صفحة الكاتب : حسن العاصي

الجنة تفتح أبوابها متأخراً
حسن العاصي

كلما شاخ العالم ، ينأى في الزمن ، وكلما غاب الماضي في الزمن بدا فقده فادحا ، وكلما بدا الفقد فادحا كان الزاهد يحفظ في قلبه ذكراه الغامضة بلا عزاء ، فيصبح الحنين أشد وقعا ويتسع ليصبح القلق أثقل ، وكلما أثقل القلق في الروح يكظم الحلق وترتقي مرونة الصوت ، هو الفجر الأول والشمس الأولى .

إن التجربة الأكثر أذية التي عرفتها البشرية ليست الشر ولا المال ولا الإبادة ، ولا السلطة وكل الاضطرابات التي تسببها ، والنشوات التي تجلبها ، ولا التسامي وكل المشاعر الوهمية التي يوقظها ، بل الحرب .

الحروب التي دمرت الوجه البشري ، ولم تبق منه إلا أشلاء باعثة للهذيان ، تيه مدهش ، وحيد الوجه ، أخرق عاصف ورهيب .

لقد أسفرت الحروب عن مئات ملايين القتلى ومئات الآلاف من الجرحى وعددا لايحصى من المفقودين والأسرى ، وعشرات المليارات المهدورة ، وحالات مأساوية لاتخطر ببال أحد ، لكن الأخطر من ذلك هو الأثر النفسي الذي تحدثه ويجعل كثيرا من القيم تساوي صفرا ، طالما أن قيمة الحياة نفسها مهددة في الصميم .

هذه هي رسالة مسرحية الجنة تفتح أبوابها متأخرة ، التي قدمتها فرقة سومرعلى أحد مسارح كوبنهاغن ، وهي مسرحية من تأليف المبدع العراقي فلاح شاكر وإخراج العراقي محسن العلي، وكانت المسرحية قد قدمت في أوائل الألفية الثالثة في تونس وبغداد ،وأعادت فرقة عراقية مغتربة عرض المسرحية على مدار ساعة ونصف تألق الفنانان حيدر وشهلة وغاصوا في أعماقنا وأوغلوا في ملامسة حنايا الروح لدي كل من حضر العرض ، عبر فانتازيا حوارية دارت بين الزوج العائد بعد عشرين عاماُ قضاها في الأسر عقب انتهاء الحرب ، وبين الزوجة التي ظلت تنتظر عودته ، وتحاور عالما منشغل بالقتل والحروب والاعتقال .

المفاجأة أن الزوجة لم تتعرف على الزوج العائد بعد هذه السنوات التي قضاها وراء القضبان ، كان اللقاء بينهما ممتلىئ بالإنكسارات الداخلية ، في لحظة الهشاشة الثابتة للوعة فرد محكوم بحرية غالية الثمن ، صوته صوت الإنسان الضاحك ، الحر ، الصعلوك الملكي في الزمن البائس ، زمن تقارير أجهزة الأمن وأحذية البوليس ومعسكرات التعذيب وخنق عفوية الفرد ، عائد يمشي في حقل من الألغام ومع ذلك يريد أن يرقص ، أن يسير مغمض العينان إلى حبيبته ، أو إلى وردة بعينها يهديها إلى من يحب .

مازالت الزوجة تتنكر لهذا العائد الذي أصبح الماضي بالنسبة له طفولة منسية ومهملة ، ولم يعد قادرا على مواجهة ليله الفظ .

هو محتشد بالخوف والضياع والرغبة والاحتمالات ، وهي تقف بمنتصف المسافة بين الماضي الذي لم يمض تماما ، وبين المستقبل الذي لم يقبل بعد .

الزوج يحاول إستنبات زهرة لنفسه من ذلك الخراب ، يسقيها بالبراءة وقليلا من التمرد والأمل ، والزوجة تصر على التنكر له وتعتبر قدومه صدفة ، بل موتا لاقيمة له ، كما لاقيمة أو معنى للحب وللذكريات التي يحاول إيقاظها ، في ظل ظروف تحرمنا فرص الحياة نفسها .

تتصاعد هذه الفانتازيا بين الزوجان الغريبان ، غربة الوطن الضائع ، والغربة القابعة في أعماقنا داخل الوطن وخارجه رسخت الإحساس عند العائد باللاجدوى ، طالما أن الحياة عينها كانت يمكن أن تنتهي بمصادفة عبثية .

النهاية المباغتة للمسرحية ، حيث ينتهي العرض في لحظة الذروة ، دون أن نعتبرها لحظة إنفراج ، هي نهاية لاتعني توقف بقدر ماهي بداية لتكرار الأحداث داخل الزمن في مكان مختلف ، فالتوقف هنا استمرار لا إنتفاء ، وأمام هذه النهاية يجد المتفرج نفسه كجزء من العرض إزاء فجوة معرفية داخل النص ، يقوم بتجاوزها بوسائله الذاتية من دون تلقين خارجي ، وحين يتحقق ذلك يكون المشاهد توصل إلى حالة مستبصرة من الرؤية الذاتية يمكن أن نطلق عليها الوعي .

هذا التواصل والإمتداد يمثل نوعا من التحذير من شهوة الهدم والظلام والقتل والإعتقال وسفك الدماء التي يطلقها غياب الوعي الجمعي ويزيدها استعارا ويسبغ الشرعية على الأخطاء القاتلة التي لايدفع ثمنها إلا جموع البشر عبر التاريخ ، إنها أممية القهر والظلم والإستبداد .

إن هذه المسرحية في جوهرها نشيد للحرية ، فإذا كان تجاوز الموت في الحرب انتصارا رمزيا ، فإن موضوع الحرية بمعناها الواسع المتعدد هو المحور الرئيسي للعرض ، إنها لوحة ذات عمق إنساني بالغ ، تميزت بقراءة واقع العلاقات الإنسانية المتعددة بلغة مشوقة بعيدا عن الشعارات والأيديولوجيات ، وأهم مافيها قدرتها على جذب انتباه المتفرج حتى اللحظة الأخيرة . 

إنها رسالة مفعمة بالإنسانية تجعل منها عملا جديرا بالثناء ، ويظل السؤال المهم .. هل سيجد العائد وطنه الضائع ؟                                     

  

حسن العاصي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2016/01/03



كتابة تعليق لموضوع : الجنة تفتح أبوابها متأخراً
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق مرتضى الاعرحي ، على الشريفة بنت الحسن من هي...؟! - للكاتب الشيخ تحسين الحاج علي العبودي : ما جاء اعلاه عبارة عن نسج وأوهام من وحي الكاتب ، ويتعارض مع ما هو مشهور عن رحلة الامام السبط عليه السلام وال بيته وكذلك مسير السبايا الى الشام والعودة ، وهنا أطالب الكاتب ان يكتب لنا تمديدا من اين اعتمد في مصادره .

 
علّق عمار الزيادي ، على كورونا هل هي قدر الهي ؟ - للكاتب سامي جواد كاظم : ذكرت الدول كلها...لكنك لم تذكر ايران

 
علّق التمرد على النص ، على عظائمُ الدهور لأَبي علي الدُّبَـْيزي: - للكاتب د . علي عبد الفتاح : فكيف بأمير المؤمنين علي ع

 
علّق محمد جعفر الكيشوان الموسوي ، على يوم الله العالمي.. إلهي العفو - للكاتب محمد جعفر الكيشوان الموسوي : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته العلوية المهذبة إبنتنا الراقية مريم محمد جعفر أشكر مرورك الكريم وتعليقك الواعي نسأل الله أن يغيّر الله حالنا إلى أحسن حال ويجنبنا وإيّاكم مضلات الفتن. وأن يرينا جميعاً بمحمدٍ وآل محمد السرور والفرج. إسلمي لنا سيدتي المتألقة بمجاورتك للحسين عليه السلام. الشكر الجزيل لأدارة الموقع الكريم دمتم بخيرٍ وعافيةٍ جميعا

 
علّق مريم محمد جعفر الكيشوان ، على يوم الله العالمي.. إلهي العفو - للكاتب محمد جعفر الكيشوان الموسوي : السلام عليكم ابي العزيز والكاتب القدير. حفظك الله من كل سوء، وسدد خطاك. كل ما كتبته هو واقع حالنا اليوم. نسال الله المغفرة وحسن العاقبة❤❤

 
علّق دسعد الحداد ، على علي الصفار الكربلائي يؤرخ لفتوى المرجعية بقصيدة ( فتوى العطاء ) - للكاتب علي الصفار الكربلائي : بوركت ... ووفقك الله اخي العزيز استاذ علي الصفار

 
علّق الحزم ، على الفتنة التي أشعل فتيل آل سعود لا تخمد! - للكاتب سيد صباح بهباني : يا مسلم يا مؤمن هيا نلعن قرناء الشيطان آل سعود. اللهم يا رافع السماء بلا عمد، مثبت الارض بلا وتد، يا من خلقت السموات والأرض في ستة ايام ثم استويت على العرش، يا من لا يعجزه شئ في الارض ولا في السماء، يا من اذا أراد شيئا قال له كن فيكون، اللهم دمر ال سعود، فهم قوم سوء اشرار فجار، اللهم اهلكهم بالطاغية، اللهم وأرسل عليهم ريح صرصر عاتية ولا تجعل لهم من باقية، اللهم اغرقهم كما اغرقت فرعون، واخسف بهم كما خسفت بقارون، اللهم اسلك بهم في قعر وادي سقر، ولا تبق منهم ولا تذر، اللهم لقد عاثوا فسادا في ارضك فحق عقابك. اللهم العن آل سعود، اللهم العن الصعلوك سلمان بن عبد العزيز، اللهم العن السفيه محمد ابن سلمان، اللهم العن كل ابناء سلمان. اللهم العن آل سعود والعن كل من والى آل سعود.

 
علّق حفيظ ، على أثر الذكاء التنافسي وإدارة المعرفة في تحقيق الميزة التنافسية المستدامة مدخل تكاملي شركة زين للاتصالات – العراق انموذجا ( 1 ) - للكاتب د . رزاق مخور الغراوي : كيف احصل نسخة من هذا البحث لاغراض بحثية و شكرا

 
علّق سحر الشامي ، على حوار المسرح مع الكاتبة العراقية سحر الشامي - للكاتب عدي المختار : الف شكر استاذ عدي على هذا النشر، سلمت ودمت

 
علّق د.ضرغام خالد ابو كلل ، على هذه هي المعرفة - للكاتب د . أحمد العلياوي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحية لكم اخوتي الكرام ... القصة جميلة وفيها مضامين جميلة...حفظ الله السيد علي الاسبزواري ...ووفق الله تعالى اهل الخير

 
علّق خالد ، على من أخلاق الرسول الكريم (ص).. وقصة سفانة بنت حاتم الطائي - للكاتب انعام عبد الهادي البابي : قال عنه الالباني حديث موضوع

 
علّق مؤسسة الشموس الإعلامية ، على اثار الإجراءات الاحترازية على السياحة الدينية في سوريا - للكاتب قاسم خشان الركابي : أسرة الموقع الكرام نهديكم أطيب تحياتنا نتشرف ان نقدم الشكر والتقدير لأسرة التحرير لاختيار الشخصيات الوطنية والمهنية وان يتم تبديل الصور للشخصية لكل الكتابونحن نتطلع إلى تعاون مستقبلي مثمر وان إطار هذا التعاون يتطلب قبول مقترنا على وضع الكتاب ب ثلاث درجات الاولى من هم الرواد والمتميزين دوليا وإقليمية ثانية أ والثانية ب

 
علّق احمد لطيف الزيادي ، على وباء كورونا والانتظار   - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : جزاك الله خير الجزاء شيخنا الكريم،لقد كان هذا الوباءتمحيص آخر كشف لنا فئة جديدة من أتباع الاهواء الذين خالفو نأئب أمامهم الحجة في الالتزام بالتوجيهات الطبية لاهل الاختصاص وأخذا الامر بجدية وان لايكونو عوامل لنشر المرض كونه من الاسباب الطبيعية.

 
علّق سيد صادق الغالبي ، على وباء كورونا والانتظار   - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الجليل جزاكم الله خيرا على هذه المقالة التي نشرها موقع كتابات في الميزان ما فهمناه منكم أن هذا الوباء هو مقدمة لظهور الأمام صاحب الزمان عجل الله فرجه هل فهمنا لكلامكم في محله أم يوجد رأي لكم بذلك وهل نحن نقترب من زمن الظهور المقدس. أردنا نشر الأجابة للفائدة. أجاب سماحة الشيخ عطشان الماجدي( حفظه الله ) وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الجواب ان شاء ألله تعالى : .نحن لا نقول مقدمة للظهور بل :- 1. التأكيد على المؤمن المنتظِر ان يتعلم من التجارب وان يحيط علما بما يدور من حوله كي يكون على أهبة الإستعداد القصوى متى ما حصل طاريء أو طلب منه تأدية لواجب... 2. ومنها هذا الوباء الخطير إذ يمكن للسفياني ومن وراه ان يستعمله هو او غيره ضد قواعد الامام المهدي عجل ألله تعالى فرجه الشريف . 3. يقطعون شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها . نتعلم كيفية التعامل مع الأحداث المشابهة من خلال فتوى المرجع الأعلى الإمام السيستاني مد ظله . 4. حينما حصل الوباء ومنع السفر قدحت بذهننا ان ال(313) يمكن أن يجتمعوا هكذا...

 
علّق الفريق المدني لرعاية الصحفيين ، على اثار الإجراءات الاحترازية على السياحة الدينية في سوريا - للكاتب قاسم خشان الركابي : تسجيل الجامع الأموي والمرقد الشريف على لائحة التراث الكاتب سجل موقفا عربي كبير لغرض تشكيل لجنة كبيره لغرض الاستعداد لاتخاذ الإجراءات التي توثق على لائحة التراث وسجل موقفا كبيرا اخر حيث دعى الى تشكيل فريق متابعة للعاملين في سمات الدخول في ظل الظروف .

الكتّاب :

صفحة الكاتب : ا . د . ضياء الثامري
صفحة الكاتب :
  ا . د . ضياء الثامري


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

كتابات متنوعة :



 هولاند: تنظيم داعش أعلن الحرب على فرنسا

 التحالف الكردستاني وبعض المطالب الخيالية  : باقر شاكر

 القوات الامنية تنسق صفوفها لتحرير مدينة تكريت

 الجذور المتوحشة  : موسى غافل الشطري

 مدير شرطة النجف يعقد اجتماعا لوضع خطة امنية في عيد الفطر المبارك  : وزارة الداخلية العراقية

 ترتيلة في ذكرى الإمام الهادي (ع)  : د . عبد الهادي الحكيم

  بكاء بين يدي سيدة وهمية  : مروان الهيتي

 أسرار شراء السكان لداعش  : اسعد عبدالله عبدعلي

 أنت الفصل الخامس  : زين هجيرة

 بغداد المحبة والحياة!!  : د . صادق السامرائي

 العمل : تمديد التقديم على القروض الصغيرة لمحافظات الانبار وصلاح الدين ونينوى وكركوك والبصرة وذي قار لمدة 10 ايام  : وزارة العمل والشؤون الاجتماعية

 أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السّنةُ الرَّابِعَة (٤)  : نزار حيدر

 وکیل المرجعیة بالبصرة يدعو أهلها إلى استغلال الأيام الحسينية للمطالبة بالحقوق ورفع الظلم عن مدينتهم

 غروزني اقلق وارق الوهابية  : سامي جواد كاظم

 لماذا لاتحرجون السيستاني ؟!!  : ايليا امامي

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على [email protected]

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net