صفحة الكاتب : د . صادق السامرائي

لكلّ طريقٍ مُفترَق!!
د . صادق السامرائي

"مَن سار على الدرب وصل" 

و "مَن زرع حصد"                         

رددنا هاتين العبارتين في المدرسة الإبتدائية مرارا وتكرارا , وكانت القراءة الخلدونية ذات كلماتٍ فيها معاني عميقة ومؤثرة في الحياة. 

وكنا تلاميذا في المراحل الإبتدائية الأولى والثانية فنرددها ولا نعرف معانيها ولا ندرك دلالاتها , لكننا نعرف كيف ننطقها ونكتبها ,  وفي جوهرها الفكر ي والنفسي مسار صيرورة وتقدم وإرتقاء , ورفض للسكون وإمعان في الحركة والعمل والجد والإجتهاد.  

                 

فمن سار على الدرب وصل , ولكن أي درب؟                                                                  

إن الدروب تتنوع وخارطة المسير على مستوى الفرد والجماعة والشعوب , ترسمها الإرادة الفردية والجماعية والوطنية , فالإرادة هي القلم الذي يرسم الطريق ويجدد معالم الدرب الذي تمضي فيه الخطوات , وعندما تغيب الإرادة تنمحي قدرات رؤية الدروب والسعي فيها. 

والكثير منا يتساءل عن الدرب الذي يسير فيه , لكنه في معظم الأحيان  لا يعرفه ولا يدريه , ومَن يجهل دربه لا يصل إلى شيئ , أو يحقق هدفا معلوما وواضحا في الحياة , وإنما يكون من جريش مطحنة الأيام ,  ومغيّبا في عجين النسيان , ومسجورا في تنور الحسرات والخسران.                                                       

وهكذا فأن الأفراد والمجتمعات التي قد تجهل دروبها ,لا تحقق شيئا بل تصاب بالتعفن الحضاري  , بسبب الإستنقاع المرير الذي تورطت فيه , وأمضت أعمارها تحث التراب على رؤوسها , ولا تريد أن تفكر أو تجد وتجتهد. 

وهذا قانون ينطبق على جميع البشر , فالذي يريد أن يصل إلى غاية لا بد له من درب يراه ويسير عليه , وإتصالا بذلك وترابطا معه , فأن الذي يزرع سيحصد , ولكن عليه أن يتدبر مهارات رعاية البذور التي زرعها لكي يجني ثمارها , فبين الزراعة والحصاد مسافة زمنية بعمر الثمرة المطلوبة , وفيها الكثير من الجد والإجتهاد والتعب اليومي المتواصل. 

أي أن الإرادة مهما كانت وتنوعت قدراتها , فأنها بحاجة إلى دليل ومنار لكي تنجز غاياتها , وتصل إلى حالة التعبير الأمثل عما فيها من القدرات.                                                                                                

وعودة إلى الطريق الذي نمضي فيه , فأن أي خطوة فوق التراب إنما تعني الحركة نحو هدف ما , وغاية قد تكون واضحة وخفية , والقوة التي تدفع بالحركة ربما تكون واعية وغير واعية , لكنها قوة دافعة ومؤثرة في مصير صاحب الخطوة المتحركة نحو هدف ما قد تدركه وتعيه أو لا تدريه. 

وفي كل مسيرة حية تصل الخطوات إلى مفترق طريق عليها أن تقرر بإرادتها الكاملة , نحو أي جهة ستمضي , فالطرق ليست مستقيمة والمسافة بين نقطتين ليست خطا مستقيما في هندسة الحياة وعلوم حسابها وجبرها , وإنما المسافة بين نقطتين قد تكون أكثر تعقيدا وصعوبة وطولا من حسابات المسطرة , ومَن لم يتقدم في فهم بديهيات  الأمور , فأنه لا يمكنه أن يجد الطريق أو المسار الواصل بين نقطتين مهما اقتربتا أو إيتعدتا عن بعضهما, فالمسافة الحقيقية تتناسب وقدرات الإرادة الفاعلة والمؤثرة في الحركة والإدراك. 

وحالما نكون في محطة الإفتراق , يتوجب علينا أن نتمكن من القرار الذي يؤدي إلى جني الأثمار والإمساك بالأهداف أو تضييعها وتدمير مسيرة الخطوات السابقة , وفي هذا المفترق تكمن معضلة الحياة ودورها وتأثيرها في تقرير مصير الفاعل فيها. 

فكيف يختار الذي سار على الدرب مفترق الطريق الذي يحسبه سيوصله إلى ما يريد ويطمح؟                              

إن المخلوق فرد أو جماعة , عليه أن يتعلم من مسيرة دربه دروسا وقواعد وأصول تساهم في تسهيل عملية الإجتياز , والمضي الصائب في الخطوات المؤدية إلى الصيرورة المنتظرة , فبعد المسار الطويل يكون في المفترق الخطوات التي تتفجر من تحتها ينابيع الآمال والطموحات والأهداف وتتجلى حولها ملامح الغايات , ولهذا فأن خيار المفترق يكون مصيريا ومؤثرا بقوة في اكتمال حالة التنامي والتفاعل الخلاق المؤدي إلى إطلاق ما في السائر من الطاقات. 

والعديد من الأفراد والجماعات قد سارت في طريق لكنها , ذهبت إلى مفترق ينسف مسيرتها السابقة ويدمر ما عندها  من ثروات , وهذا ما فعلته بلداننا التي بعد مسيرة ما يقرب من قرن , تورطت في مفترق طرق النهايات المزدحم بالخيبات والصراعات والتداعيات وآليات الفقدان والخسران والإنحسارات , حتى لتحسبها وكأنها كانت تسير على شفى حفرةٍ من النار فوقعت فيها , وما أدركت أو ابتكرت آليات الحياد عن مفترقات الطرق المؤدية إليها, فكانت الهاوية وأدركنا ما هي؟!            

  

د . صادق السامرائي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2016/08/24


  أحدث مشاركات الكاتب :