صفحة الكاتب : حوا بطواش

الزوج المثالي
حوا بطواش

 «شو وينك؟؟»
«حبيبتي بعدني بالمستشفى. ما بقدر اليوم.»
«حبيبي تعال، بترجاك. إلنا شهر ما شفنا بعض.»
«ظروفي قاهرة حبيبتي.»
«شوف، إذا ما إجيت أنا بدي إجي.»
«لوين؟؟»
«ع المستشفى.»
«حبيبتي بلا جنان إسا. أنا مش ناقص.»
«لكان تعال.»
«طيب، خلص. نص ساعة وبكون عندك.»
 لم يستطِع نسيم ذلك الصباح الخريفي، البارد، أن يبعث في نفسي شيئا من البهجة، عندما خرجتُ مسرعا من المستشفى، نحو موقف السيارات، وتأخّري يهدّد كياني. كانت صورة سهير ما تزال ماثلة أمام عينيّ، لا تختفي، وصوتها يرنّ في أذني. ركبتُ سيارتي وانطلقتُ بها. أحسستُ بألمٍ واخزٍ في صدري، كأن سكينا تشقّ قلبي إلى نصفين.
تردّدتْ صورة سهير أمام عينيّ طوال الطريق وهي راقدة في سريرها، مغمضة العينين، هدوءٌ عجيبٌ يغشى وجهها، ويلفّها السكون، كأنّ كل آلامها قد اختفتْ تماما إلى غير رجعة. سهير الحبيبة!  وجهها ما زال يحتفظ بذلك الدفء الذي لطالما أسر قلبي منذ أحببتُها، رغم شحوب وجهها وذبول الجفنين. ذلك ما خطر ببالي حين جلستُ هناك أمامها، في المقعد الذي بجانب سريرها، أمرّ بعينيّ على كل جزء من وجهها المحبّب، تساورني الأفكار وتضطرب بداخلي المشاعر.
كم كانت جميلة، خلّابة، يوم التقينا أول مرة، بعينيها الزرقاوين كالسّماء الصافية، ووجهها الوضّاء ذي الملامح الوديعة، وشعرها الطويل المنساب على كتفيها بتموجاته الناعمة، وابتسامتها العذبة، الوقورة، الدافئة. كانت كالملاك الطاهر، امتزجتْ في ملامحها الرقة والدفء والحنان. سحرٌ نادرُ الوجود كان يشعّ من نفسها، ارتعش له قلبي وضخّ دبيب النبض في عروقي. كانت حبي الأول والأخير، تزوّجنا وأنجبنا ثلاثة أولاد وعِشنا معا أياما جميلة ملؤها السعادة، تسودها المودة والتفاهم.
كانت سهير زوجة وأما مثالية على طول الأيام. تعلّمتْ واشتغلتْ وأغدقتْ علينا من الدفء واللهفة والاهتمام. بنينا معا بيتا جميلا في القرية، عشنا فيه بسعادة مع أولادنا. ابننا البكر تزوج العام الماضي. كم فرحنا به! جهّزنا له الطابق السفلي من البيت، وزوّدناه بكل المستلزمات.  زوجته، هالة، حامل الآن، ننتظر مولودها البكر في أية لحظة.
الكل يحسدني. رائد يذكرني كل يوم كم أنا محظوظ. هو لم يتزوج في حياته. نحن الآن على مشارف الخمسين وهو ما يزال دون زواج. نحن صديقان منذ أيام الطفولة. نعرف بعضنا من أيام المدرسة. درسنا معا في صف واحد. الصداقات بين الرجال نادرا ما تدوم، هكذا يقولون، ولكن رائد وأنا حافظنا على صداقتنا رغم الظروف والفروق. لم أسأله يوما لماذا لا يتزوّج. الكل يسأله أمامي وهو لا يعطي لأحد إجابة صريحة طبعا، ولكن أنا صديقه، أعرف السبب دون أن يقول، وأعرف كيف يفكر. ربما لو وجد في شبابه امرأة مثل سهير كان قد تزوج. ربما. لا أدري، ولكن ذلك لا يعني شيئا. هذا اختياره. اختياره؟ لا، إنما هو القدر.
مثل هذه الأفكار كانت ستضحكه. «في الحياة لا يوجد قدر،» كان سيقول، «نحن من نختار حياتنا، وليس القدر.»
رائد يؤمن أن الأشياء تحدث بسبب أفعالنا وليس بسبب القدر. لا يؤمن بالغيبيات. ربما لهذا لم يتزوج. لأنه مختلف، مختلف عن الجميع منذ الصغر. ولكن ذلك لا يهمّه. لا يهمّه أنه مختلف. ثقته بنفسه كبيرة، يفكّر بشكل مختلف، محى كل ما تعلّمناه في طفولتنا وانطلق في فلسفة خاصة به. فكيف يتزوج؟؟
قلت له مرارا: «لو كنتَ أقل ذكاءً، فقط قليلا، ربما كنتَ تتزوج... مثل الجميع.»
فتنطلق ضحكته المستهترة، الهازئة، وأعلم أنه عميقا بداخله يحسّ بالإشفاق... وربما الاحتقار أيضا. إنه يعرف أنه على حق، يعرف ذلك تماما، ورغم أنه لا يقولها، إلا أنني أرى ذلك في عينيه... في تلك اللمعة التي في عينيه.
الزوج المثالي، هكذا يناديني. نعم أنا الزوج المثالي والابن المثالي والأب المثالي... هكذا كنتُ دائما. لم يكُن لزاما عليّ إرهاق نفسي في التفكير حتى أكون مثاليا. هكذا ولدتُ فكنتُ فأصبحتُ بطريقة شبه طبيعية وتلقائية. وربما ذلك كان لأنني كنتُ محظوظا بسهير. ذلك ما كنتُ أقوله لنفسي طوال حياتي.
ولكن سهير... مع السنين... تغيّرتْ...كبُرتْ... لم تعُد لديها قوة... لم تعُد مهتمّة. هكذا... ببساطة.
فقط أنا لم أتغيّر. لم أستطِع أن أتغيّر... كأنني الوحيد الذي لا يكبر؟؟
حاولتُ. حاولتُ مرارا، ولكن... لا أدري. أحيانا أفكّر: لماذا؟؟ لماذا تغيّرتْ هي وأنا لا؟؟ ما الحكمة في ذلك؟ أهو امتحانٌ من ربّ العالمين؟؟ أهو سوء حظ؟ أم أنه القدر؟
القدر مرة أخرى. كم كان سيضحك رائد من هذه الفكرة. ولكن، طبعا، لم أخبره بالأمر. على الأقل ليس في بادئ الأمر. كنتُ أخجل، أخجل كثيرا... ويؤنّبني ضميري. ولكن ماذا كان بإمكاني أن أفعل؟؟
سألتُ نفسي ذلك كثيرا... ولا جواب.
هناك أسئلة كثيرة لا أجوبة لها، تبقى طوال حياتنا مُبهمة، معلّقة... بلا إجابة، وهذا، بحدّ ذاته، يكشفُ كم تغيّرتُ. كنتُ أظنّ سابقا أنني أملك كل الإجابات على كل الأسئلة. لم أكن أرى أية تعقيدات. كل شيء كان صافيا وواضحا في ذهني. كيف تحوّلتُ، فجأة، كل هذا التحوّل؟؟
ثم... صُدمنا بمرض سهير.
سهير، أيتها الجميلة قلبا وقالبا. ما زلتِ جميلة إلى اليوم. نعم، ما زلتِ جميلة جدا بنظري. كم أحبك. ما زلتُ أحبك رغم كل شيء. هل تصدّقين؟؟
لا أدري هل أوجّه هذا السؤال لك أم لنفسي.
آه، يا سهير. سامحيني، يا حبيبتي. لو أنكِ لم تتغيّري... ما كنتُ قد تغيّرت. كنتُ سأبقى الزوج المثالي.
«ايمتى وصلت؟»  صوتها باغتني وأيقظني من أفكاري.
«قبل شوي حبيبتي.» قلت.
أفرجت شفتاها عن ابتسامة ذابلة، مفعمة بعذوبة ممزوجة بالأسى. اقتربتُ منها وأمسكتُ يدها. كانت باردة.
«حاسة بوجع شي؟» سألتها.
«لا...إسا... ما في... وجع ...» قالتْ بصوتٍ ضعيفٍ، ثم بدَت عليها المشقة وهي تضيفُ: «أنا...»
«شو حبيبتي؟؟»
تقلّصتْ ملامحها.  «أنا اليوم... أحسن. حاسّة... إني... أحسن.» تمتمتْ.
«الحمد لله حبيبتي. هادا خبر كتير حلو.»
ثم وجّهت إليّ نظرة عميقة، محمّلة بدفئها الأنثوي النادر، وقالت بصوتٍ مخنوق بالكاد يُسمع: «أنا... كتير... مبسوطة... حامد.»
ضغطتُ على يدها بحرارة. «وأنا.»
انطوتِ المسافات أمامي كانطواء السنين، حتى توقّفتُ على الإشارة الحمراء. لم تكُن بي رغبةٌ لرؤية أحد ولا محادثة أحد. أحسستُ بالوحدة كما لم أحسّ في حياتي، وحدة قاتلة، رهيبة. تغيرت الإشارة إلى صفراء ثم إلى الخضراء. انطلقتُ مرة أخرى. كيف أترك سهير وأنطلق إلى تلك المرأة؟؟ يا لسخرية القدر. كيف سمحتُ لذلك أن يحدث، أنا الزوج المثالي الذي لم تزغ عيناه يوما طوال خمسة وعشرين عاما من الزواج؟
كنتُ أستسخفُ النساء، أستصغرهن ولا أبالي بحركاتهن، وقلبي تحتله حبيبتي الأبدية، سهير. إلى ذلك اليوم الذي رأيتُ فيه أحلام في بيت رائد.
لم يكُن ذلك الأمر غير مألوف لدى رائد، ولكنه شرح لي بعد ذهابها أنها أتَت لتستشيره في أمر ما، وذلك، ما لم يكُن مألوفا. تعجّبتُ لِم رأى ضرورة لتبرير وجودها. هل أحسّ بشيءٍ غير طبيعي في كلامي معها أو نظراتي إليها في ذلك اللقاء؟ كأنه أراد أن لا أسيء الظنّ بها.
 والحقيقة، أنني كنتُ مأخوذا بها من أول نظرة. هناك أسرارٌ لا نعرف تفسيرها في الحياة، فأنا لا أدري ما سرّ ذلك الانجذاب المفاجئ الذي سيطر على حواسي حين جلستُ أمامها في ذلك اليوم مرتبكا ومشدوها.  أهو ذلك البريق الأخّاذ اللامع في عينيها البنيتين المغريتين؟ أم فتحة شفتيها الشهيّتين الملونتين بحمرة قانية؟ أم هو قميصُها الأحمر ذي الفتحة العميقة التي كشفت انضمامة نهديها؟!
منذ متى كنتُ مأخوذا بنظرات النساء، شفاههن أو نهودهن؟؟
كل شيء فيها كان يصطرخ بي، يعصف بدواخلي ويجرفني في بحر أنوثتها، ورائد لم يكن غبيا، ورغم أنني لم أخبره بوضوح، إلا أنه كان مدركا للتغيّر الحاصل في علاقتي مع سهير ويدرك كم كنتُ أعاني. الرجال يفهمون هذه الأمور حتى لو لم ينطقوا بها كلاما. هل كان مشفقا عليّ؟؟ أحيانا أحسّ أنه حقا كان مشفقا.
أطلقتُ زفرة طويلة. حاولتُ أن أطرد الأفكار من رأسي وأركّز في الطريق، ولكن كلمات سهير تردّدت في ذهني: «أنا كتير مبسوطة.» ماذا قصدتْ بكلامها؟ ولماذا تكون مبسوطة والمرض يهتصر جسمها والآلام لا يوقفها شيءٌ سوى تلك الحبوب المخدّرة التي تغفيها وتبعدها عن كل ما حولها، إلى أن تأخذها غفوتُها الأبدية. ثم، فجأة، خالجني الشعور أن فقدانها قد يمزّق شرايين الفرح في قلبي إلى الأبد.
أركنتُ السيارة بجانب الرّصيف المحاذي للبناية. السّماء كانت رمادية، غيومٌ سوداء تغشاها، والريحُ الغربية اشتدّت منذرة بمطرٍ مقترب.
خطوتُ مسرعا نحو مدخل البناية واعتليتُ بحذر سلم الدرجات. توقفتُ عند الطابق الثالث وتأمّلتُ باب الشقة رقم 6. انتابتني رغبةٌ جامحة لرؤية رائد. هل سيكون في شقّته الآن؟ البارحة قال لي حين اتّصل لسؤالي عن سهير إنه متوعّك الصحة ولن يذهب إلى العمل. ربما من المستحسن أن أطمئنّ عليه.
أطمئن؟؟
رفعتُ يدي وكنتُ على وشك طرق الباب، ولكن، لم أفعل. أكملتُ صعودي إلى الطابق الرابع بخطى سريعة، متوتّرة. وجدتُها على عتبة باب شقتها.... تنتظرني.
«تأخّرت كتير.» قالت والخيبة بادية على وجهها. دخلتُ دون النظر إلى وجهها.
«قلت لك كنت في المستشفى.»
«كيف حالها إسا؟»
«مش منيح.»
«حبيبي، من شهر حالها مش منيح وانت ما تركتها وما تغيّر شي. أكيد إنت هلكان.»
«سهير هي زوجتي، حبيبتي، أم اولادي، وهي مريضة كتير. ما بقدر أتركها. ما بدي أتركها.»
«وأنا؟ أنا مش حبيبتك كمان؟؟»
«سهير محتاجتني إسا أكتر من أي وقت.»
«حبيبي، وأنا محتاجتك، وانت محتاجني. هي مش نائمة إسا؟»
لم أرد.
خطوتُ نحو النوافذ الزجاجية الكبيرة التي في غرفة الضيوف ووقفتُ أنظر نحو الخارج. لم أرَ شيئا سوى وجه سهير.
اقتربتْ مني ووقفتْ قبالتي. «ما اشتقت لي؟»
«أحلام! بكفي!»
فجأة، أحسستُ نحوها بنفور كما لم أفعل من قبل. أحسستُ كأن النار المشتعلة في صدري ستنهشني وتنهشها معي.
«ما لك؟»
«لازم أروح.»
«تروح؟؟»
«لازم أرجع.»
«لوين؟»
«لعند سهير.»
«... سهير...؟؟»
«أنا آسف...»
«على شو؟؟»
«غلطت إني جيت لهون.»
«فكرتك جيت برغبتك.»
«لا. ما كانت رغبتي.»
«لكان شو؟»
«رغبتي أن أرجع لعند سهير.»
«... لكان روح.»
عندما خرجتُ من البناية، كانت قطرات المطر قد بدأت تتساقط من السّماء، تنهمر على رأسي انهمارا وصوتُ الرّعد يقصف الأرض. أسرعتُ إلى سيارتي وارتميتُ في داخلها، وقبل أن أشغّل السيارة، فجأة، رنّ هاتفي. أخذتُه من جيبي بسرعة.
«آلو؟»
«آلو؟»
«نعم... آلو؟؟»
«سيد حامد؟»
«نعم.»
«عم تسمعني؟»
«مين؟»
«أنا من المستشفى. إنت عم  تسمعني؟»
«إيه. شو في؟»
«اتّصلت مشان سهير.»
«ما لها سهير؟!»
«أنت هون بالمستشفى؟»
«إسا راجع. شو ما لها سهير؟»
«لكان ارجع بسرعة.»
«احكي شو ما لها سهير؟؟»
«... سهير... ماتت.»

كفر كما/فلسطين
11.11.15


 

  

حوا بطواش
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2015/11/29



كتابة تعليق لموضوع :