صفحة الكاتب : د . صادق السامرائي

التقيؤ الوطني!!
د . صادق السامرائي
الأوطان تعيش في أعماق أبنائها , قبل أن يعيشوا فيها , إنها حالة نفسية فكرية وجدانية روحية موروثة , فلكي تكون منتميا للوطن لابد للوطن أن يكون فيك.
 
ولكي تعادي وطنك يجب أن تتقيأه أولا , وتفرغه من دنياك , وتستحضر الطاقات العاطفية والإنفعالية اللازمة لتعزيز طرده , وإدامة حالة الإستفراغ الوطني المطلوبة لتحويلك إلى عدو لوطنك  , وما فيك من الطاقات الفكرية والثقافية والروحية والإنسانية , وذلك بإقرانها بالوطن المُتَقيّأ.
 
فكيف يتقيأ الناس أوطانهم؟
 
هناك الكثير جدا من المقيَّئات الوطنية , التي يتم العمل بموجبها لتطهير الأعماق البشرية من أوطانها , والشائع منها أن تسقي الناس مادة مقيّئة وتكرر ذلك حتى تتطهر أعماقهم من الوطن , فيتحولون إلى كرة متدحرجة تركلها أقدام المصالح والتطلعات الإفتراسية في غاب الوعيد الحضاري.
 
وتقنيات تحقيق إنتزاع الوطن من البشر تكاد تكون متشابه بآلياتها وقوانينها وقواعدها , وخلاصتها أن تضخ الأعماق بأحداث إضطرابية عنيفة مُزعزعة لكل ما يمت للوطن والإنسان بصلة , مترافقة مع شحنات عاطفية شديدة جدا , ومُنفرة من الوطن وما يرتبط به , وبتكرار هذه الآلية يتحقق ترسيخ فعّال ومؤثر لطرد الوطن من دنيا الإنسان , فيترك الجَمل بما حَمل , ويمضي هائما في أرض تزداد ضيقا أمامه , لأنه لا يمكنه أن يحقق إحلالا وطنيا بداخله , فما فيه من موروثات كامنة تلسع أعماقه وتدمي دنياه الداخلية , فينزف روحه على سفوح الأيام.
 
وما يجري في العديد من المجتمعات لَهُوَ تطبيق شرس لآليات تطهير الأعماق البشرية من أوطانها , والإستحواذ الوحشي عليها , وإمتلاكها بالمطلق.
 
وتبدو الحالة وكأنها وسيلة تجارية مهينة , فالمُشتري يحاول أن يوهم البائع بأن بضاعته فاسدة , ولا تصلح للشراء والمنفعة بل ويبرز عيوبها ونواقصها , حتى يجعله يبيعها بأبخس الأثمان , وربما يرميها في الشارع , فيفوز هو بها.
 
ووفقا لهذا المنطق , يمكن تحويل الأوطان إلى أوعية للويلات والملمات والتداعيات والآثام المتوحشة الفتاكة , التي تحيل الأيام فيها إلى جحيمات مستعرة , ومواطن للخوف والرعب والهلاك , حتى ليخشى البشر من البقاء حتى في بيته , لأنه لا يدري متى ستزوره وحوش الغاب الشرسة , المُضَللة بالأوهام والتوجهات الدموية , وعندها يكون الوطن مصدرا للمشاعر السلبية والتداعيات السيئة , التي تمنع جميع الخيارات البقائية وتدفع إلى الرحيل والهجرة.
 
ومن الواضح أن أبناء المنطقة العربية يرزخون تحت ضغط هذه الآليات , التي تريدهم أن يَسْتفرغوا أوطانهم , وتصغيرها عندهم , بل وتحويلها إلى عدوة لهم , فيأخذون بمقاتلتها , وتدمير ما فيها , وهم يَستجمعون الأسباب والمسوغات التي تديم سلوكهم العدواني ضدها. 
 
ولا ننسى دور الإعلام الفعّال في تنمية قدرات إقتلاع الأوطان من أعماق مواطنيها , وحفر الخنادق العميقة ما بين الوطن وأهله.
 
ولا بد من الإنتباه للمُقيّئات الوطنية المدسوسة في الطعام والشراب , والتي تتسرب إلى الناس عِبر جميع حواسهم , ووسائل إتصالهم وتواصلهم. 
 
وعندما نتساءل عن الحل , يكون الجواب واضحا , ومعروفا , وهو الإعتصام بالوطن , والإبتعاد عن كل ما هو دونه من التوصيفات والمسميات , لأنها الوسيلة الكبرى لصناعة جميع أنواع المُقيّئات.
 
فالوطن لا يتقيأ أبناءه ولكن الأبناء يتقيؤن وطنهم , أو يُرغَمون على ذلك لتهاونهم بإعلاء شأن وطنهم , وإندساس مفترسيهم بينهم.
 
وعندما يتحول الوطن إلى مصدر للآهات والأوجاع فأنه يخسر ويخسر أهله كافة.
 
فهل سيربح الوطن وأهله أم سيعجز الناس عن إيقاف نواعير الثبور؟!!

  

د . صادق السامرائي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2014/09/02



كتابة تعليق لموضوع : التقيؤ الوطني!!
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق دسعد الحداد ، على علي الصفار الكربلائي يؤرخ لفتوى المرجعية بقصيدة ( فتوى العطاء ) - للكاتب علي الصفار الكربلائي : بوركت ... ووفقك الله اخي العزيز استاذ علي الصفار

 
علّق الحزم ، على الفتنة التي أشعل فتيل آل سعود لا تخمد! - للكاتب سيد صباح بهباني : يا مسلم يا مؤمن هيا نلعن قرناء الشيطان آل سعود. اللهم يا رافع السماء بلا عمد، مثبت الارض بلا وتد، يا من خلقت السموات والأرض في ستة ايام ثم استويت على العرش، يا من لا يعجزه شئ في الارض ولا في السماء، يا من اذا أراد شيئا قال له كن فيكون، اللهم دمر ال سعود، فهم قوم سوء اشرار فجار، اللهم اهلكهم بالطاغية، اللهم وأرسل عليهم ريح صرصر عاتية ولا تجعل لهم من باقية، اللهم اغرقهم كما اغرقت فرعون، واخسف بهم كما خسفت بقارون، اللهم اسلك بهم في قعر وادي سقر، ولا تبق منهم ولا تذر، اللهم لقد عاثوا فسادا في ارضك فحق عقابك. اللهم العن آل سعود، اللهم العن الصعلوك سلمان بن عبد العزيز، اللهم العن السفيه محمد ابن سلمان، اللهم العن كل ابناء سلمان. اللهم العن آل سعود والعن كل من والى آل سعود.

 
علّق حفيظ ، على أثر الذكاء التنافسي وإدارة المعرفة في تحقيق الميزة التنافسية المستدامة مدخل تكاملي شركة زين للاتصالات – العراق انموذجا ( 1 ) - للكاتب د . رزاق مخور الغراوي : كيف احصل نسخة من هذا البحث لاغراض بحثية و شكرا

 
علّق سحر الشامي ، على حوار المسرح مع الكاتبة العراقية سحر الشامي - للكاتب عدي المختار : الف شكر استاذ عدي على هذا النشر، سلمت ودمت

 
علّق د.ضرغام خالد ابو كلل ، على هذه هي المعرفة - للكاتب د . أحمد العلياوي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحية لكم اخوتي الكرام ... القصة جميلة وفيها مضامين جميلة...حفظ الله السيد علي الاسبزواري ...ووفق الله تعالى اهل الخير

 
علّق خالد ، على من أخلاق الرسول الكريم (ص).. وقصة سفانة بنت حاتم الطائي - للكاتب انعام عبد الهادي البابي : قال عنه الالباني حديث موضوع

 
علّق مؤسسة الشموس الإعلامية ، على اثار الإجراءات الاحترازية على السياحة الدينية في سوريا - للكاتب قاسم خشان الركابي : أسرة الموقع الكرام نهديكم أطيب تحياتنا نتشرف ان نقدم الشكر والتقدير لأسرة التحرير لاختيار الشخصيات الوطنية والمهنية وان يتم تبديل الصور للشخصية لكل الكتابونحن نتطلع إلى تعاون مستقبلي مثمر وان إطار هذا التعاون يتطلب قبول مقترنا على وضع الكتاب ب ثلاث درجات الاولى من هم الرواد والمتميزين دوليا وإقليمية ثانية أ والثانية ب

 
علّق احمد لطيف الزيادي ، على وباء كورونا والانتظار   - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : جزاك الله خير الجزاء شيخنا الكريم،لقد كان هذا الوباءتمحيص آخر كشف لنا فئة جديدة من أتباع الاهواء الذين خالفو نأئب أمامهم الحجة في الالتزام بالتوجيهات الطبية لاهل الاختصاص وأخذا الامر بجدية وان لايكونو عوامل لنشر المرض كونه من الاسباب الطبيعية.

 
علّق سيد صادق الغالبي ، على وباء كورونا والانتظار   - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الجليل جزاكم الله خيرا على هذه المقالة التي نشرها موقع كتابات في الميزان ما فهمناه منكم أن هذا الوباء هو مقدمة لظهور الأمام صاحب الزمان عجل الله فرجه هل فهمنا لكلامكم في محله أم يوجد رأي لكم بذلك وهل نحن نقترب من زمن الظهور المقدس. أردنا نشر الأجابة للفائدة. أجاب سماحة الشيخ عطشان الماجدي( حفظه الله ) وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الجواب ان شاء ألله تعالى : .نحن لا نقول مقدمة للظهور بل :- 1. التأكيد على المؤمن المنتظِر ان يتعلم من التجارب وان يحيط علما بما يدور من حوله كي يكون على أهبة الإستعداد القصوى متى ما حصل طاريء أو طلب منه تأدية لواجب... 2. ومنها هذا الوباء الخطير إذ يمكن للسفياني ومن وراه ان يستعمله هو او غيره ضد قواعد الامام المهدي عجل ألله تعالى فرجه الشريف . 3. يقطعون شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها . نتعلم كيفية التعامل مع الأحداث المشابهة من خلال فتوى المرجع الأعلى الإمام السيستاني مد ظله . 4. حينما حصل الوباء ومنع السفر قدحت بذهننا ان ال(313) يمكن أن يجتمعوا هكذا...

 
علّق الفريق المدني لرعاية الصحفيين ، على اثار الإجراءات الاحترازية على السياحة الدينية في سوريا - للكاتب قاسم خشان الركابي : تسجيل الجامع الأموي والمرقد الشريف على لائحة التراث الكاتب سجل موقفا عربي كبير لغرض تشكيل لجنة كبيره لغرض الاستعداد لاتخاذ الإجراءات التي توثق على لائحة التراث وسجل موقفا كبيرا اخر حيث دعى الى تشكيل فريق متابعة للعاملين في سمات الدخول في ظل الظروف

 
علّق سعيد العذاري ، على رسول الله يعفو عن الجاسوس (!) - للكاتب محمد تقي الذاكري : احسنت التفصيل والتحليل ان العفو عنه جاء بعد ان ثبت ان اخباره لم تصل ولم تترتب عليها اثار سلبية

 
علّق عمادالسراي ، على معمل تصنيع اسطوانات الغاز في الكوت يقوم بإجراءات وقائية ضد فيروس كورونا - للكاتب احمد كامل عوده : احسنتم

 
علّق محمود حبيب ، على حوار ساخن عن الإلحاد - للكاتب السيد هادي المدرسي : تنزيل الكتاب

 
علّق ليلى أحمد الهوني ، على لو قمتي بذلك يا صين! - للكاتب ليلى أحمد الهوني : اخي الكريم والمحترمالسيد سعيد الشكر كل الشكر لشخصكم الكريم دمت بكل خير

 
علّق سعيد العذاري ، على لو قمتي بذلك يا صين! - للكاتب ليلى أحمد الهوني : الاستاذة ليلى الهوني تحياتي احسنت التوضيح والتفصيل مشكورة .

الكتّاب :

صفحة الكاتب : رضا الموسوي
صفحة الكاتب :
  رضا الموسوي


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

كتابات متنوعة :



 آداب التهاني  : معمر حبار

 كفى يا سعدي يوسف!!  : حاتم عباس بصيلة

 نفط كوردستان بين الحقيقة والتصريحات  : كفاح محمود كريم

 البرلمان يؤجل استجواب الجميلي ويقر 46 مادة بمشروع قانون انتخابات مجالس المحافظات

 ديمقراطية متعددة الوجوه  : احمد شرار

 عاصفة حزن  : حسين علي الشامي

 العدد الجديد من مجلة (الاصلاح) الثقافية  : شاكر فريد حسن

 الإسلام دين الإنسانية  : مفيد السعيدي

 ماتيسر من الوجع  : غني العمار

 عقوباتكم لا تتناسب مع جريمتنا  : فؤاد المازني

 عملية جراحية معقدة في مدينة الطب لإنقاذ حياة شاب مصاب بطلق ناري في العين  : اعلام دائرة مدينة الطب

 شعب الحسين ع  : علاء الحجار

 كلفة كرسي الحكم؟  : احمد شرار

 الجنوب السوري يشتعل من جديد ...لماذا الآن وماذا عن موازين القوى !؟  : هشام الهبيشان

 المرأة العراقية بين مطرقة التطرف الديني وسندان الأرهاب  : رفعت نافع الكناني

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على [email protected]

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net