صفحة الكاتب : د . محمد تقي جون

المنامة الخامسة والستون تلاشي لغتنا
د . محمد تقي جون

لاحظ ابن سيَّا مبكراً من حياة العراق المأساوية، ومنذ الحرب الإيرانية تحديداً، أن الألفاظ بدأت تتقلص والمعاني تنقص، والسليقة العربية ما تبقـّى منها يغور، والخيال اللغوي يتعذر على العثور، فينطلق كلام الناس بوضع وازدواج (عَرَجْنبي) لا يحسه ويدركه إلا من استشعرَ وتبحَّرَ.
 ثم تلت عظائم الجرائر والمصائب الكبائر، وتوالى التولي عن اللغة الأصيلة، وضعف البيان: الفصيح والمحلّي. وبدا إحساس الناس بضياع واختصار القاموس اللغوي والاقتصار منه على جُمل وكلمات بعينها فصار الحديث كليشهات جاهزة.
وأضاف الحصار الاقتصادي (المتفق على حدوثه) صفة الجوع إلى اللغة وأصوات الناطقين فاختفت دسومتها من الشفاه، وعلت يبوستها وامَّحت لزوجتها، فأضيف إلى خواء الحال خواء القال. وشيئاً فشيئاً اختلفت أماكن نطق الحروف من جهاز النطق الجمعي، فبعضها زلفت وبعضها ازدلفت، فأضيف بهذا خلل إلى أصوات الجمل. 
وقد بدا لابن سيَّا أن اللغة العربية بهذا الجمود والتقلص يسهل تعلمها حتى على أغبياء الغرباء؛ لأنها لا تحتاج إلى همَّة عالية ولا مهارة غالية.. إلا انه هرب من هذه الفكرة كلها. ربما لأنه لم يحتمل أن تنتهي العربية إلى هذا المصير.. وأردف: " أفٍ وأوفْ.. كنت أحزن على ما أكتشف من ضياعات في الناس والبلد حتى وقعتُ على ضياعٍ لا يجارى شراً وشرراً وهو ضياع اللغة.. إنها مؤامرة على القرآن لأنه ينهض باللغة العربية فإذا قوِّضت يتقوض".
وقال " لقد ضيعنا العربية حين صارت إلى لغة (عربية بحلّة أجنبية)! لكثرة الألفاظ الأجنبية، والمعاني المترجمة، والاعتماد والاستناد إلى السياق والأسلوب الأجنبي. ولما تركنا لغتنا العربية بأصولها وتحصيلها استبدالا بالأجنبية، تحولنا من رجل فصيح إلى تمتام يصيح.. وما الناس البسطاء بأفظع حالا من المثقفين المتعجرفين وهم يتحذلقون ويرطنون بلغتهم المسخ ".
إن تراجيديا تراجع اللغة من وجهة نظر ابن سيَّا هي إطار لصورة الضياع الشامل في العراق وأمة العرب. وليس مبرراً تشاغل الناس وتغافل المراقبين واهتمامهم الكامل بسواها من القضايا: فقد وموت، ثكل وقتل، وحرْبٍ وحَرَب. فان بؤس اللغة وراء كل بؤس. فتحديث اللغة وحفظها من الغزو والضعف والقلة وغيرها مهمة تضطلع بها الدولة ومجمعات اللغة وأهل الاختصاص والمثقفون والفنانون والناطقون بها كافة.
لقد قتل بقتل لغتنا الذوق العام، مما جرَّ إلى تقبُّل الحياة بلا طعم. كما جرَّ اختفاؤها إلى ظهور التلفيق والدجل بعدما اختُرقت حجب الحق والصدق التي تمنحها السليقة.. وهذا أدى إلى استفحال الخطاب السياسي واستيناث الخطاب الثقافي؛ فتأنثت القصيدة والخطبة والمقالة والفقرة والجملة والحرف، وتأنثت مقاومة الناس حتى مقاومة أجسامهم لكل ومختلف الأمراض، مما أدى إلى تفشي الضعف وتقويّ الانهيار، وتقدم السياسي المصنـَّع وتراجع المثقف والمبدع.
كان الإهمال من الأعراب الأقحاح أولاً، وترك الاستعمال من السلاطين الحكام غير العرب ثانياً، والاحتلالات وحكام الاحتلالات ثالثاً.. وراء انبطاح لغتنا العربية التي ستنتهي مروراً بالسطحية البهائمية والاشارية الحشراتية إلى تمتمة وخرَس حتماً ما لم يهرع الجميع إلى انتشالها". هكذا لخص ابن سيَّا وخلص من موضوع اللغة المؤرق الذي ما انفك كابوساً وما فتئ بوسا. وأنشدَ في رثاء لغتنا العربية وهو يشتدّ:
كانت إذا ما نُطقت    أجملَ ما ينطقُ فمْ
يفهمها الأعجم من    هول بيانها الأعمّْ
وان تلاها اخرس    أفصح نطقاً وأتمّْ
تطير عنقاءً من الشعــر جناحاها النغمْ
كأنها الملك عبيـــــده اللغات والأمم
فأصبحت كالهيكل العظمي أو (جلدْ وعظم)
تراجعت من الجمــــال لمجرد الفهمْ
اليوم لا ترقــى على (لفظٍ مفيدٍ كاستقمْ)
ان سامها الأعراب تركا فذوتْ منـذ القدمْ
فقد محتها الاحتلالاتُ وجــورُ من حَكَمْ
ثم غدت راكضةً     إلى التلاشي والعدمْ
ستغتدي محضَ إشارات بلا نطـــق بفمْ
حتى تعودَ خرَسَاً     بعد الكلام أو بَكَمْ
كلغة النحل أو النمــل أو الصمت الاصمْ

د . محمد تقي جون
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2017/06/18



كتابة تعليق لموضوع : المنامة الخامسة والستون تلاشي لغتنا
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق ستار موسى ، على ايران وتيار الحكمة علاقة استراتيجية ام فرض للامر الواقع !  - للكاتب عمار جبار الكعبي : المقال لم يستوعب الفكرة ايها الكاتب

 
علّق محمد المقدادي التميمي ، على الرد على رواية الوصية وأفكار اصحاب دعوة أحمد البصري - للكاتب ياسر الحسيني الياسري : الف رحمة على والديك مولانا اليوم لدي مناظرة مع اتباع احمد البصري واستنبطت اطروحاتك للرد عليهم جزاك الله الف خير

 
علّق رشيدزنكي خانقين كهريز ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : كم عدد عشيرتنا وكم فخذ بعد الهجرة من ديالى الى كركوك والموصل وسليمانية وكربلاء

 
علّق سالم خانقيني زنكي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : اهلا وسهلا بالشيخ عصام زنكي في خانقين عشيرة الزناكية مسقط اجدادنا القدماء وسلامنا الى زنكي كربلاء

 
علّق رشيد حميد سعداوي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : سلام عليكم احنة عشيرت زنكي قي ديالى سعدية ونحن الان مع شيخ برزان زنكنة وهل زنكي نفسة زنكنة ارجو الجواب اذا ممكن

 
علّق علي حسين ، على قراءة انطباعية في بحث.. (بين يوم الطف ويوم الحشد الأكبر.. للشيخ عماد الكاظمي) - للكاتب علي حسين الخباز : بسمه تعالى : يُريدون أن يطفئوا نور اللّه بأفواههم ويأبى اللّه إلّا أن يتم نوره ...، لقد أدرك الأعلام المضاد المتمثل في زمنين لايمكن لنا أن نصِفهُما منفصلين عبر حقبة زمنية بل هي امتداد الهي يستنسخه في فترات تمرّ بها الأمّة بأفكار ضحلة تتداعى أخلاقيات بشرية الى رتبة النزعة الوحشية فيأتيها ( نور ) يسمو بها الى رتبة الوحي السماوي الذي منه انطلق قائد معركة كربلاء بثلة وعت ففهمت ثمّ َ نمَت لتشكل عُرى ً عقائدية سوّرة بها مجتمعاً أمسك بسفره الذي قرأه قراءة واقعية تجسدة بفعلٍ أخلاقي تنامى عبر جيناته الوراثية ،وهذا متأتي من جوهر صلد لا تغييرهُ عواصف ريح ٍ تتغير بأتجاهات وتقلباتٍ شيطانية بأفكار ( حزب الشيطان) الغير منتظم بتجمعات سكانية بل فكرية جافة ،وهي بهذا تصور لنا عبر سلوكياتها نموذج واقعي لما مرّت به معركة كربلاء ،وهذا رد واضح وآية كبرى من معجزات كربلاء أن تتجسد بشخوصها سلباً وإيجاباًعلى نحو الاثبات والأنتصار للحق كونه فكرا يحفظه اللّه الى يوم القيامة ويتجدد بصور متماثلة تبقى تشحن الذات الإيمانية بمشروعية المشروع الحسيني للاصلاح والذي تجدد على يد الامام علي الحسيني السيستاني دام عزه وبقاءه .

 
علّق احمد البشير ، على المُهرّج : أحمَد البَشير ـ شَو ـ مَـاسونِي غَـشِيم - للكاتب نجاح بيعي : تم حذف التعليق لاشتماله على عبارات غير لائقة  الادارة 

 
علّق حكمت العميدي ، على العتبة الحسينية المقدسة تكذب قناة الشرقية وتنفي اتخاذ عقوبة ادارية بحق احد مسؤوليها : قناة الشرقية هي نسخة ثانية من قناة الجزيرة الفضائية المقيته الوقحة سلمت يداك يامدير المدينة انت وكل كوادر العتبة الحسينية المقدسة المحترمين فالقافلة تسير ......

 
علّق جعفر الصادق صاحب ، على السيد السيستاني دام ظله يجري عملية جراحية لاحدى عينيه تكللت بالنجاح : الله يحفضه

 
علّق د.عبير خالد يحيي ، على الخارج من اللحد - للكاتب عماد ابو حطب : إصدار مبارك بإذن الله ، تحياتي للمبدع دكتور عماد أبو حطب

 
علّق هاشم ، على الانتخابات وطريقة حساب المقاعد  - للكاتب سامي العسكري : كل من يدفع باتجاه رفض نسبة ١.٩ هو مؤمن بالمحاصصة على اوسع نطاق شاء ام ابى ... لقد عايشنا عمليات الابتزاز السياسي والسيطرة على مقدرات المحافظات وخلق حالة من حالات عدم الاستقرار بسبب كتل حصلت على مقعدين من مجموع ٣٠ مقعد في مجلس المحافظة وكانت المساومات علنية .. تاخر في تشكيل الحكومة وحالة من حالات عدم الاستقرار والصراع المستمر منذ ٤ سنوات والى اليوم .... محاولة حشر الكتل الصغيرة ضمن خارطة تشكيل الحكومات في المرحلة المقبلة هي دعوة للاستمرار في عدم استقرار الوضع السياسي وفتح ابواب الابتزاز والتحكم على مصاريعهاوتجسيد للمحاصصة بابشع صورها .... مع ملاحظة اننا في هذا القانون امام استحقاق هو نصف عدد المجالس السابقة يعني اننا امام اصطفافات ستزيد الطين بله في جميع الاتجاهات...

 
علّق د . احمد الميالي ، على الانتخابات وطريقة حساب المقاعد  - للكاتب سامي العسكري : عتماد نظام سانت ليغو بكل صيغه المعدلة يعبر عن حالة سلبية تتعلق بالمبدا وليس بالنتيجة وهي ان السواد الاعظم من المرشحين لن ولم يحققوا القاسم الانتخابي وان ٣٠ او ٤٠ مرشح فقط يستحقون الصعود لمجلس النواب ولهذا لابد من تشريع قانون انتخابات يراعي توجهات الناخب العراقي المتمثله بخياراته المحدودة بانتخاب الرموز السياسية والدينية وهذا منطقي ويجب ان نعترف به ،اما النخب والمستقلين فلا ضير ان يحدد لهم فقرات معينه بالقانون لموائمة صعودهم وخاصة ان قواعدهم الشعبية ضعيفة كان يكون بقاعدة الصعود للاعلى اصواتا تو اختيارهم من قبل رئيس القائمة او صاحب اعلى الاصوات في الكيان مع مراعاة الكوتا النسوية والاقليات

 
علّق aaljbwry230@gmail.com ، على العمل تطلق قروض المشاريع الصغيرة لمحافظة نينوى عن طريق موقعها الرسمي - للكاتب وزارة العمل والشؤون الاجتماعية : اين اجد الاستمارة

 
علّق وليد مثنى جاسم ، على العمل تطلق قروض المشاريع الصغيرة لمحافظة نينوى عن طريق موقعها الرسمي - للكاتب وزارة العمل والشؤون الاجتماعية : قرض

 
علّق عبود مزهر الكرخي ، على الأعراف العشائرية ...وما يجري في مجتمعنا حالياً / الجزء الاخير - للكاتب عبود مزهر الكرخي : الشيخ العزيز مصطفى هجول الخزاعي السلام عليكم ورحنة الله وبركاته لقد فرحت كثيراً بردك الكريم على المقال لأني وجدت أن من هناك الناس الخيرة من أبناء وشيوخ العشائر والذين نتأمل منهم أصلاح هذا الحال المنحرف والمعوج في عشائرنا أي وكما يقال عندنا في العشائر اصحاب حظ وبخت وقد أثريت المقال بردك الكريم. شاكرين لكم المرور على الموضوع. وتقبل مني كل المحبة والامتنان. أخوك عبود مزهر الكرخي.

الكتّاب :

صفحة الكاتب : محمد حسين الغريفي
صفحة الكاتب :
  محمد حسين الغريفي


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

إحصاءات :


 • الأقسام : 20 - التصفحات : 79240343

 • التاريخ : 16/08/2017 - 18:13

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net