أساليب السيد الحيدري الخطابية ( 1 )
طالب علم

 (أوّلاً): إنّ المنهج اللائق بمقام البحث العلميّ –وخصوصاً في الحوزات العلميّة حيث اتّصاف أهلها بالمبادئ الإيمانيّة- منهج موضوعيّ يبتني على الدقّة والإنصاف والعمق والمتانة والنضج.. وهذا بخلاف ما يجده الناظر في أسلوب المتحدّث في المقطع المُرفق؛ فهو يعتمد أساليب خطابيّة وغير علميّة ومن ذلك:

(1) الاستعانة بدعوى الجِدة في الطرح لتوثيق رأيه وترويجه وتوجيه الناس إليه ووصف الآخرين بالتخلّف و«التكلّس»، مع أنّ مجرّد جدة البحث لا دخالة لها في قوّته، كما أنّ قدمه وسبق طرحه لا يكون حجّة على ضعفه.. وإنّما ذلك استغلال للعناصر الشكليّة الفاعلة في نفس الإنسان والمثيرة لنزوعه الفطريّ نحو كلّ ما هو جديد؛ نتيجة اعتياده وملله ممّا تكرّر عليه.
(2) إنّ الدراسات العليا (الخارج) –والتي تشبه الدراسات الجامعيّة- بحوث تخصّصيّة تبتني في منهجها ومحتواها على أدوات فنيّة خاصّة؛ ولذا فهي ليست ممّا تصلح للنشر العامّ وجعل الجمهور حكماً في البتّ فيها.. إلاّ أن يكون الهدف: محاولة إيهامهم بامتلاك القدرة الفكريّة والقابليّة العلميّة.
 
(ثانياً): إنّ فكرة (الحُجّة) –والتي جعلها من مبانيه الفكريّة- سبق طرحها في كتب علم الكلام والأصول -وإن لم يتمّ التركيز عليها في مقام التبليغ الدينيّ كما سيأتي توضيحه- وحاصلها على ما هو المشهور لدى العدليّة -ومنهم الإماميّة-:
أنّ القاصر -الذي استفرغ وسعه لأجل الوصول إلى الحقيقة، وانتهج سننها الموضوعيّة- لن ترتهن في ذمّته المؤاخذة على فرض عدم إصابته الحقّ؛ فإنّ من أراد الحقّ ثمّ أخطأه ولم يُوفّق لنيله ليس على حد من أراد الباطل فأصابه.
وهذا المعنى في أصله ممّا لا شكّ فيه.. لكن يُلاحظ عليه:
(1) إنّ من الخطأ -على ما يظهر بملاحظة النصوص الدينيّة- التسوية بين المصيب والمخطئ على أساس استوائهما في الجهد؛ فإنّ من أخطأ الحقّ لن يظفر على كلّ حال بالنماءات المعنويّة والآثار الفاضلة المترتّبة على فعل من يصيب الحقّ ويعمل به، سواء كان فعله للحقّ عن تلقين أو عن بحث -نعم، البحث العلميّ يوجب أن يصير الإنسان في الغالب أبصر بعمله وأيقن بمعتقده، ولكنّ هذا بحث آخر-..
ويمكن التنظير لتقريب ذلك بـ: شخصين، يعتمد «أحدهما» بحكم بيئته والأطعمة المتوفّرة في محيطه على نظام غذائي يعود بالنفع على صحّته ويطيل في عمره، ويعتمد «الآخر» بحكم بيئته أيضاً على نظام غذائي يشتمل على أطعمة أقلّ فائدة.. وفي هذه الحالة: فإنّ الشخص الأوّل سوف يكون عمره أكثر وصحّته أقوم من الشخص الآخر الذي اعتمد نظاماً غير صحيّ، سواء علم ذلك الشخص الأوّل أنّ هذه النظام الغذائي هو النظام الصحيح والأسلم أو لا.
(2) إنّ التبليغ الدينيّ مشروع ينطوي على بعد تربويّ يتجاوز بعده العلميّ؛ فلابدّ من رعاية ضوابط التربية ومقتضياتها.. ومن ذلك: أنّ من غير الصحيح في مقام التربية والتزكية التركيز على معذّريّة الحجّة؛ حتّى لا يصير ذلك مبرّراً لعدم المواصلة في طلب الحقيقة والسعي خلفها؛ وذلك أنّ كلّ صاحب ضلالة يتمسّك حينئذ بشبهات يراها أدلّة على الحقّ.. بل لابدّ من ‎التركيز على أنّ الله تعالى لم يطلب من عباده الإذعان بشيء إلاّ وضمّنه الحجّة الكافية عليه، بل تعهّد أن تكون له الحجّة البالغة فيه..
وهذا المعنى ممّا يظهر -بشكل عامّ- بالنظر إلى النصوص الدينيّة في القرآن الكريم والسنّة -ولربما يُستفاد من جملة من الروايات الشديدة الواردة في باب المستضعف في الكتب الروائيّة-؛ حيث يُلاحظ أنّ أدبيّات التعبير فيها على نحو لا يؤمّن من لم يبلغ الحقيقة عن احتمال التقصير.
 
(ثالثاً): وأمّا ما ذكره:
[1] مِن عدم حجيّة فهم الآخر للنصوص الدينيّة.. فهو -فضلاً عن عدم العلاقة بينه وبين القول بقيمة الحجيّة على النحو الذي تبنّاه- ممّا تمّ التعرّض له في كتب الأصول في مبحث حجيّة الشهرة، وقد ذهب كثير من الأصولييّن إلى عدم حجيّتها، إلاّ أنّهم نبّهوا على أنّ اشتهار فهم بين العلماء –وهم من أهل الاختصاص- يزيد من احتماليّة استنادهم إلى مدرك معتبر؛ ومن ثمّ يقتضي ذلك مزيد فحص وتحوّط واستيعاب للنظر في الفروض المحتملة.. وهذه طريقة معهودة عند العقلاء عامّة؛ فإنّ الطبيب –مثلاً- يدقّق في تشخيص المرض أكثر فيما إذا خالفه كثير من الأطبّاء المرموقين في الرأي.
وأمّا الضرورة فإنّ الأمر فيها أعقد بكثير؛ لأن احتمال تحوّل مطلب معيّن إلى حقيقة بديهيّة في مذهب أو دين يعتمد علماؤه التحقيق والتدقيق من دون أن يكون لهذا الأمر مستند.. هذا الاحتمال ضعيف جدّاً.
[2] ومن أنّ المنهج السائد في الحوزات العلميّة مبنيّ على كون آراء العلماء مقدّسة.. فهو خطأ كبير، بل خطيئة كبيرة؛ إذ من الواضح لمن راجع أيّ كتاب استدلاليّ حجم المناقشة بين العلماء وردّ بعضهم على الآخر، ولربما يكون ذلك في كثير من الأحيان بلغة الحزم والشدّة؛ لتحفيز عموم الطلبة على مناقشة الأفكار والتأمّل فيها وعدم الجمود عليها.
 
 

 
https://www.youtube.com/watch?v=rwzXQpsfFzc

طالب علم

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2016/12/28





كتابة تعليق لموضوع : أساليب السيد الحيدري الخطابية ( 1 )
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 

أحدث التعليقات إضافة (عدد : 1)


• (1) - كتب : منير حجازي ، في 2016/12/29 .

لا أدري متى ينتهي الحيدري من اكتشافاته العلمية وعلى ما يبدو فإن صيحته الاخيرة لا بل اكتشافه الذي توصل غليه والذي يقول فيه : (ولكنه مع الاسف الشديد مع هذه الخطوط الحمراء ولهذه العقلية المتكلسة المتحجرة المتخلفة في حوزاتنا العلمية). الله يخزيك .


البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق كاظم العلي ، على بالفديو : الصحفية الجزائرية بعد امتثالها للشفاء ، غدا الى ساحات القتال : هذه افضل من سياسي الفنادق ممن باعوا شرفهم للدواعش

 
علّق حسين ، على بالفديو : الصحفية الجزائرية بعد امتثالها للشفاء ، غدا الى ساحات القتال : الشفاء العاجل لها ولجميع المرضى والجرحى

 
علّق محمد ، على التلفزيون العراقي يعلن تحرير مطار الموصل بالكامل : اقتربت ساعة النصر فصبرا صبرا يا اهلينا في الموصل لم يتبقى من عمر داعش الا ايام

 
علّق زائر ، على مقتل انتحاري وتفجير سيارته في جرف النداف جنوبي بغداد : الى جهنم وبئس المصير

 
علّق هادي ، على الحوزة العلمية في النجف الأشرف ولجنة الإرشاد والتعبئة تزف ثلاثة من مبلغيها شهداء أثناء أدائهم واجبهم التبليغي الجهادي للدفاع عن العراق ومقدساته جنوبي الموصل : رحمك الله يا شيخ رضا ورفيقيك من اعلام التقى ومن خيرة المشايخ

 
علّق محمد ، على الحوزة العلمية في النجف الأشرف ولجنة الإرشاد والتعبئة تزف ثلاثة من مبلغيها شهداء أثناء أدائهم واجبهم التبليغي الجهادي للدفاع عن العراق ومقدساته جنوبي الموصل : قدس الله نفسهم الزكية

 
علّق اكرم ، على قراءة في قصائد وضوء الروح - للكاتب علي حسين الخباز : كما عودنا قلمك على الابداع سلمت يداك

 
علّق اكرم ، على الشهيد عماد الحيدري : اريد ان ازور الامام (علية السلام) فانا كلي شوقا اليه - للكاتب مؤسسة المعراج : رحم الله الشهيد وتغمده بواسع جنانه

 
علّق اكرم ، على من شهيد جسر العذاري الى شهيد شموخ النخيل - للكاتب خالد القصاب : رحم الله شهدائنا الابرار ولعن الله قاتلي الابرياء ومكفري المؤمنين

 
علّق خادم ، على تحميل مؤلفات اية الله السيد محمد رضا السيستاني دام ظله بصيغة pdf - للكاتب صدى النجف : ذرية بعضها من بعض كيف لا يكون علما عالما معلما وهو ابن ذلك الليث الهمام خاض بحور العلم وقلب صفحاتها دهرا اللهم احفظ المرجع الاعلى وابنه وزدنا توفيقا باتباعهم

 
علّق اكرم ، على الثورات الملونة وحروب الجيل الرابع: - للكاتب د . طلال فائق الكمالي : جناب الدكتور الكريم احسنتم وطيب الله انفاسكم بوردت يدكم الكريمه على ما تخطه

 
علّق اكرم ، على الموصل سقطت لكنها تحررت بفضل فتوى السيد السيستاني - للكاتب عمار العامري : اللهم احفظ سماحة السيد السيستاني نسأل الله للكاتب دوام التوفيق دوما ما تتحفنا بما يجود به قلمك

 
علّق اكرم ، على العمامة الحمراء.. - للكاتب رحمن علي الفياض : رحم الله شهداء العراق خوزتنا الصامته هي من نطقت حفظ الله مراجعنا العظام

 
علّق عبد الزهره ، على الوحيد الخراساني : ضيّعا حق الصديقة الزهراء ! ودفنا في بيت الرسول ! - للكاتب شعيب العاملي : وعلى معرفتها دارت القرون الاولى سلام الله عليها ولعن الله ظالميها وغاصبي حقها

 
علّق صديق ، على ما هي قصة الملازم الشهيد أبو بكر السامرائي الذي أعدمه داعش؟ : رحمه الله عليه شامخ ايها الشهيد تبقى دوما.

الكتّاب :

صفحة الكاتب : حسين الركابي
صفحة الكاتب :
  حسين الركابي


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



  لماذا كتابات في الميزان

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 حركة تصحيحية لمنهج السيد كمال الحيدري

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

كتابات متنوعة :



 نعي شقيق الكاتب كفاح محمود كريم  : ادارة الموقع

 في اليوم العالمي للاجئين: "معاً للدفاع عن حقوق اللاجئين والتخفيف من معاناتهم "  : منظمة تموز للتنمية الاجتماعية

 لمن لا يعرف مرض التوحد  : عباس يوسف آل ماجد

 رفع العلم العراقي بالصقلاوية وصد هجوم لداعش فی الرمادی وبیجی ومقتل 128 ارهابیا

 المعلقات الجاهلية شعر لم يعلق بالكعبة المشرفة!  : ياس خضير العلي

 الصين ترحب بمقترحات حزب شباب مصر لدعم الإستثمار العالمى بشنغهاى  : حزب شباب مصر

 النائب الحكيم يزور مركز جراحة القلب المفتوح في النجف لتفقد آلية تقديم الخدمات المنقذة لحياة المرضى ويقف على احتياجاته الأساسية  : مكتب النائب د عبد الهادي الحكيم

 (قافلة البذل) من أهالي البصرة تسير قافلة مساعدات الى اخوتهم المقاتلين المرابطين في أطراف مدينة الفلوجة  : لجنة الإرشاد والتعبئة للدفاع عن عراق المقدسات

 العدالة الفكرية بمساواة المراة بالرجل  : روعة سطاس

 بحث مسلسل حول إقامة الدليل على وجوب التقليد ( 1 ) الدليل الفطري العقلي على لزوم التقليد  : باسم اللهيبي

 حزب الله ونصر الله ارهابي وجبهة النصر التكفيريه انبياء دول الخليج؟؟  : محمد الحمداني

 أسباب اختلاف الفقهاء عند المذاهب الاسلامية الأربعة من منظور بن رشد  : د . رزاق مخور الغراوي

  انقلاب على الديمقراطية  : عباس العزاوي

 في عيدك.. اجراس نصر.. وتيجان فخر  : محمد علي مزهر شعبان

 النجف عاصمة الثقافة الاسلامية 2012 ، وصرخات ابنها المؤرخ جليل الخزرجي  : شاكر فريد حسن

إحصاءات :


 • الأقسام : 15 - المواضيع : 87946 - التصفحات : 67150238

 • التاريخ : 23/02/2017 - 22:51

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net