الديمقراطية في مجتمعاتنا: الكائن المسخ
حكمت البخاتي

 لعل الديمقراطية لا تخرج عن اطارها في الغرب وأعنى اطارها الاجتماعي والثقافي فهي متكيفة تماما مع الغرب على صعيد التاريخ منذ الاغريق، وعلى صعيد الفلسفة منذ عصر التنوير، وعلى صعيد الممارسة العملية وفق اطروحتها التنويرية منذ علمنة الدولة في الغرب.

لقد اشبعت الديمقراطية بروح الغرب وشبعت منها روح الغرب حتى كانت تخمتها في صعود الاتجاهات اليمينية في اوربا الغربية والولايات المتحدة الاميركية، ويبدو أن جارتها في امريكا الجنوبية تأثرت بموجة اليمينية فتراجعت القوى اليسارية في الحكم فاسحة المجال من خلال الانتخابات والادانات -البرازيل مثلا– الى صعود الأحزاب والشخصيات اليمينية في هذه القارة التي عرفت صراعا مريرا من أجل الاستقلال والعدالة والديمقراطية. لعل ذلك ما حدث مع ترامب وحماس والاخوان واعادة انتخاب اردوغان وصعود الطبقة غير المؤهلة للحكم في بلدنا.

وهو ما يذكرنا بجدية أقوال منتقدي الديمقراطية مثل افلاطون الذي يرى في حكم الشعب لنفسه تعبير عن إمكانية حكم الشهوات والرغبات، وهو يستند في ذلك الى رؤية أستاذه سقراط، ويتمثل هذه النظرة عند سقراط ايضا توماس جفرسون فهو يعتبر الديمقراطية تمكين في حكم الغوغاء، لكن تاريخ الديمقراطيات في الغرب تفند هذه المقولات لكنها لا تلغيها او تنسخها.

فالديمقراطية التي نشأت في ظل تطورات البرجوازية اقتصاديا وسياسيا ومن ثم اجتماعيا، ظلت تعمق صلتها بالرأسمال وأنظمته السياسية في الغرب حتى طبعت تماما برؤى وتصورات الرأسمالية في الحريات الاربعة الاقتصادية والسياسية والدينية والشخصية.

وكان التعبير الاكثر دقة عنها في سياسات الولايات المتحدة الخارجية باقترانها بالمصالح العليا للولايات المتحدة الامريكية. كلنا يتذكر صراع الرؤى الامريكية داخليا حول مرور مبادئ حقوق الانسان وما اعتادته السياسة الامريكية على تسميتها بالقيم الامريكية مرورها من خلال هذه المصالح أو مرور هذه المصالح من خلال هذه القيم.

لكن امريكا حسمت موقفها اخيرا بمرور هذه القيم من خلال مصالحها، كان ذلك هو جوهر وروح مشروع الشرق الاوسط الكبير الذي فشل بحكم تحول الديمقراطية او هذه القيم المعرفة اميركيا (بقيمنا) الى كائن مسخ في مجتمعات الشرق التي كانت تضطرب فيها الرؤية حول أولويات النخب او من نستطيع وصفهم بالطبقة الوسطى، وبين أولويات الأفراد العاديين في هذه المجتمعات والتي تحولت الى طائفية من خارج إرادتها و حقيقة الصراع فيها.

لقد كان الخلل واضحا في بنى إطروحات مجتمعنا وتنافس أولوياتها نتيجة الانقسام الطبقي والثقافي في هذه الازمة الصاخبة والتي بدأت تتوسع اقليميا حتى بلوغ حدودها دوليا.

لقد ركزت النخب والطبقة الوسطى على مبادئ حقوق الانسان والمواطنة واقامة دولة القانون، وهي المبادئ التي استمدتها من معرفة الحداثة التي كانت ولازالت تفرض رؤاها وتصوراتها على أفكار وتطلعات النخب في مجتمعاتنا، وكانت بذلك تتوافق وتتأقلم مع تصورات الغرب وتدخل بقوة في حسابات المراهنة الاميركية على نجاح مشروعها في المنطقة، وبذلك اتخذت حليفا كان من الممكن ان يتحول بالنسبة اليها الى حليف استراتيجي، لكن خطأ المعادلة الامريكية ادى الى حيرة أو ازدواجية موقف هذه النخب تجاه المشروع الامريكي.

وخطأ المعادلة الامريكية في إصرارها على نسخ الديمقراطية في مجتمعات لا تزال تعيش في هواجس وقلق وإنغلاقات ما قبل الحداثة. فاستحال النسخ الى مسخ، لعلنا نجد في اولويات الافراد العاديين ومطالب الشرائح الدنيا والواسعة في هذه المجتمعات تفسيرا في انقلابات الديمقراطية نحو الكائن المسخ.

 لقد كانت تلك المجتمعات ترزح تحت سلطة الفقر والعوز في عالم حديث اتسم الدخول اليه بالغنى والثروة، وحتى لم تعد المعرفة بما تشكله من اهمية وقوة في الحداثة أو إمكانية الدخول الى عالم حديث من خلال ما تقدمه من عناصر الفهم والادراك لطبيعة التحولات الحداثوية، لم تعد تشكل المعرفة تلك الاولوية، بقدر ما يشكله الغنى والثروة – شعوب ودول الخليج إنموذجا.

 لقد طبع هذا العصر بقوة بالاقتصاد بحجم القوة التي صعقت بها الرأسمالية هذا العالم، فالعالم الحديث هو إمتياز رأسمالي بلا منازع، وبالقدر الذي تقوم به الرأسمالية أو تتأصل في الغنى أو الثروة فإنها تدع الفقر والعوز والحرمان أهم مقارناتها في اثبات صحتها وأصالتها وصحة تنظيرها. فالرأسمالية لم تعد بعالم سعيد في أدبياتها بقدر وعودها وتبشيرها بإمكانية صناعة فرد سعيد، وليس هناك أكثر اشمئزازا من الرأسمالية تجاه المشاعية أو الأفكار الاشتراكية، وأخيرا جعلت هذا الفرد السعيد ضمن حدود دولها حصرا بل منعت بقية الافراد من دخول دولها إمعانا في هذا الحصر والامتياز الخاص بأفرادها وهو ما يفسر قرارات ترامب في الهجرة وسياسات اليمين الألماني والفرنسي تجاه المهاجرين.

وهكذا تولدت عملية صراع ثلاثي الأطراف بين اولويات النخب في مجتمعاتنا واولويات الشريحة الاكثر تضررا اقتصاديا واجتماعيا من سياسات بلدانها، وبين مشروع رأسمالي–اميركي لم يعد جدير بالثقة من وجهة نظر النخب، واصطدم بروحه الاستهلاكية المخادعة بالفقراء والمحرومين، وفي ثنايا ذلك الصراع تم مسخ الديمقراطية مرة أخرى عبر صعود قوى الى السلطة والحكم غير جديرة بالفهم الديمقراطي وغير متماهية مع فلسفة الديمقراطية، لقد كان التبرير الأكثر مسخا للديمقراطية لدى هذه النخب أنها آلية للوصول الى السلطة والحكم وليس فلسفة في الادارة السياسية للبلدان، وهو ما ينطبق على ترامب واوردغان وطريقة وعقلية الحكم في بلدنا.

حكمت البخاتي

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2017/04/21



كتابة تعليق لموضوع : الديمقراطية في مجتمعاتنا: الكائن المسخ
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق محمد مصطفى كيال ، على هل هو علي ؟ - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : انني عندما ابحث عن اليهوديه على طريق يوشع بن نون او المسيخيه على طريق الصديق بطرس؛ فانني ابحث عن الاسلام على طريق علي.. عليهم السلام جميعا.

 
علّق محمد مصطفى كيال ، على هل هو علي ؟ - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : انني عندما ابحث عن اليهوديه على طريق يوشع بن نون او المسيخيه على طريق الصديق بطرس؛ فانني ابحث عن الاسلام على طريق علي.. عليهم السلام جميعا.

 
علّق حميد ، على عبد الرزاق عبد الواحد من رحاب الإمام الحسين ... إلى رثاء الطاغية صدام حسين ... ؟! - للكاتب خيري القروي : كيف تصف محمد باقرالصدر بانه حسين العصر انت لا تفهم شيئا على الاطلاق .

 
علّق احمد الموسوي ، على الأدراك ..بداية التغيير - للكاتب شيماء العبيدي : معلومات قيمة عن عملية التلقي وتفسير واختيار وتنظيم المعلومات الحسية لدى الفرد ... استمتعت بالقراءة بانتظار الجديد بالتوفيق

 
علّق falih azzaidy ، على بداية عداء حسن الكشميري للسيد السيستاني دام ظله هو عدم اعطائه وكالة بقبض الحقوق الشرعية! - للكاتب الشيخ محمد الاسدي : بعد اطلاعي على المقال استطيع الفول ان السيد حسن كشميري مجرد حاقد وتافه

 
علّق د. محمد العراقي ، على تحول بوصلة البعض إلى (الدفاع عن قطر ومساندتها) .. دليل آخر على صدق مقولة المرجع الديني الأعلى - للكاتب جسام محمد السعيدي : اليوم تمتلك الحكومة العراقية فرصة ذهبية وهي التقدم بشكوى ضد قطر في مجلس الامن لدعمها الارهاب في العراق باعتراف خمسة دول اقليمية بالاضافة لاعترافات الرئيس الامريكي ودول اوربية ... وسوف ينتج من ذلك على اصدار قرار فوري من مجلس الامن على تغريم قطر ودفع تعويضات للعراق ... بالاضافة ان قطر سوف تفضح باقي دول الخليج بنفس التهمة وعلى العراق ان يستفيد منها ايضا.

 
علّق د. محمد العراقي ، على تحول بوصلة البعض إلى (الدفاع عن قطر ومساندتها) .. دليل آخر على صدق مقولة المرجع الديني الأعلى - للكاتب جسام محمد السعيدي : ارسال الغذاء اليومي للشعبي القطري ليس معناه مساندة الحكومة القطرية على جرائمها بل هو عمل انساني بالدرجة الاولى كما لو تعرضت قطر لكارثة كونية ... وبالدرجة الثانية يتجلى البعد السياسي هو لمنع الطغيان السعودي من ابتلاع قطر ، ومسادة قطر اليوم سيجعل الخلاف دائم بين دول الخليج و سيسهم في أضعافهم وفضحهم وانشغالهم فيما بينهم وابعاد شرهم عن العراق ودول المنطقة.... وبخلاف ذلك معناه اصطفاف مع آل سعود لفرض هينتهم على المنطقة.

 
علّق كاظم جابر البكري ، على ليبرمان :  تصحيح التاريخ يأتي بهذا الموقف !!!  - للكاتب رفعت نافع الكناني : ااحسنت التوضيح ابو محمد .. وبارك الله بك ..الغوص في المجهول يكلفنا الكثير من الجهد .. وما هدْه الأزمه التي تمر بها قطر .. اعتقد انها غيمه بلا مطر .. انها مجرد تحريك لكشف الغطاء غير الحقيقي للواقع الخليجي .. والمعد بسيناريو يشبه ما حدث للكويت حين عصت اخوتها فأمسكوا لها عصا غليظه اعادت لها هيبتها من جديد من خلال التعويض .

 
علّق محمد الوائلي ، على دلائل حب الله ورسوله وأهل بيته الطاهرين - للكاتب كريم حسن كريم السماوي : تحية للكاتب المبدع كريم حسن السماوي المحترم مقال في منتهى الروعة لماتحمله من مفاهيم قيمة تنير العقل وتجعله يبصر حقائق لم تعرف من قبل وأتمنى باقي الكتاب أن يحذو حذوه لكي نعرف مايكمن خلف السطور من حقائق فلسفية وأصولية مهمة. محمد الوائلي

 
علّق موسى الناصري ، على الرد على احمد القبانجي في محاضرته (نقد الاعجاز القرآني) - 9/10 - للكاتب نبيل محمد حسن الكرخي : اين اراءه بالاعجاز والرد عليها هذه افكار عامة طرقها القبانجي

 
علّق مروان زنكي سعدية ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة بالنسبة لعشيرة زنكي في السعديه او عموم ديالى غيرت اصولها الى عشائر ثانية لان لايوجد شيخ لهم في السنوات الماضية والان المهمة الصعبة الى ابنها النشمي عصام زنكي وانشاء الله ان يلم الشمل الزنكي

 
علّق نعمة منعم هادي التميمي ، على شكوى إلى السيد رئيس الوزراء الإستاذ نوري المالكي ..السلام عليكم : اني المواطنة المنكوبة من جراء الطائفية من قبل اخوة زوجي كوني من خدام الحسين واهل الشيع وكون اهل زوجي من اصاب السنة الموالين للنظام السابق وبعد سيل الاهانات والاعتداءات قاموا بسلب بيت زوجي الذي اشتراه من حر ماله والله عنوة كي ننفصل ولكون عقولهم الوسخة التابعة للحزب السابق لاتنطلي علينا لم نوافق عاى طلبهم ومشكلتي الان اني بامس الحاجة الى البيت كي نبيعه ونعالج بنتنا الوحيدة وليس لدي حيله معهم فهم غدارون... ارجوك ياسيادة الرئيس يامن عرف عنل بالحق والعدالة اعدل معي في قضيتي بالقوة والحق فقد عرفت دوما بالشجاعة وانت الفارس الذي نرجو منه حل مشكلتنا ردي لي بيتي من اهل الظلم كي اعالج بنتي فقد غلقت الابواب بوجهي الابابك بعد الله..استحلفك بحق بنتي المريضة وبحق كل طفل ملريض ظلمته جاهلية الطائفية ان تعيد لي بيت زوجي وتمكنني ممن ظلمني باسرع وقت قبل ان تذهب بنتي مني..مع فائق احترامي وشكري الى شخصكم الكريم.

 
علّق مهيب ال زنكي سعدية ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : حي الله ولد عمي والف شكر على من سعى بالتجمع وحي الله ابن عمنا الشيخ عصام زنكي في محافظة ديالى

 
علّق احمد شجاع زنكي كركوك ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : سلام عليكم نحن عشيره زنكي في كركوك مانعرف شيخنا ونحن الاصل ديالى كفري

 
علّق احمد الزنكي السعدية ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : السلام غليكم اولاد عمومتي في كربلاء وبغداد وديالى وكركوك الكل ال زنكي الف تحية من ارض اجدادكم ال زنكي في السعدية اول سؤالي الى الشيخ عصام الزنكي شيخنا كلنا معاك على التجمع وانشاء الله نكون سيوفا في يمناك لاكن الكثير من ال زنكي الان مع عشاءر محتلفة .

الكتّاب :

صفحة الكاتب : عقيل العبود
صفحة الكاتب :
  عقيل العبود


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

إحصاءات :


 • الأقسام : 18 - التصفحات : 74969436

 • التاريخ : 25/06/2017 - 13:21

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net