدين بدين اخر مع وجود الدليل عند هذا المتدين على صحة دينه وشتان بين الأمرين ياسيدي

 
علّق حكمت العميدي ، على في سبايكر ... - للكاتب احمد لعيبي : يا ايها الناس في سبايكر مات أبناء الناس واكيد سوف يبقى شعارنا لن ننسى سبايكر

 
علّق الدلوي ، على الرد على شبهات المنحرف أحمد القبانجي ( 10 ) - للكاتب ابواحمد الكعبي : احسنت جزاك الله خيرا ..رد جميل ولطيف ومنطقي

 
علّق حسين كاظم ، على الكرد الفيليون/ لواء الأفاعي الثلاث ... الحلقة الرابعة - للكاتب د . محمد تقي جون : اكثر مكون عانى بالعراق هم (الشيعة العرب).. الذين يتم حتى تهميش معرفهم نسمع بالفيلية، التركمان، السنة العرب، الاكراد، اليزيديين، المسيحيين.. التبعية الايرانية.. الخ.. ولكن هل سمعتم يوما احد (ذكر ماسي الشيعة العرب الذين وقعت الحروب على اراضيهم.. وزهقت ارواحهم.. ودمرت بناهم التحتية).. فحرب الكويت (ساحة المعارك كانت وسط وجنوب العراق اصلا).. (حرب ايران معظم المعارك هي بحدود المحافظات الشيعية العربية اليت حرقت نخيلها.. ودمرت بناها التحتية).. (حروب عام 2003 ايضا وسط وجنوب كانت مسرح لها).. اعدامات صدام وقمع انتفاضة اذار عام 1991.. ضحيتها الشيعة العرب تبيض السجون .. ضحاياها الاكبر هم الشيعة العرب المقابر الجماعية.. ضحايها الشيعة العرب ايضا الارهاب استهدفت اساسا الشيعة العرب لسنوات الارض المحروقة تعرض لها الشيعة العرب بتجفيف الاهوار وقطع ملايين النخيل وحرق القرى والتهجير محو ذكر الشيعة العرب سواء قبل او بعد عام 2003.. يستمر.. فمتى نجد من يدافع عنهم ويذكر معرفهم وينطلق من حقوقهم ومصالحهم

 
علّق علي الهادي ، على امام المركز الإسلامي في أيرلندا الجنوبية يعلق في صفحته على الفيس بوك على مقالات الكاتب سليم الحسني الأخيرة ضد المرجعية الدينية : ولكن لا حياة لمن تنادي

 
علّق Haytham Ghurayeb ، على آراء السيد كمال الحيدري في الميزان🌀 [ خمس الأرباح ] - للكاتب ابو تراب مولاي : السلام عليكم الخمس ورد في القرآن، اذن كيف لا يطبق مثله مثل الزكاه. ارجو التوضيح التفصيلي

 
علّق محمد عبدزيد ، على السيد السيستاني يرفض عروضا لعلاج عقيلته بالخارج ويصر على علاجها بجناح عام بمستشفى الصدر : اللهم اشفي السيدة الجليلة بشفائك وعافها من بلائك وارجعها الى بيتها سالمة معافاة من كل سوء ولا تفجع قلب سيدنا المرجع واولادها الكرام في هذا الشهر الكريم بحق من فجعت بأبيها في هذا الشهر وصلى الله على محمد واله الطاهرين

 
علّق ammar ، على كركوك اغلبية تركمانية لولا التدليس العربي الكردي - للكاتب عامر عبد الجبار اسماعيل : كركوك محافظة كردية اقرأوا التاريخ جيدا وهل تعلمون ان حضارة الأكراد هي قبل التاريخ الميلادي يعني عندما كان هناك اكراد لم يكن لا إسلام ولا تركمان

 
علّق علي ، على العدد ( 78 ) من اصدار الاحرار - للكاتب مجلة الاحرار : يسلموووو

 
علّق اسعد عبد الرزاق هاني ، على روزبة في السينما العراقية - للكاتب حيدر حسين سويري : عرض الفلم بنجاح ونجح بجمهوره الواسع والكبير، ولكون العتبة لاتبحث عن الأرباح ، وانما سيكون الوارد زوادة فلم جديد وبدل هذا الاسلوب الاستفزازي يمكن له ان يكون عنصرا ايجابيا ويتقدم للعتبة العباسية المقدسة ، مثلما تقدم لغيرهم واما السؤال الذي يبحث عن سرعلاقة العتبة العباسية بالانتاج هو سؤال كان الفلم جوابا عنه كونه حرر رسالة الى العالم مضمونها يمثل الإجابة على هذا السؤال الغير فطن للاسف لكونه مغلق على ادارة العتبات بشكلها القديم والذي كان تابعا للسلطة أيضا ، الى متى تبقى مثل تلك الرؤى السلطوية ، ما الغريب اذا اصبحت العتبات المقدسة تمتلك اساليب النهضةالحقيقية مستثمرة الطاقات الخلاقة في كل مجال والانتاج السينمائي احد تلك المجالات وانت وغيرك يكون من تلك الطاقات الخلاقة فتحية للعتبة العباسية المقدسة وتحية للكاتب حيدر حسين سوير وتحية لكل مسعى يبحث عن غد عراقي جميل.

الكتّاب :

صفحة الكاتب : د . نوفل ابو رغيف
صفحة الكاتب :
  د . نوفل ابو رغيف


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

كتابات متنوعة :



 لبن اربيل وسمك مسكوف وتمر البصرة  : واثق الجابري

 مدير عام الشؤون الداخلية والأمن يستقبل عدد من المواطنين والضباط والمنتسبين  : وزارة الداخلية العراقية

 القــــذافــي  : حيدر الحد راوي

 اعلان هام الى جرحى الحشد الشعبي

 هل ستسقط قلعة الارهاب ؟!!  : محمد حسن الساعدي

 ذي قار : القبض على متورطين باستهداف منزل ضابط برمانات هجومية وسراق سيارات  : وزارة الداخلية العراقية

  صرخة العراق (حفظه - رحمه الله)!!  : د . صادق السامرائي

 مهاتراتكم .. إلى متى وإلى أين ؟؟  : خميس البدر

 سيطرات النجف تلقي القبض مطلوب وفق المادة 4 ارهاب واخر بتهمة القتل  : وزارة الداخلية العراقية

 لَعَمْرُكَ‏ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ سورة الحجر (15)  : سيد جلال الحسيني

 «نصرالله» في ذكرى عاشوراء يهدد بقصف تل أبيب بآلاف الصواريخ  : وكالة نون الاخبارية

 أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السّنةُ الرَّابِعَة (٩)  : نزار حيدر

 للنكبات مؤسساتها...  : حسن حاتم المذكور

 أنشودات لعشّاق الكلمة!  : عماد يونس فغالي

 الفرعونية الجديدة.. ثورة ام انتخابات  : القاضي منير حداد

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net