صفحة الكاتب : صالح الطائي

تداعيات إعادة بناء المجتمع الإسلامي
صالح الطائي

إعادة البناء الإدراكي أو المعرفي (Cognitive restructuring) في العلوم الفلسفية والنفسية: هي عملية علاجية نفسية لتعليم كيفية التعرف على الأفكار غير المنطقية أو سيئة التكيف ومناقشتها. ويستخدم المصطلح عادة في الإشارة إلى النماذج العلاجية التي تشمل محاولة تعديل العوامل المعرفية، فالسلوك غير التكيفي، وفق هذا الأسلوب يعامل بوصفه نتاج للتفكير غير الوظيفي، وغير المنطقي. وبناء على ذلك ينظر إلى العلاج على أنه عملية تعلم داخلية، تشمل إعادة تنظيم المجال الإدراكي، وإعادة تنظيم الأفكار، ذات العلاقة بالروابط بين الأحداث والمثيرات البيئية المختلفة.(*) 

ولا ينكر أن المجتمع الإسلامي الأول تعرض إلى إعادة بناء بعد عصر البعثة مباشرة، وقد أحدثت عملية إعادة البناء هذه ـ على خلاف ما هي عليه في العلوم والفلسفة ـ خلطا تمكن من تعقيد الأمور، حتى بات من المتعذر الوصول إلى درجة اليقين في أمر ما، وذلك لعدم وجود سند نقلي كامل القبول من جميع الأطراف المتنافسة التي أفرزتها عملية إعادة البناء، مع استحالة وجود بادرة للاتفاق على صحة هذا الأثر أو ذاك بما يمكن الأخذ به، والبناء على ما جاء فيه، باستثناء القرآن الكريم، والقرآن كما هو معروف لا يهتم بالجزئيات ولا بالتواريخ والأسماء التوضيحية. 

وبالتالي لا غرابة في أن تولد كل تلك الفرق التي تتناقض عقائدها في أمة الإسلام، بل لا غرابة أن تولد الوهابية والسلفية والقاعدة وداعش في أحد الجانبين، وجند السماء واليماني والصرخي والحبيب وغيرهم في الجانب الآخر، ولا غرابة أن يتخذ المسلم تحت شعار (الله أكبر) قتل المسلم الآخر وسيلة لدخول الجنة، ونيل رضا الله تعالى، والفوز بفاتنات بلا عدد من حور العين والغلمان. فجميع هذه النتائج هي بالأصل مخرجات لتلك الثقافة؛ التي تكَّونَ منها تراثنا؛ الذي نعول عليه في الحصول على مناهج عقيدتنا وأخبار رموزنا!

إن كل ما حدث في بدايات القرن الهجري الأول كان المصدر المغذي لكل تلك التداعيات الجبارة التي صُبت على رأس الأمة، إذ لا خلاف أن الاختلاف في "الإمامة" في الأيام الأولى من العقد الثاني من بداية التاريخ الهجري، حيث لا زال الإسلام طريا، أحدث شرخا كبيرا في المجتمع، دفعه إلى التكتل الفرقي، ومن ثم تكوين مجموعات فاعلة جدا، إحداها كانت المجموعة السياسية ذات التطلعات والأهداف الدنيوية الكبيرة الكبيرة، التي أدركت بحدسها أنها أضعف من أن تصمد أمام مجموعة الخطوط العقدية، نظرا لما يتمتع به تلك الخطوط من قداسة تفتقد هي إليها، فأعمل فكرة وكثف جهوده لوضع نظرية بإمكانها أن تخلق له جيشا من المقدسين، بإمكانه أن يحولهم إلى معادل موضوعي يرجح كفته، وربما يعينه في تحقيق النصر، وعند هذه المرحلة بالذات، ولدت نظرية صناعة الأرباب، بسيطة، فطرية، تخطو على استحياء وخجل وربما خوف أيضا، لكنها لم تلبث إلا سنين قليلة حتى تحولت إلى قوة مهولة لها قدرة تحويل الأبيض إلى أسود، والأسود إلى ابيض، وخلط الأوراق، حتى لا يتمكن العامة من التمييز بين الحق والباطل، وهو ما حدث فعلا، وأدى إلى كل تلك الفوضى التي ملأت صحائف تاريخنا، والتي نعيش تداعياتها اليوم، حيث طغت صفة المقدس لا على المقدسين فعلا، وإنما على إمعات لا وزن لهم بالرغم من كبر أحجامهم ووضوح صورهم.

وبالتالي حدث الخلط بين الذروتين الدينية العليا، والسياسية الدنيا، وتحول الدين إلى وسيلة كسب واسترزاق، والعقيدة إلى إذاعة تروج للأفكار المنحرفة والشاذة، فعاد الإسلام أغرب مما كان عليه في أيامه الأولى، وصرنا بمجموعنا أبعد ما نكون عن ديننا؛ الذي ارتضيناه عقيدة!. 

يعني هذا أننا اليوم نقف أمام امتحان عسير، يستوجب منا إعادة التفكير في عدتنا القديمة وآلياتنا التقليدية، ووسائلنا البالية، وأساليبنا التقليدية العتيقة، والبحث عن عدة وآليات ووسائل وأساليب جديدة مبتكرة، ستأخذ منا وقتا وجهدا ثمينا لمجرد التعَوُّدْ على استخدامها والعمل بها، وحينما نكتشف قدراتنا الحقيقية ممكن أن ننجح في تنقية مشاربنا، والنجاة من الورطة التاريخية التي أدخلنا إلي وهادها السلف عنوة بسبب المماحكة التاريخية.

 

 

(*) ينظر: ديوي، جون(1859ـ1952)، إعادة البناء في الفلسفة، ترجمة: أحمد الأنصاري، مراجعة: حسن حنفي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2010. ص145.

  

صالح الطائي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2017/04/16



كتابة تعليق لموضوع : تداعيات إعادة بناء المجتمع الإسلامي
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



حمل تطبيق (بنك الدم الالكتروني) من Google Play

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق مهند العيساوي ، على زيارة وزير الخارجية الفرنسي للنجف .. دلالة وحيثية - للكاتب عبد الكريم الحيدري : احسنت التحليل

 
علّق حكمت العميدي ، على العراق يطرد «متجسساً» في معسكره قبل مواجهته قطر : ههههههههه هذا يمثل دور اللمبي

 
علّق سفيان ، على مونودراما(( رحيـق )) نصٌ مسرحيّ - للكاتب د . مسلم بديري : ارجو الموافقه باعطائي الاذن لتمثيل المسرحيه في اختبار لي في كليه الفنون الجميله ...ارجو الرد

 
علّق جعفر جواد الزركاني ، على أي قوة تحمل لديك سيدي السيستاني؟! - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : كلام جميل جدا اني من الناصرية نشكر الامام السيستاني دام ظله على الشيخ عطشان الماجدي الذي دافع عنا وعن المحافظة ذي قار واهم شي عن نسائنا والله لو لا هو لم يدز الدعم لوجستي وايضا بالاموال للحشد شكرا له

 
علّق علي حسن الخفاجي ، على أي قوة تحمل لديك سيدي السيستاني؟! - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : الله يحفظك شيخنا الفاضل على هذا الموضوع راقي نحن ابناء الناصرية نشكر سماحةالشيخ عطشان الماجدي على ما قدماه للحشد ولجميع الفصائل بدون استثناء ونشكر مكتب الامام السيستاني دام ظل على حسن الاختيار على هذا شخص الذي ساعد ابناء ذي قار من الفقراء والايتام والمجاهدين والجرحى والعوائل الشهداء الحشد الشعبي والقوات الامنية ولجميع الفصائل بدون استثناء الله يحفظك ويحفظ مرجعنا الامام السيستاني دام ظله

 
علّق احمد لطيف ، على أي قوة تحمل لديك سيدي السيستاني؟! - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : بالتوفيق ان شاء الله شيخنا الجليل

 
علّق حكمت العميدي ، على كريم يبتسم.. قبل أن يرحل...!! - للكاتب احمد لعيبي : هنيئا لارضك ياعراق الشهداء استقبالها لابطال حملتهم ارضك ودافعوا عن عرضك لتبقى بلدي الجميل رغم جراحك ....

 
علّق ميلاء الخفاجي ، على محمد علي الخفاجي .. فقيد الكلمة الشاهدة ...قصيدة (الحسين ) بخط الخفاجي تنشر لاول مرة - للكاتب وكالة نون الاخبارية : والحياء عباءة فرسانه والسماحة بياض الغضب ،،،،،، يا خفاجي!! انت من كان خسارة في الموت..

 
علّق منير حجازي ، على الحلقة الثانية:نبوءة كتاب الرب المقدس : من هو قتيل شاطئ الفرات ؟ Who is the Euphrates Slaughtered Man in the Holy Bible? - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : السؤال الكبير الذي طرحتهُ السيدة إيزابيل على كل من اعترض على مقالها : (نبوءة كتاب الرب المقدس : من هو قتيل شاطئ الفرات ) سؤال واضح لم تُجيبوا عليه . دعوا عنكم تشكيكاتهم حول الخارطة والمكان والاشخاص والوقائع ، انها سألت سؤال ووجهته إلى كافة المسيحيين على اختلاف ثقافتهم ، فتقول : تقولون بأن المعركة حدثت بين جانبين وثنيين وهذا صحيح ، ولكن في هذه المعركة التي تقع على شاطئ الفرات قال الرب (إن الله ذبيحة مقدسة). السؤال هو من هذه الذبيحة المقدسة ؟ وهل الذبائح الوثنية فيها قدسية لله؟ إذن موضوعها كان يدور حول (الذبيحة المقدسة) بعيدا عن اجواء ومكان واشخاص المعركة الآخرين. انا بحثت بعد قرائتي لمقالها في كل التفسيرات المسيحية فلم اجد مفسرا يخبرنا من هي الذبيحة المقدسة الجميع كان ينعطف عند مروره في هذا النص . والغريب انا رأيت برنامج قامت المسيحية بإعداده اعدادا كبيرا وجيدا على احد الفضائيات استعانت فيه بأكبر المنظّرين وهو (وحيد القبطي). الذي اخذ يجول ويصول حول تزوير الخارطة وعبد نخو ونبوخذ نصر وفرعون ولكنه أيضا تجاهل ذكر (الذبيحة المقدسة). واليوم يُطالعنا ماكاروس ( makaryos) بفرشة حانقة قبيحة من كلماته ولكنه ايضا انحرف عن مساره عندما وصل الامر إلى (الذبيحة المقدسة). عندكم جواب تفضلوا على ما قالته السيدة ايزابيل ، فإن لم يكن عندكم جواب اسكتوا أو آمنوا يؤتكم اجركم مرتين

 
علّق حسين مصطفى ، على ضعف المظلومين... يصنع الطغاة - للكاتب فلاح السعدي : جميل جدا

 
علّق احمد علي احمد ، على مركز الابحاث العقائدية التابع للسيد السيستاني يجيب عن شبهات حول التقليد : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هناك احاديث وروايات تتكلم عن ضغطة القبر هذا بالنسبة الى من يدفن اما من يموت غرقا او حرقا فكيف تصيبه ضغطة القبر ولكم جزيل الشكر

 
علّق موسى جعفر ، على الاربعينية مستمرة رغم وسوسة الادعياء - للكاتب ذوالفقار علي : السلام عليكم بارك الله بك على هذا المنشور القيم .

 
علّق علي غزالي ، على هل كان يسوع متزوجا؟ دراسة خاصة. اسرار تصدر المجدلية في الإنجيل بدلا من العذراء مريم . - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : اختي الفاضلة لايخلوا التاريخ الاسلامي من التزييف حاله حال التاريخ المسيحي رغم وجود قران واحد قد فصل فيه كل مايتعلق بحياة المسلمين فكيف بديانات سبقت الاسلام بمئات السنين وانا باعتقادي يعود الى شيطنة السلطة والمتنفذين بالاظافة الى جهل العامة . واحببت ان انوه انه لا علاقة برسالة الانبياء مع محيطه العائلي كما في رسالة نوح ولوط فكم من رسول كان ابنه او زوجته او عمه كفروا وعصوا... تقبلي احترامي لبحثك عن الحقيقة.

 
علّق محمد مصطفى كيال ، على الساعة ؟! - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : السلام عليكم ورحمة الله سيدتي ساختصر الحكايه من اولها الى اخرها هي بدات بان الله سبحانه خلق الملائكة وابليس وكانوا يعبدون الله ثم اخبرهم بخلق ادم؛ وان يسجدوا له كانت حكمة الله ان ادم صاحب علم الامور التي لم يطلع عليها الملائكة وابليس سجدوا الا ابليس تكبر على ادم لعن ابليس العابد المتكبر مكر لادم كي لا يكون ادم في حال افضل اخرج ادم من الفردوس ابني ادم قتل منهم الضال المؤمن الانيبء؛ رسل الله؛ اوصوا اتباعهم بالولايه للولي.. صاحب العلم. السامري قيض قيضة من اثر الرسول. القوم حملوا اوزارا من زينة القوم. المسيحية والاسلام ايضا.. قبض قيضة من اثر الرسول بولص (الرسول). قبض فبضة من اثر الرسول ابو بكر (الخليفه). اصبح دبن القوم الذي حاربه المسيح دين باسم المسيح. اصبح الدين الذي حاربه النبي محمد دين باسم دين محمد. فقط ان الاسلام المحمدي كان نقطة التحول قابيل لم يستطع القضاء على هابيل رغم ما تعرض له هابيل على مدار اكثر من 1400 سنه.. بل هابيل دائما يزداد قوه. هي الثصص الربانيه.. انها سنن الله .. دمتم في امان الله.

 
علّق zuhair shaol ، على الكشف عن خفايا واسرار مثيرة للجدل خلال "مذكرات" ضابط مخابرات عراقي منشق عن نظام صدام حسين - للكاتب وكالة انباء النخيل : بصراحه ليس لدي اي تعليق وانما فظلا ولا امرا منذ مده طويله وانا ابحث عن كتاب اسمه محطة الموت 8سنوات في المخابرات العراقيه ولم اجده لذا ارجوكم اذا كان لديكم هذا الكتاب هل تستطيعون انزاله على النت لكي اراه بطريقة ال PDF ولكم مني جزيل الشكر. عذرا لقد نسيت ان اكتب اسم المؤلف وهو مزهر الدليمي..

الكتّاب :

صفحة الكاتب : وداد فاخر
صفحة الكاتب :
  وداد فاخر


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

كتابات متنوعة :



 مصر... وذرية الإمام الحسين (ع) مقام زيد بن علي زين العابدين (ع)  : د . احمد قيس

 ماذا بوصفِكَ يأتي مقولُ اللسنِ  : رزاق عزيز مسلم الحسيني

 عاشوراء ووعي الأستقبال  : اسامة العتابي

 الضربة العسكرية لأوباما ووزيره كيري  : برهان إبراهيم كريم

 وزيرة الصحة والبيئة تناقش سبل الاسراع بانجاز المشاريع الصحية  : وزارة الصحة

 الندى وهدية السماء  : عطا علي الشيخ

 البند السابع ولغة الحوار الداخلي  : واثق الجابري

 بومبيو: تهديدات أردوغان ضد الأكراد لن تمنع انسحابنا من سوريا

 شركة اثير للاتصالات تقيم مؤتمراً تعريفيا حول خدماتها الخاصة بموظفي الدولة  : وزارة النقل

  من قصص الفرهود في الزمن المجيد  : صالح الطائي

 موقف الأزهر فتوى أم مؤامرة؟  : قيس المهندس

 الاكاديمية الالمانية\ العراق  : هادي جلو مرعي

 الهاشمي: المالكي والأسد مسؤولان عن القتل في العراق  : وكالات

 الرد القاصم على تناقضات الصرخي الواهم ...2

 كم سيكون سعر كرسي رئاسة الوزراء؟؟؟؟

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net