صفحة الكاتب : حميد آل جويبر

وعود "الهية" اختلقناها
حميد آل جويبر

  "عثمان" السوداني كان يموت يوميا الف ميتة شنيعة حزنا على ما وصلت اليه اوضاعنا التعيسة ، عربا ومسلمين . وفي كل يوم يكشف لي عن مخطط امبريالي لاستهدافنا خوفا من نهضتنا التي ستقضي على نهضة الغرب الكافر . كان ذلك قبل نحو خمس سنوات ، حين كانت الاوضاع ذهبية اذا ما قورنت ببؤسنا اليوم . لكنه كان متمسكا بامل يتكىء فيه الى وعد يزعم انه الهي بتحسن اوضاعنا بعد اجتياز مرحلة الاختبار. وعندما كنت ابتسم في وجهه ساخرا واساله مستهزئا عما ستؤول اليه الاوضاع اذا فشلنا في الاختبار ، يحيل سخريتي واستهزائي الى ضعف في الايمان . مضى كل الى غايته متمسكا بما يعتقد ، وهاهي الامور تسير الى الحضيض يوما بعد يوم ومرحلة الاختبار في اوجها ولا احد يدري ايان تضع اوزارها . لست هنا بوارد التباهي بنبوءة فلو كنت اعلم الغيب لاستكثرت لنفسي من الخير ، غير انني لا اطيق ان اسمع مؤمنا يتحدث لي عن ان الله سيجعل في القادم من الايام خيرا لان "بعد العسر يسرا" . مشكلتنا تكمن في فهم خاطىء زُرع في صدورنا منذ الصغر وقد ساهم البيت والبيئة والصديق في ترسيخه ، مفاده اننا دائما مقبلون على خير ، فاذا طلبت من احدهم ان يحدد لك امدا لتحقق هذا الخير الذي سينهمر ، قال لك بنبرة الواعظ ان علمه عند ربي واغلق على فمك المتسائل بمزلاج . وهنا مكمن الانفصال والانفصام ايضا ، بين حاضر بئيس وأمل كاذب في تحقق الخير. مالم يفرق المرء بين علم الله ومشيئته فانه سيعيش صراعا عقائديا الى الابد عاشه اخرون فانزلق بعضهم الى الكفر بعد ايمان . لا اتحدث هنا عن عوام الناس ، انما عن من امضى عشر سنوات وهو يبحث في كتب الحوزة العلمية بقم والنجف عن ضالته ، فانتهى به الحال مستجديا كاسا من الشراب المذهب للعقل ، في هروب صريح من معتقدات الامس . لا نختلف على ان الله لو شاء ان يحول الارض الى جنة عدن لفعل حتى من دون الحاجة الى حرفي الكاف والنون . فهي خرافة اخرى صنعناها لتقريب المعنى الى اذهاننا وتصوير سرعة تحقق المشيئة الالهية . الزمن الذي بين ايدينا لا معنى له عند رب العالمين ، لذا فان القول بزمن محصور بين الكاف النون هو كذبة اختلقناها مستندين الى " إنما أمره إذا أراد شيئا  أن يقول له كن فيكون " وهذا الخطأ الخطيئة يتحمله المفسرون . فاذا تحققت المشيئة الالهية واصبحنا في جنان عدن ونحن على الارض ، فما الفرق بيننا واي حيوان في غابات الامازون العذراء الساحرة الجمال ؟ وما قيمة العقل الذي وهبه الله للانسان ليعمر به الارض ويكون خليفته فيها عن جدارة ؟ المتعسفون عندما تستشهد لهم بالاية الكريمة " ان الله لا يغيـر ما بقـوم حتى يغيـروا ما بأنفسـهم " يلوون الف عنق للحقيقة ويتعسفون بابشع الطرق واكثرها التواءً ليثبتوا لك اننا امة مرحومة وموعودة بكل الخير في المستقبل حتى لو كنا نوصل الليل بالنهار في مقهى عزاوي ... اما متى سيتحقق هذا المستقبل فلا احد يرد عليك حتى ولو بشكل تقريبي لانه لا يستند الى حقيقة دينية أوعلمية . كل ما في الامر ان الانسان بطبيعته ميال الى الامن والعافية فان عجز عن تحقيق ذلك بيده ، أوكل المهمة الى رب العزة فهو قادر على كل شيء !!!  حتى اذا تجرات وكشفت عن رايك بان الله لا يسلبك امنا ولا يجلب لك امنا الا بمقدار عملك وايمانك ، سلقوك بالسنة حداد واتهموك بالتجديف . لسنا اقرب الى الله من رسوله الكريم محمد "ص" عندما ضيق عليه المشركون فلاذ بغار بعيد مشيا على الاقدام ، فيما كان الله يسمع ويرى ما يجري لنبيه من وعثاء السفر، وقد كافأه على مجهوده وايمانه به ، بان وفر له اسباب معجزة طبيعية تلمس باليد وترى بالعين المجردة كبيت العنكبوت والحمامة . ان كنت تعول على الله ان يوفر لك ما تصبو اليه مهدية على اسلامك ، مستندا الى وعد مزعوم ، فهذا من عندك وليس من القران . الخالق جل وعلا اراد ويريد الخير لنا ، والمسلمون جزء من منظومة كبيرة ليست لهم ميزة فيها على الاخرين ، فالخلق كلهم خلق الله ونحن نعيش على هذه الارض في مضمار يفوز بقصب السبق فيه من عمل صالحا وليس من اطمأن الى وعود هي أوهن من بيت العنكبوت . والله يريد خيرا بالعباد لكنه لا يفرضه عليهم قسرا بعد ان وفر لهم كل اسباب الخير وابرزها العقل ، ذلك المخلوق المغيب بشكل عجيب . 

 
IRAQZAHRA@YAHOO.COM

  

حميد آل جويبر
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2015/09/14



كتابة تعليق لموضوع :