صفحة الكاتب : د . صادق السامرائي

قراءة نفسية لقصيدة أنشودة المطر!!
د . صادق السامرائي
 سأحاول أن أجري تشريحا نفسيا لقصيدة أنشودة  المطر للشاعر العراقي ورائد الشعر الحر بدر شاكر السياب , آملا أن أكتشف أعماق اليراع الذي كتبها والنفس التي تفاعلت مع مفرداتها وإيقاعاتها ونبضاتها العاطفية والإنفعالية والفكرية , وكيف بقيت ذات طعم خالد في النفس العربية. 
وقد قرأت العديد من الكتابات عن القصيدة , وهذه المحاولة تهدف إلى وعي الصورة الشعرية وتحليل مكوناتها التعبيرية النفسية والعقلية. وربما ستثير نقدا غاضبا , أو ستحسب على أنها حالة أخرى , لكنها قراءة نفسية بحتة.
 
تبدأ القصيدة بكلمة "عيناك" , والعين العراقية من أغنى عيون الدنيا بما تبوح به من المعاني واللغات التي تعجز عن إحتوائها أبجديات البشرية جمعاء. ذلك أن الروح العراقية بجميع طاقاتها وقدراتها الخلقية والإبداعية تنحبس في الأعماق ويتعذر التعبيرعنها بالكلمات , فتتحول العيون إلى ينابيع بوح صادق وأليم ومضرج بالحزن والمرارة والحرمان. لكن الشاعر يقلب تلك الصورة المأسوية فيقرن بين غابات النخيل البصراوية المتهامسة عند السَحر والمعبرة عن طاقات الحياة والعطاء. وفي هذا توحد وتمثل عشقي مطلق يكون العاشق فيه لا يرى حبيبته كما هي وإنما مثلما يتمثلها في خياله ورؤاه الشعرية المعتقة في قوارير الحب الفتان. 
وبهذا تكون العينان في حالتي تمثل جمالي متساوق مع نبضات الأشواق والأحلام واللهفة. وهذا توحد جزئي يريد به الكلية لأن وجود الحبيبة وصورتها الخيالية قد تكثفت في العينين. ولذلك فأن التعبير يمتلئ بالصدق والحس الشاعري الإنساني العراقي الفياض , لأن ما يريده العراقي وخصوصا المرأة من شدة إنحباسه يفيض من العيون , فتكون النظرة العراقية أغنى من كتاب. 
ويبدو أن الشاعر يجيد قراءة العيون ويترجم أبجدية النظرات بأسلوب إنتصر فيه على قيود الشعر العمودي وحرر النفس والروح من أصفاد العروض الثقيلة , فكانت العيون منطلق الإرتقاء بثورة الحرية الفكرية والفنية , لأن العيون ترمز للحرية والجمال والصفاء والإنتماء.
عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر
في وقت السحر تكون العيون الناعسة المستريحة متحررة من أعبائها فتبدو في غاية النقاء والروعة الخلابة التي تداعب أنياط القلوب , فكان الوصف دقيقا وموسوعيا فيما تلاه من تطورات في الصورة الشعرية والتركيبات الأسلوبية المؤثرة في النفس والروح.
أو شرفتانِ راحَ ينأى عنهُما القمر
في هذا رسم لحالة النعاس وبهاء بريق الحياة المنبثق من العيون التي تكثفت فيها طاقة الوجود والنماء والتجدد والبقاء. وكأن وهج الروعة بدأ يخبوا بإنسيابية نأي القمر عن الأشهاد وقت السحر الصافي الساكن العذيب. 
عيناكِ حين تبسمانِ تُورقُ الكروم
وهنا يتحول رفيف الأجفان إلى إبتسامات , لكن المقل الثرية بالمشاعر والأحاسيس كأنها سكرى بالأشواق والأمل , ولهذا أورقت الكروم لتسقيها بسلاف روحٍ إنتشر.
وترقصُ الأضواءُ.. كالأقمارِ في نهر
دفق الحياة الوثاب في فضاء العينين إستنزل الأكوان وامتد في رحاب المطلق البعيد  , فصارت الأضواء تنعكس فيه وتتلألأ الأقمار وتتجدد الصور.
 
 
 
يرجُّهُ المجدافُ وَهْناً ساعةَ السحر
 وكأنه يقرأ لغة الأجفان ويقرنها ببيئته ويقارن ما بين إيقاعاتها الناعسة وحركة المجداف الذي يحركه إنسان هده تعب الليل وهو يسعى بالظفر بصيد يعينه على مشقة الأيام.
كأنّما تنبُضُ في غوريهما النجوم
.....  وفي هذا المقطع لم يكتفي بما يرى بل أخذ يغوص عميقا جدا في قاع
 العيون بمنظاره الشعري وآلة خياله التواق, فيرى نجوما أخرى , لأن العيون صارت طبقات أكوان ومختصر وجود أعظم.
وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيف...
ويخيل للقارئ أن الرحلة الخلابة في عيون المعشوقة قد تحولت إلى صورة بانورامية , لأن الحبيبة تتوطن خيالا متدفقا ومعبرا عن طاقات لا محدودة تخشى منها الحروف والكلمات. وهكذا تهب ومضات الأسى وتتبارق حولهما , فيراهما الشاعر ضبابا لأن صفاء النظر قد شابه التعب وأفقده بعد المنال توهج حرارته ونماء إرادته الإنسانية.
كالبحرِ سرَّحَ اليدينِ فوقَهُ المساء...
هذا النهر الدافق قد سكن في بحر ذي أمواج صاخبة لا تهدأ لكن المساء أوهمنا بسكينته , وما هو إلا قوة فوارة معتلجة بالطاقات. وانطبقت الأجفان وما كان الشاعر يرى إلا سواد المقل قبل أن تغيب الحبيبة في رحلة الهجوع وأنها البحر.
دفءُ الشتاءِ فيه وارتعاشةُ الخريف...
وكأنه يقرن ما بين البحر والعيون حيث الدفئ اللذيذ في أعماقه المسكونة بالأحياء وأمواجه التي قرنها بالخريف , وهذا يرمز إلى غياب الجمال وإنعدام العطاء والتواصل الفعال مع الأشياء, فهدأت الحبيبة واستوحش الحبيب.
والموتُ والميلادُ والظلامُ والضياء...
في لحظة التبصر والإدراك العميق لمعاني القوانين الكونية العظمى , المنبثق من مشهد العيون في رحلتها الحرمانية القاسية , تشخص المتناقضات وتنطبق الكليات على الجزئيات , ويكون صوت الحياة واحد. غياب وحضور , وحضور وغياب , ودوران في قفص الوجود كالبلبل المذبوح بصوته الفتان, وما غناؤه إلا بكاء أليم وإنفجارات روح في حنجرة الأسير.
فتستفيقُ ملء روحي، رعشةُ البكاء...
بهذا الوعي الأليم يفقد الإنسان لغاته ويبدأ البكاء صولته لكي ينقي الأعماق من صديد هول الحرمان وفقدان الرجاء , فينأى بما يريد إلى غير وجهته , أي يتسامى إلى ما لايريد لكي يحافظ على ما يريده ويبتغيه من الآمال والرغبات المخنوقة في دياجير فؤاده الكسير.
ونشوة وحشية تعانق السماء...إنها نشوة متدفقة ذات سمات حرمانية , ومعوقات أرضية , فلا يمكنها أن تتحقق فوق التراب ولا بد لها أن تطوف السماء , وترج أركانها , لأنها من شدة الإختناق فقدت صوابها وتوحشت وأمعنت بصيرورتها الفنائية العلوية , فتماهت بطاقة السماء.
كنشوةِ الطفلِ إذا خاف من القمر...
ويدخل الطفل في المشهد ليرمز إلى تحطم القيود , والتمني بالتعبير عن الرغبات المكبوتة بحرية الطفل الذي لا يعرف الممنوع , وأنه يسعى إلى ما يريده بحرارة عواطفه وطاقة مشاعره البقائية. نشوة العاشق المتيم المحروم , تشق لها دروبا في خلجان النفس وتصل إلى ما تريده من اللذة والتوحد مع المعشوق.
كأنَّ أقواسَ السحابِ تشربُ الغيوم 
المقطع يشير إلى تعبير رمزي عن الرغبة الجياشة المتحرقة التواقة للإندماج المطلق في بدن المحبوب , والتغلغل بكيانه والسريان بعروقه. ويتحقق بعد ذلك الإعتصار العنيف , فينزفان حقيقتهما الذاتية ويسريان في كيان الوجد السرمد. وكأن السحاب ذكرا والغيوم أنثى أو العكس.
وقطرةً فقطرةً تذوبُ في المطر
هذا التداخل الإنساني الروحي العميق يتجسد بأن الحبيبين قد تحولا إلى صيرورة واحدة متسربة في الصيرورات الأخرى , وأن اللذة القصوى تتجسد في ذلك.
وكركرَ الأطفالُ في عرائش الكروم...
وبعد التفاعل الخيالي مع المحبوبة المأسورة بالممنوعات والتقاليد الجائرة , يكون التحدي بطاقات الخيال فيتحقق كل التفاعل في الفضاء , وتلد مسيرة العشق أثمار التلاحم النفسي والبدني , فيكون الشاعر في حضرة الخيال المجسد لما لايكون إلا فيه.
ودغدغت صمتَ العصافيرِ على الشجر..
.وبغتة يستفيق من رحلته العميقة في العيون , ويصغي إلى إنشودة المطر التي أخذت تنبه الأحياء والبشر....
أنشودة المطر 
مطر
مطر
مطر...
العلاقة بين الإنسان العراقي والمطر ليست حميمة , وإنما هي قاسية وتشير إلى ما سيحصل من سيول وفيضانات وتداعيات مأساوية إلى بضعة عقود مضت, برغم أن المفهوم العام هو الخير , لكن الأعماق الخفية ترى غير ذلك , فللمطر تداعيات نفسية وسلوكية ذات نتائج متعددة في دنيا العراقيين. ففي القصيدة حزن حرماني موجع وقاسي يستدعي الذكريات المتلائمة معه والمؤازرة لسيرورته العاطفية وكثافته الإنفعالية القاتمة. ومن أقسى حالات الحزن أن تتلقى المدارك إشارات الخير والنماء على أنها غير ذلك , فيكون المطر مفتاحا لبوابة الأحزان التي تندلق معانيها وشواهدها في عبارات القصيدة.
 
 
تثاءبَ المساءُ والغيومُ ما تزال
تسحّ ما تسحّ من دموعها الثقال... 
هنا يتجلى الكسل والتراخي وفقدان العزيمة والإستسلام , فتغيب روح التحدي والمواجهة والإصرار على صناعة الحياة , فصار المساء يتثاءب متكاسلا ومحاصرا بيأسه وحزنه , وكأن الغيوم تشاركه همومه فتبكي بدلا عنه , أو تبكي معه , لأن دموعها قد تخزنت وتكثفت وإزدادا ثقلا وغزارة لدرجة ما عادت تمتلك القدرة على لجم جماح تدفقها وإنهمارها الغزير على سفوح الآلام.
كأنّ طفلاً باتَ يهذي قبلَ أنْ ينام...
وفي ذروة هذا اليأس والقنوط , يتحقق الهذيان , أو تخيل الأشياء الغير موجودة , فيكون الإنسان في أجواء تساقط المطر وكأنه السجين المقيد , الأسير في ذاته ومكانه ولا يمتلك القوة على الحركة والتعبير عن الحياة الجميلة بقدر ما يستكين لأراجيف التصورات والرؤى السوداوية, التي تستدعي ما يناهض الحياة. 
بأنّ أمّه - التي أفاقَ منذ عام...
المقطع حاد في التعبير عن الفقدان وشدته وقوته العاطفية وتأثيره في السلوك والتفاعل مع المحيط , وكأنه يريد القول بأن الإنسان في بلاده , قد فقد الرعاية والأمومة , فاصبح تائها بلا دليل ولا تربية , وإنما يتخبط ويتأمل على أن شيئا ما سيتحقق ذات يوم ويتمكن من التفاعل الصحيح مع الحياة.
فلم يجدْها، ثم حين لجَّ في السؤال...البحث عن المفقود لا يؤدي إلى نتيجة وإنما تدفع إلى سلوكيات مخادعة وتضليلية تجانب الحقيقة وتنكرها , لأننا لا نريد أن نواجه أنفسنا بل نخدعها , ونبرر لها ما تقوم به , ونسقطه على غيرها إن كان غير مقبول. وهذا سياق ثابت في تربيتنا منذ الطفولة وينعكس على تفاعلاتنا في المجتمع عموما.
قالوا له: "بعد غدٍ تعود" ...
وهكذا يتم تجسيد سلوك الكذب والتضليل كأسلوب مريح ومساهم في مساعدة الإنسان على مواجهة الحرمان, فلا يتأكد العمل بالبحث والجد والإجتهاد , وإنما بالتجافي والتجاهل وخداع الذات وتخديرها حتى تستكين وتذعن لحالها وظروفها لكي تبقى وتتواصل مستعذبة البؤس والحرمان.
لا بدّ أنْ تعود...
يتأكد الكذب ويتكرر بحيث يكون اليقين محض افتراء , فكيف يكون الصدق بعد ذلك هو السلوك المفيد , ما دام الطفل قد كُذِب عليه في أدق حالاته الإنفعالية وأصعبها. فكيف تعود الأم ؟ في هذه الحالة عليه أن يتخيلها ويتوهمها ويتصور كيف تتفاعل معه وتستجيب لحاجاته , وبهذا يتم خلق إنسان مقطوع عن مجيطه , ومنشطر عنه وبذلك لا يمكنه أن يغيره أو يضيف إليه لأنه في حالة إنقطاع تام عنه.
وإنْ تهامسَ الرِّفاقُ أنّها هناك...
مرة أخرى يتكرر مشهد مأساوي تربوي يؤدي إلى بذر الشك وعدم الثقة في الإنسان , فالكذب الموجع , والتفاعل الذي يدعو إلى الحيرة وعدم الثقة ينمي قدرات الشك عند الإنسان , ولذلك فأن العراقي يكون ميالا للشك وسوء الظن كثيرا بغيره وحتى بأقرب الناس إليه.                                                            في جانبِ التلِ تنامُ نومةَ اللحود،...
نعم إنها هناك لكننا نكذب عليك لكي نتخلص منك ومن تداعيات معرفتك بحقيقة أمرها , فلن نقول لك الصدق وما عليك إلا أن تكتشفه بنفسك بعد رحلة شقاء وكدر , وفي ذلك تنمية لمشاعر الغضب والعدوان والكراهية والإنتقام , لأن الطفل سيبقى يتساء بحسرة عن ذلك الكذب والتضليل الذي صاغ حياته بطريقة أخرى , وأخذها في مسالك متعثرة وغير مجدية , وحالما إصطدم بالواقع القاسي , تنطلق مشاعره وإنفعالاته المحبوسة المضغوطة فتفعل ما تفعله في محيطه الظالم المضاد لمسيرته الآدمية.
تسفُّ من ترابها وتشربُ المطر ...
هذا تعبير ثقيل وأليم , فالمطر لا يصلح للأحياء وإنما هو يتسرب إلى مواضع الأموات ويزيدهم موتا. وبهذا تتحقق الصورة الحقيقية العراقية عن علاقة العراقي بالمطر , ولا بد من الغوص في أعماق الصورة وتعبيراتها السلوكية والإنفعالية. المطر فعل تراجيدي عراقي غريب , لا يمكن تفسيره بسهولة , فالإنسان يستاء من المطر ولا يريده و لأن البيوت كانت من الطين , وتصريف المياه متخلف وغير موجود , وكم يفيض النرهان بسبب المطر ولا يستطيع الإنسان من مواجهة شراسة الفيضان , وكأنه العدوان الذي يهاجم الناس كل ربيع , حتى نهاية الستينيات من القرن العشرين. ولم يستريح العراقيون من فيضانات النهرين إلا في العقود الخمسة الماضية. فالمطر عدوان , ولا ينفع إلا الأموات , وقد يخلصهم من فم التراب ويجرفهم إلى حيث الذوبان في تيارات المياه التواصل مع دورة الماء في الطبيعة المتغيرة. وهذا موقف سلبي ومناقض لطبيعة الأشياء , فالمطر هو الخير , والعراقي ما تعلم مهارات التواصل مع المطر وإستثمار مياهه في التنمية الإقتصادية , حتى غاب المطر و وعزّ وندر فصار الجفاف ضاربا والمطر عزيزا ومجهولا في أكثر الأحيان.
 
كأنّ صياداً حزيناً يجمعُ الشباك...
ويلعنُ المياهَ والقدر
وينثرُ الغناء حيث يأفلُ القمر 
مطر، مطر، المطر
الفرق بين صياد همنغواي وصياد شاعرنا كالفرق ما بين القطبين , وكأن جلجامش ليس عراقيا , وكأننا ما قرأنا ملحمته التي ترجمها صياد همنغواي. الصياد حزين ويائس وتم تفريغه من طاقات التحدي والإصرار , وشحذه بالإنفعالات السلبية القاسية , والتفاعلات الإسقاطية الإستسلامية للقوى والقدرات الأخرى , أيا كان عنوانها ورمزها. ولكي يزيح مشاعره الأليمة البائسة , لا بد له من الغناء الذي يرسم فيه لوحة نفسه ويسكب أنواء عجزه. وبهذه الصور القاتمة الدامعة المتحسرة الكسيرة تتسم الأغاني العراقية والشعر العراقي الذي يؤكد في ألفاظه وإيقاعاته الرقص على أوردة نزيف الأجيال المذبوحة بالحرمان والظلم والإمتهان. وهكذا يبدو المطر وسيلة إجهاضية سلبية , تدين فقداننا لمهارات إستثماره وتوظيفه لصناعة الحياة الأفضل.
أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعثُ المطر؟
وكيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر؟
وكيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع؟
بلا انتهاء_ كالدمِ المُراق، كالجياع
كالحبّ كالأطفالِ ، كالموتى –
هو المطر ....
وتعلو صرخة النفور من المطر والتخاطب معه على أنه عدو للوجود وليس مبتدأ إنطلاق روافد الحياة ومشيد حلتها الوارفة الخضراء, فتعلن المزاريب بكاءها ويتصاعد عويلها , وتهديداتها ووعيدها لأن المطر سيجرف الأشياء وبسببه تتهاوى البنايات , لأننا ما تعلمنا كيف نجعل الطين يقاوم المطر , وإنما شيدنا بيوتنا من الطين الذي يعشق المطر ويتفاعل معه لصناعة الحياة المعطاء , وبفعلنا قد حرمنا الطين من دوره ورسالته وإعتدينا على حرمته ومصيره , فالطين من أدوات الخلق المتجدد ولا يمكن حشره في جدار. ولهذا فأن المطر الشديد عنوان وعيد وخطر.
وفي هذا المقطع تجتمع متناقضات فاعلة في السلوك العراقي , الجوع والحرمان والوحشة والقتل والمطر! فكيف تتفق مع المطر؟ إن في ذلك دليل على أن الإنسان قد تنازل عن دوره الخلاق ومسؤوليته في المساهمة بالحياة الأفضل وإستثمار المطر في صناعة الطعام وتنمية الإقتصاد. فالناس تلهو ببعضها وتستعذب سفك الدماء والتناحر والتصارع على الأشياء بسبب آفة العجز والإستسلام. ولهذا فأن كل موجد دامع حزين ويائس ولا يعرف إلا أن يرى بعيون ذات آليات إدراك محنطة.
  
ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
وعبرَ أمواجِ الخليجِ تمسحُ البروق
سواحلَ العراقِ بالنجومِ والمحار،
كأنها تهمُّ بالشروق
فيسحبُ الليلُ عليها من دمٍ دثار 
أصيحُ بالخيلج: "يا خليج
يا واهبَ اللؤلؤ والمحارِ والردى"
فيرجع الصدى
كأنّهُ النشيج:
"يا خليج: يا واهب المحار والردى" 
في هذا المقطع تحليق وهروب من مواجهة الواقع والصعود إلى أكوان الفنتازيا والخيال الساعي إلى إرضاء الحاجات بتصورها وتمنيها , فما دام الإنسان عاجزا عن مواجهة مصيره وقيادة أمره , فمن الأفضل أن ينداح في مواقد العيون ويناجيها ويحسبها بساط الريح , فقد تجمعت فيها أسرار المطر وعواديه وكل ما يتصل به من الأحزان والمشاعر والعواطف القاسية , فالعيون العراقية يحمّلها الرجل العراقي كل ما يريده ويراه , فينعكس ما فيه من الهموم فيها , فهي مرآة نفسه وصدى صراخات أنينه وحرمانه. وعندما يستجير بالخليج , لا يحصل إلا على الصدى وهو تعبير وتعزيز لمشاعر اليأس وعدم القدرة على الفعل والإبداع الحياتي العملي المتجدد المتسابق مع عجلات العصر الدوارة.
نعم إنه الصدى , فالواقع الذي حولنا هو الصدى الأصيل لما فينا , فما دام العجز سيدنا , فأن كل ما حولنا يبعثه ويشير إليه ويعبّر عنه بوضوح وبسالة.
 
أكادُ أسمعُ العراقَ يذخرُ الرعود
ويخزنُ البروقَ في السهولِ والجبال
حتى إذا ما فضّ عنها ختمَها الرجال
لم تترك الرياحُ من ثمود 
 في الوادِ من أثر 
أكادُ أسمعُ النخيلَ يشربُ المطر
وأسمعُ القرى تئنّ، والمهاجرين
يصارعون بالمجاذيفِ وبالقلوع 
عواصفَ الخليجِ والرعود، منشدين 
مطر.. مطر .. مطر 
في هذا المقطع تتلخص القصيدة بفكرتها الأصلية وما فيها من آليات التفاعل والحراك , فطاقات الحرمان المكبوتة بقوة مكابس الظلم والقهر والإستبداد والجهل والتبعية وسحق الإنسان وتجريده من آلة عقله , كلها تعودت الإنفجار بين حين وآخر , وحالما تنفجر تقضي على ما حولها وعلى نفسها , لأن الطاقات المنفلتة تكون عمياء مضطربة ومشوشة وتجهل العقلانية والحكمة وتنكر الهدوء , فما أن تنطلق حتى تصنع مأساة جديدة تساهم في ترسيخ متوالية المآسي العراقية. ويكون المطر عبارة عن متوالية هندسية من التداعيات والملمات القاسية التي تفتك بالشعب على مر العصور. فمن الذي يمتلك قدرات الخروج من هذه الدائرة المفرغة العراقية المأساوية الحزينة الدامعة المنهمرة الروح كالمطر؟!
 

  

د . صادق السامرائي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2016/12/30



كتابة تعليق لموضوع : قراءة نفسية لقصيدة أنشودة المطر!!
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق د.كرار حيدر الموسوي ، على هؤلاء من قتلنا قبل وبعد الاحتلال والحذر من عقارب البرلمان العراقي , رأس البلية - للكاتب د . كرار الموسوي : كتب : محمود شاكر ، في 2018/06/30 . يا استاذ.. كلما اقرأ لك شيء اتسائل هل انك حقيقة دكتور أم أنك تمزح هل انت عراقي ام لا .وهل انت عربي ام لا ...انت قرأت مقال وعندك اعتراض لنعرفه واترك مدينة الالعاب التي انت فيها وانتبه لما يدور حولك . وصدقني لايهمني امثالك من بقايا مافات

 
علّق نبيل الكرخي ، على فلندافع عن النبي بتطبيق شريعته - للكاتب نبيل محمد حسن الكرخي : بسم الله الرحمن الرحيم شكرا لمروركم اعزاء ابو علي الكرادي وليث، وفقكم الله سبحانه وتعالى وسدد خطاكم.

 
علّق نبيل الكرخي ، على السيد محمد الصافي وحديث (لا يسعني ارضي ولا سمائي) الخ - للكاتب نبيل محمد حسن الكرخي : بسم الله الرحمن الرحيم شكرا لتعليقك عزيزي علي. التحذير يكون من التغلغل الصوفي في التشيع وهناك سلسلة مقالات كتبتها بهذا الخصوص، ارجو ان تراجعها هنا في نفس هذا الموقع. اما ما تفضلتم به من اعتراضكم على ان الاستشهاد بهذا الحديث يفتح الباب على الحركات المنحرفة وقارنتموه بالقرآن الكريم فهذه المقارنة غير تامة لكون القرآن الكريم جميعه حق، ونحن اعترضنا على الاستشهاد بأحاديث لم تثبت حقانيتها، وهنا هي المشكلة. وشكرا لمروركم الكريم.

 
علّق رحيم الصافي ، على السكوت مقتضيات مرحلة وسياسة ادارة . - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : شيخي الفاضل.. ان من يحمل اخلاق الانبياء - حملا مستقرا لا مستودعا - لا يستغرب منه ان يكون كالنهر العذب الذي لايبخل بفيضه عن الشريف ولا يدير بوجهه عن الكسيف بل لا يشح حتى عن الدواب والبهائم.، وكيف لا وهو الذي استقر بين افضل الملكات الربانية ( الحلم والصبر، والعمل للاجر) فكان مصداقا حقيقيا لحامل رسالة الاسلام وممثلا واقعيا لنهج محمد وال محمد صلو ات ربي عليهم اجمعين.

 
علّق علي الدلفي ، على السكوت مقتضيات مرحلة وسياسة ادارة . - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : شيخنا الجليل انت غني عن التعريف وتستحق كل التقدير والثناء على اعمالك رائعة في محافظة ذي قار حقيقة انت بذلت حياتك وايضا اهلك وبيتك اعطيته للحشد الشعبي والان تسكن في الايجار عجبا عجبا عجبا على بقية لم يصل احد الى اطراف بغداد ... مع اسف والله

 
علّق محمد باقر ، على السكوت مقتضيات مرحلة وسياسة ادارة . - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : جزاك الله خير الجزاء شيخنا المجاهد

 
علّق احمد لطيف الزيادي ، على السكوت مقتضيات مرحلة وسياسة ادارة . - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : أحسنتم فضيلة الشيخ،ما تفضلتم به حقيقةٌ تأبى النكران فعندما نتمعن جيدابسيرة هذا السيد المبارك خلال حقبة مابعد الصقوط وكيفية تعامله مع الأحداث التي جرت في ضل تلك الحقبة ولازالت ومدى خطورتها بالنسبه للعراق والمنطقه نرى انه تعاطى معها بحكمة وسعة صدر قل نظيرها شهد بها الرأي العام العالمي والصحافة الغربيه فكان (أطال الله في عمره الشريف) على مدى كل تلك السنين الحافلة بالأحداث السياسيه والأمنية التي كان أخطرها الحرب مع تنظيم داعش الوهابي التي هزت العالم يحقن دماءًتارةً ويرسم مستقبل الوطن أخرى فكان أمام كل ذالك مصداقاً لأخلاق أهل البيت (عليهم السلام) وحكمتهم فلا ريب أن ذالك مافوت الفرص على هواةالمناصب وقطاع الطرق فصاروا يجيرون الهمج الرعاع هذه الفئة الرخيصة للنعيق في أبواق الإعلام المأجور بكثرة الكذب وذر الرماد في العيون و دس السم في العسل وكل إناءٍ بالذي فيه ينضحُ .

 
علّق احمد لطيف الزيادي ، على السكوت مقتضيات مرحلة وسياسة ادارة . - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : أحسنتم فضيلة الشيخ،ما تفضلتم به حقيقه تأبى النكران فعندما نتمعن جيدابسيرة هذا السيد المبارك خلال حقبة مابعد الصقوط وكيفية تعامله معها

 
علّق اسطورة ، على الصيدلي يثمن جهود مدير مدرسة الرفاه لافتتاحه مدرسة في ميسان - للكاتب وزارة التربية العراقية : رحم الوالديكم ما تحتاج المدرسة كاتبة

 
علّق مصطفى الهادي ، على الإسلام وقبول الآخر - للكاتب زينة محمد الجانودي : وما هي التعددية في عرفك اخ احمد ؟ ثم كيف تكون التعددية والاسلام على طول التاريخ سمح للمماليك ان يُقيموا دولة ، وامبراطوريات تركية ومغولية وفارسية ، لا بل كان هناك وزراء نافذون من اليهود والنصارى في الدولة الإسلامية على طول التاريخ ثم ألا ترى النسيج الاسلامي إلى اليوم يتمتع بخصائص تعددية الانتماء له ؟ ألا ترى أن الإسلا م إطار يجمع داخله كل الاعراق البشرية . وهل التعددية في المسيحية المتمثلة في أوربا وامريكا التي لازالت تعامل الناس على اساس عنصري إلى هذا اليوم . ام التعددية في الدولة العبرية اللقيطة التي ترمي دماء الفلاشا التي يتبرعون بها للجرحى ترميها بحجة أنها لا تتوافق والدم النقي للعنصر اليهودي. . ولكن يا حبذا لو ذكرت لنا شيئا من هذه الأدلة التي تزعم من خلالها ان الاسلام لا يقبل التعددية فإذا كان بعض المسلمين قد غيروا بعض المعالم فإن دستور الاسلام وما ورد عن نبيه لا يزال نابضا حيا يشهد على التسامح والتعددية فيه. هذا الذي افهمه من التعددية ، وإلا هل لكم فهم آخر لها ؟

 
علّق أحمد حسين ، على الإسلام وقبول الآخر - للكاتب زينة محمد الجانودي : الإسلام لا يقبل التعددية و الأدلة كثيرة و إدعاء خلاف ذلك هو اختراع المسلمين لنسخة جديدة محسنة للإسلام و تفسير محسن للقرآن.

 
علّق محمد عبد الرضا ، على كربلاء ثورة الفقراء - للكاتب احمد ناهي البديري : عظم الله لكم الاجر ...احسنتم ستبقى كربلاء عاصمة الثورات بقيادة سيد الشهداء

 
علّق مصطفى الهادي ، على عزاء طويريج وسيمفونية الابتداع - للكاتب الشيخ ليث الكربلائي : شيخنا الجليل حياكم الله . مسيرة الامام الحسين عليه السلام مستمرة على الرغم من العراقيل التي مرت بها على طول الزمان ، فقد وصل الأمر إلى قطع الايدي والأرجل وفرض الضرائب الباهضة او القتل لا بل إلى ازالة القبر وحراثة مكانه ووووو ولكن المسيرة باقية ببقاء هذا الدين وليس ببقاء الاشخاص او العناوين . ومسيرة الامام الحسين عليه السلام تواكب زمانها وتستفيد من الوسائل الحديثة التي يوفرها كل زمن في تطويرها وتحديثها بما لا يخرجها عن اهدافها الشرعية ، فكل جيل يرى قضية الامام الحسين عليه السلام بمنظار جيله وزمنه ومن الطبيعي ان كل جيل يأتي فيه أيضا امثال هؤلاء من المعترضين والمشككين ولكن هيهات فقد أبت مشيئة الله إلا ان تستمر هذه الثورة قوية يافعة ما دام هناك ظلم في الأرض.

 
علّق حكمت العميدي ، على الدكتور عبد الهادي الحكيم بعد فاجعة عزاء طويريج يقدم عدة مقترحات مهمة تعرف عليها : لو ناديت حيا

 
علّق منير حجازي ، على مع المعترضين على موضوع ذبيح شاطئ الفرات - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : نعم حتى في الكتاب المقدس امر الله بعدم تقبل ذبائح الوثنيين رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 10: 28 ( إن قال لكم أحد: هذا مذبوح لوثن فلا تأكلوا). توضيح جدا جيد شكرا سيدة آشوري. .

الكتّاب :

صفحة الكاتب : عبد الرحمن باجي الغزي
صفحة الكاتب :
  عبد الرحمن باجي الغزي


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

كتابات متنوعة :



 فواز الفواز يسجل الرقم القياسي بالتزوير والكذب  : امجد المعمار

 رمزية ( حجر ) في قصائد الشاعر يحيى السماوي  : جمعة عبد الله

 الثلاثون... بعدها يصمتون  : مصطفى منيغ

 ذكريات يوم كيبور  : مصطفى عبد الحسين اسمر

 وزارة الموارد المائية تواصل رصدها لتصاريف نهر الجهاد في محافظة واسط  : وزارة الموارد المائية

 العراق يودع بطولة آسيا على يد المنتخب الفيتنامي

 شيعوا نعش الطاهرة المظلومة  : فلاح السعدي

 خريطة العمل الوطنية في خطاب المرجعية ثالثاً : مكافحة الفساد  : عمار جبار الكعبي

 المعاون الفني لمحافظ ذي قار: يدعو مجلس ذي قار الى تشكيل لجان وتفعيل الدور الحقيقي للمجلس

 عدد الشيعة في العالم يرتفع إلى أكثر من 400 مليون نسمة أي مايعادل ربع عدد المسلمين في العالم

 مفتشية الداخلية تضبط مزورا متلبساً باصدار هويات أحوال وشهادات جنسية لدواعش مقابل المال

 شليلة و ضايع رأسها!  : قاسم محمد الخفاجي

 السيد احمد الصافي ممثل المرجعية الدينية العليا من قلب المعركة يوجه رسالة الى مقاتلي فرقة العباس القتالية تعرف عليها

 المذهب الاقتصادي الإسلامي... طريق الوسطية  : د . رزاق مخور الغراوي

 ائمتنا يشهدون اعمالنا الفصل : 7  : سيد جلال الحسيني

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net