صفحة الكاتب : عادل سعيد

ماءُ الشعر مِن يد الكَوّاز !
عادل سعيد
عندي حكاية من بابل ، ليست عن حمورابي و لا قوانينه و لا آلهته ، و لا عن كلكامش و اساطيره .. هي من بابل – الحلة .. وارثة طين الفرات الذي يبتكره منذ آلاف و يضعُ
فيه سرّه .. هي عن انسان صيره الفرات شاعرا حين اوحى اليه بسر الطين و كيف يتسلل في اوردته وخلاياه. هذا الإنسان الذي نحن بصدده ، ربما لا تسري في عروقه دماء نبوخذ نصر او شيليمنصر ، ولكنه ورث عن انسان بابل القديمة لغة الطين. ونحن تحديدا في زقاق من ازقة القرن التاسع عشر في الحلة.. في دكان صغير لأحد شغيلة الطين ، اسمه صالح الكواز . والكواز – بالنسبة لغير العراقيين – هو صانع الفخار. وهو ليس اي صانع فخار ، بل هو شاعررقيق اختلط فيه الطين و الشعر ، فصارا معا لغة عشق و خبز .و كي ندرك معنى ان يختلط روح الشاعر بروح الطين ، يكفينا ان نورد بيتا واحدا فقط كي ندرك هذا التداخل الصوفي بين الشاعر و الكواز:
ما وَشوشَ الكوزُ إلاّ مِن تألّمِهِ ** يشكو الى الماءِ ما لاقى مِن النّارِ
 
و أول ما يسترعي انتباهنا هو مفردة ( وشوش ) فهي ليست مما يرد في الكلام الفصيح المتوارث ، وربما عُدّت من الكلام العامي او الدارج ، ولكن الشاعر لا تنقصه الفصاحة و لا يعجزه ايراد كلمة غيرها تقربه من الفصاحة ، و لكن عبقرية اليبت هي هنا تحديدا في كلمة ( وشوش ) ، و اذا استندنا الى فقه اللغة ، فهو يخبرنا عن المفردات التي تأتي اشتقاقا من تقليد صوت في الطبيعة ، فنقول ( شلال ) ونصغي هنا الى حرف ( الشين ) الذي يحاكي صوت تدفق الشلال ، و هناك طائر الكوكي ، الذي يحاكي اسمه صوته ، وهو بهذا الإسم في معظم لغات العالم. واذا عدنا الى البيت ، فهو لم يجترح معجزة ، حين يشير الى ان الكوز ( يوش ) حين نسكب فيه الماء اول مرة، ولكن الجمال و الذكاء يكمن في ما يسمى في البلاغة العربية بحسن التعليل ، ولكننا سنهمل التصنع او القصدية في ابتداع البلاغة ، و نلتفت الى هذا التماهي و التمازج بين الشاعر الكواز و الكواز الشاعر، فالشاعر هو الذي صنع الكوز بعد ان عالج الطين كمادة خام ، و بعد ان شكلها على شكل كوز و اختمار الطين ، عرضها للنار كي تتصلب ، و تأخذ شكل الكوز المفخور ، فالشاعر الصانع ادرى بما فعلته النار بالكوز
و كأنه يشفق على كوزه الطيني وهو يمر بمرحلة خلقه من الطين الحي الى الكوز المتداول ، بعد ان( يشقى) بالنار ، وهذه الشكوى هي مصدر الجمال و العذوبة في هذا البيت الفذ..
و قبل ان نختم ، نورد حادثة قد تبدو عابرة في مجرى الحياة العامة الحافلة بالأحداث ، ولكنها لافتة و نحن نتحدث عن الشاعر ( الكواز) فقد اراد احد غرماء الشاعر ان يغيظه فعمد الى شراء ثلاثة اكواز من الشاعر ، وبعد ان سدد ثمنها ، قام بتحطيم الأكواز امام الشاعر الذي غلى الدم في عروقه، فقذف الدراهم في وجه الغريم ، وحين احتج هذا بانه حر فيما يصنع بالأكواز بعد دفع ثمنها ، قال له الكواز : خذ الدراهم و انصرف، فقد عرفت بأنني وضعت فيها روحي وانا اصنعها ، فأهرقت دمي. ثم امر ابنه بدفن كسر الفخار .. لأنها روح ازهقت .. ومن حقها الدفن .. 

  

عادل سعيد
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2013/08/22



كتابة تعليق لموضوع : ماءُ الشعر مِن يد الكَوّاز !
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق علي الدلفي ، على السكوت مقتضيات مرحلة وسياسة ادارة . - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : شيخنا الجليل انت غني عن التعريف وتستحق كل التقدير والثناء على اعمالك رائعة في محافظة ذي قار حقيقة انت بذلت حياتك وايضا اهلك وبيتك اعطيته للحشد الشعبي والان تسكن في الايجار عجبا عجبا عجبا على بقية لم يصل احد الى اطراف بغداد ... مع اسف والله

 
علّق محمد باقر ، على السكوت مقتضيات مرحلة وسياسة ادارة . - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : جزاك الله خير الجزاء شيخنا المجاهد

 
علّق احمد لطيف الزيادي ، على السكوت مقتضيات مرحلة وسياسة ادارة . - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : أحسنتم فضيلة الشيخ،ما تفضلتم به حقيقةٌ تأبى النكران فعندما نتمعن جيدابسيرة هذا السيد المبارك خلال حقبة مابعد الصقوط وكيفية تعامله مع الأحداث التي جرت في ضل تلك الحقبة ولازالت ومدى خطورتها بالنسبه للعراق والمنطقه نرى انه تعاطى معها بحكمة وسعة صدر قل نظيرها شهد بها الرأي العام العالمي والصحافة الغربيه فكان (أطال الله في عمره الشريف) على مدى كل تلك السنين الحافلة بالأحداث السياسيه والأمنية التي كان أخطرها الحرب مع تنظيم داعش الوهابي التي هزت العالم يحقن دماءًتارةً ويرسم مستقبل الوطن أخرى فكان أمام كل ذالك مصداقاً لأخلاق أهل البيت (عليهم السلام) وحكمتهم فلا ريب أن ذالك مافوت الفرص على هواةالمناصب وقطاع الطرق فصاروا يجيرون الهمج الرعاع هذه الفئة الرخيصة للنعيق في أبواق الإعلام المأجور بكثرة الكذب وذر الرماد في العيون و دس السم في العسل وكل إناءٍ بالذي فيه ينضحُ .

 
علّق احمد لطيف الزيادي ، على السكوت مقتضيات مرحلة وسياسة ادارة . - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : أحسنتم فضيلة الشيخ،ما تفضلتم به حقيقه تأبى النكران فعندما نتمعن جيدابسيرة هذا السيد المبارك خلال حقبة مابعد الصقوط وكيفية تعامله معها

 
علّق اسطورة ، على الصيدلي يثمن جهود مدير مدرسة الرفاه لافتتاحه مدرسة في ميسان - للكاتب وزارة التربية العراقية : رحم الوالديكم ما تحتاج المدرسة كاتبة

 
علّق مصطفى الهادي ، على الإسلام وقبول الآخر - للكاتب زينة محمد الجانودي : وما هي التعددية في عرفك اخ احمد ؟ ثم كيف تكون التعددية والاسلام على طول التاريخ سمح للمماليك ان يُقيموا دولة ، وامبراطوريات تركية ومغولية وفارسية ، لا بل كان هناك وزراء نافذون من اليهود والنصارى في الدولة الإسلامية على طول التاريخ ثم ألا ترى النسيج الاسلامي إلى اليوم يتمتع بخصائص تعددية الانتماء له ؟ ألا ترى أن الإسلا م إطار يجمع داخله كل الاعراق البشرية . وهل التعددية في المسيحية المتمثلة في أوربا وامريكا التي لازالت تعامل الناس على اساس عنصري إلى هذا اليوم . ام التعددية في الدولة العبرية اللقيطة التي ترمي دماء الفلاشا التي يتبرعون بها للجرحى ترميها بحجة أنها لا تتوافق والدم النقي للعنصر اليهودي. . ولكن يا حبذا لو ذكرت لنا شيئا من هذه الأدلة التي تزعم من خلالها ان الاسلام لا يقبل التعددية فإذا كان بعض المسلمين قد غيروا بعض المعالم فإن دستور الاسلام وما ورد عن نبيه لا يزال نابضا حيا يشهد على التسامح والتعددية فيه. هذا الذي افهمه من التعددية ، وإلا هل لكم فهم آخر لها ؟

 
علّق أحمد حسين ، على الإسلام وقبول الآخر - للكاتب زينة محمد الجانودي : الإسلام لا يقبل التعددية و الأدلة كثيرة و إدعاء خلاف ذلك هو اختراع المسلمين لنسخة جديدة محسنة للإسلام و تفسير محسن للقرآن.

 
علّق محمد عبد الرضا ، على كربلاء ثورة الفقراء - للكاتب احمد ناهي البديري : عظم الله لكم الاجر ...احسنتم ستبقى كربلاء عاصمة الثورات بقيادة سيد الشهداء

 
علّق مصطفى الهادي ، على عزاء طويريج وسيمفونية الابتداع - للكاتب الشيخ ليث الكربلائي : شيخنا الجليل حياكم الله . مسيرة الامام الحسين عليه السلام مستمرة على الرغم من العراقيل التي مرت بها على طول الزمان ، فقد وصل الأمر إلى قطع الايدي والأرجل وفرض الضرائب الباهضة او القتل لا بل إلى ازالة القبر وحراثة مكانه ووووو ولكن المسيرة باقية ببقاء هذا الدين وليس ببقاء الاشخاص او العناوين . ومسيرة الامام الحسين عليه السلام تواكب زمانها وتستفيد من الوسائل الحديثة التي يوفرها كل زمن في تطويرها وتحديثها بما لا يخرجها عن اهدافها الشرعية ، فكل جيل يرى قضية الامام الحسين عليه السلام بمنظار جيله وزمنه ومن الطبيعي ان كل جيل يأتي فيه أيضا امثال هؤلاء من المعترضين والمشككين ولكن هيهات فقد أبت مشيئة الله إلا ان تستمر هذه الثورة قوية يافعة ما دام هناك ظلم في الأرض.

 
علّق حكمت العميدي ، على الدكتور عبد الهادي الحكيم بعد فاجعة عزاء طويريج يقدم عدة مقترحات مهمة تعرف عليها : لو ناديت حيا

 
علّق منير حجازي ، على مع المعترضين على موضوع ذبيح شاطئ الفرات - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : نعم حتى في الكتاب المقدس امر الله بعدم تقبل ذبائح الوثنيين رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 10: 28 ( إن قال لكم أحد: هذا مذبوح لوثن فلا تأكلوا). توضيح جدا جيد شكرا سيدة آشوري.

 
علّق منذر أحمد ، على الحسين في أحاديث الشباب.أقوى من كل المغريات. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : عن أبان الأحمر قال : قال الامام الصادق عليه السلام : يا أبان كيف ينكر الناس قول أمير المؤمنين عليه السلام لما قال : لو شئت لرفعت رجلي هذه فضربت بها صدر أبن ابي سفيان بالشام فنكسته عن سريره ، ولا ينكرون تناول آصف وصي سليمان عليه السلام عرش بلقيس وإتيانه سليمان به قبل ان يرتد إليه طرفه؟ أليس نبينا أفضل الأنبياء ووصيه أفضل الأوصياء ، أفلا جعلوه كوصي سليمان ..جكم الله بيننا وبين من جحد حقنا وأنكر فضلنا .. الإختصاص ص 212

 
علّق حكمت العميدي ، على التربية توضح ما نشر بخصوص تعينات بابل  : صار البيت لام طيرة وطارت بي فرد طيرة

 
علّق محمد ، على هل الأكراد من الجن ؟ اجابة مختصرة على سؤال. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : $$$محرر$$$

 
علّق Hiba razak ، على صحة الكرخ تصدر مجموعة من تعليمات ممارسة مهنة مساعد المختبر لغرض منح اجازة المهنة - للكاتب اعلام صحة الكرخ : تعليمات امتحان الاجازه.

الكتّاب :

صفحة الكاتب : غادة ملك
صفحة الكاتب :
  غادة ملك


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

كتابات متنوعة :



 وزيرة الصحة والبيئة تناقش تعزيز الخدمات الصحية في مناطق جنوب بغداد  : وزارة الصحة

 كربلاء المقدسة : شرطة النجدة تحرر طفلة مختطفة وتلقي القبض على سارق بالجرم المشهود  : وزارة الداخلية العراقية

 المرأة العراقية مابين آهات وأحزان  : محمد جواد الميالي

 العمل تجري زيارة ميدانية لمشروع مدينة بسماية السكني  : وزارة العمل والشؤون الاجتماعية

 تتلو الصبابة والحب منك براء  : سمر الجبوري

 الديموقراطية الملغومة  : جمعة عبد الله

  مسيرة العشق الحسيني تتحدى الطغاة وقطعان الضلالة والتكفير  : جعفر المهاجر

 شمول الحكم الشرعي لجميع وقائع الحياة   : مهند العماري

 حذار من سقوط النظام السوري  : هادي جلو مرعي

 مركز تراث كربلاء التابع للعتبة العباسية المقدسة يصدر عدد جديد من مجلة تراث كربلاء  : اعلام ديوان الوقف الشيعي

 كتلة الوفاء الوطني هي الكتلة الوحيدة التي فرضت على مرشحيها تقديم كشوفات مصالحهم المالية

 سياسيونا لايبيعون الورد .. ولكن ماذا عن الشعب؟!.  : د . زكي ظاهر العلي

 القبض على متهمين اثنين يقومان بالمتاجرة بالعملة المزورة في بابل

 وزير الثقافة "نحتاج إلى همة لبناء العراق كهمة العمل في المدينة الثقافية"  : احمد محمود شنان

 ديوان الشعر ( متى نأكل تفاحة آدم ) لمالكة العسال  : جمعة عبد الله

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net