صفحة الكاتب : امال كاظم الفتلاوي

ثورة الشوق
امال كاظم الفتلاوي

(1)
صرخة شوق
تنفس الصبح بنور الشمس.. عاكسا التفاؤل في النفوس مع إشراقة يوم جديد تلتمس الناس حلول البركة فيه.. لم تغمض عيون (أم جاسم) ولم تر للنوم طعما.. أّرقها القلب على أولادها في سوح القتال؛ فهي تعّد كل المقاتلين أولادها لأنها لم تنجب سوى البنات؛ أما جاسم فقد اختار لقاء ربه منذ صغره.. وذهب إلى عالم افضل وأوسع وأجمل.. قضت ليلتها وهي تدعو و تقيم نوافلها لعل الله يستجيب لها بحسن الخاتمة التي ترددها ليل نهار في تراتيل صلواتها.
بدأ صباح (أم جاسم) يختلف عن الصباحات الأخرى.. إذ عزمت على الالتحاق بأولادها.. فضميرها لم يقبل بأن تنام على فراش وثير وهم يتوسدون الثرى، بل ويأبى لها أن تنعم بدفء وهم يلتحفون السماء.. فـ " كيف لقلب أرقه الفراق أن ينعم بالهدوء؟ وكيف ستعزي السيدة زينب الحوراء عليها السلام في مصابها وهي بعيدة عنهم؟ وهل ستقبل سيدة الخدر بهذا القليل؟ كلا وألف كلا "، تحدثت أم جاسم مع نفسها وأكملت: " هل ستقبل سيدة النساء تعزيتي وانا اقبع في داري متوسدة فراشي انعم بالدفء وأولادي هناك يلتحفون السماء؟ أين صرختي التي أصرخها في كل عام مع كل هلال لعاشوراء (ألا من ناصر ينصرني)؟ ها هي الفرصة مؤاتية لما لا أطبق ما أقول.. وإلا فأن صراخي أنما كان رياء ا! أين مواساتي لسيدتي وهي تُسبى؟ هل كانت دموعي بلا هدف؟ هل كان لطمي وأنيني مجرد لحظات عاطفية أفرغت فيها شحنات حزني العميق على إمامي الحسين وانتهى الأمر؟ هل ستعود مأساة الطف من جديد؟ هل ستقيّد الأغلال معاصم زينب والرباب وسكينة مرة أخرى؟ هل سيُذبح عبدالله من الوريد إلى الوريد من جديد؟ وهل ستُباع بناتي في سوق النخاسة؟
انتفضت أم جاسم والدم يغلي في عروقها... تفقدت بناتها الغافيات في أمان على أسرتهن.. رأت على وجوههن البراءة بكل معانيها ترتسم بريشة الكرى الذي أضفى جمالا على جمالهن.. ربطت على قلبها.. تحزمت بالصبر.. عزمت على الرحيل إلى مكان يوصلها إلى الجنان وتهنأ عيونها بالنوم فيه، وتكحلها بتراب مزجته دماء الشهداء بعبق الجنان وشذى رفرفة أجنحة الملائكة فيه.. مكان احتضن أولادها حيهم وميتهم.. طوقهم بأكاليل الشرف والغيرة.. ودعت بناتها وهي تلتفت أليهن قائلة: " لن ادع أيدي النخاسين تصل أليكن أبدا ما حييت ".
(2)
شوق العقيدة
لاحت السواتر من بعيد لام جاسم.. استبشرت خيرا وخفق قلبها جذلا يكاد يقفز من مكانه لولا أن ربط عليه الحياء درعا من الأيمان.. اقبل أليها أولادها وهم يستغربون تواجدها الذي أثار انتباههم..
ـــ  ما بكم يا أولادي؟ (تحدثت أم جاسم)... أهكذا تستقبلون أمكم؟ انتم من يصنع أمل الحياة، وما أتيت الا لأسقي هذا الأمل وأحييه في نفوسكم.
أجابها احد الأبطال.
ـــ  نحن نخاف عليك يا أماه!!
رمقته بنظرة مزجت فيها العتاب والحنان، وقالت:
ـــ  وهل من لديها أولاد مثلكم تخشى شيئا؟! أنا هنا بأمان أكثر معكم، أنا أواسي سيدتي ومولاتي زينب عليها السلام؛ وها أنا اقوي عزيمتكم واعتني بكم وأتفقد جريحكم وجائعكم، وأجلي هم من به هم منكم... يا بني وجودي معكم يشجعكم.. يعطيكم فيضا من الشجاعة والعزم على دحر هؤلاء الأعداء.. أريد أن يرى إمامي المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف اثر خطواتي على هذه الصحراء، وان يسمع واعيتي وانا اشّد من أزركم أيها الأبطال.. أريد أن أشارككم في الأجر.. فهل تستكثر عليّ هذا الثواب العظيم.. لقد تركت حج بيت الله تعالى هذا العام لأنني عاهدت ربي والنبي الأكرم صلى الله عليه واله بأني لن اذهب إلى مكة إلا وراية النصر بيضاء ترفرف بيدي، فهل انتم على استعداد أن تعينوني في أداء نذري وعهدي؟! فقد تركت بناتي غافيات في أمان انتم تصنعونه لهم.. وتركت أحبتي وبيتي لأرافقكم.. فانتم عندي أغلى.. لأنكم أولادي.
(3)
مع الأبناء
احتضنت تراب السواتر.. فهو عندها أغلى من التبر والجواهر.. تراب في كل ذرة منه سِفر يحكي لها تاريخ هذه الأرض المعطاء التي احتضنت ستة من الأئمة المعصومين ومن الأولياء الصالحين الكثير، ويمشي على أرضها الإمام الموعود الذي يحوطها بدعواته المباركة.. ستكون بداية ثورة الإصلاح العالمية.. نعم هي الأرض التي تفترشها أم جاسم.. في كل يوم ترسم بقامتها صورا من الوفاء لأبطال عدتهم كأولادها وأكثر.. أعطتهم من حنان الأمومة ومن صلابة الأبوة ومن الأيمان بالقضية ما جعلهم فرسان لا يُشق لهم غبار.. احتوت بكفيها خيوط السماء.. واختصت بدعواتها أبنائها المجاهدين.. احتضان السواتر كانت أمنية عشقت تحقيقها.. هي معهم تشحذ هممهم.. آلت على نفسها أن لا تعود إلى بيتها إلا بعد أن تنال أحدى الحسنيين.
ليل أم جاسم متواصل مع نهارها.. فهي لا تعرف للنوم طعما إلا ساعتين تبدأ بهما بعد أن تنهي صلاة الليل معشوقتها الأبدية.. تنام بعد الساعة الثانية صباحا لتستيقظ في الرابعة صباحا.. تبدأ بعملها الدؤوب.. تتفقد أولادها.. ترعى المريض، تواسي الحزين، تعطي المحتاج، تعد لهم الطعام بكميات كبيرة.. حينما يتعرضون لهجوم من العدو تكون أول من يتصدى له، ويشتعل في قلبها جنون عابس، لأنها ترى أن أعدائها هم انفسهم أحفاد الشمر وال أمية؛ فلا تشعر بنفسها إلا وهي تقاتلهم بشراسة.. هنا يجن جنون أولادها فيتسابقون من يصل إليها أولا ليدفع عنها الخطر.. هذا ديدن أم جاسم في تلك السوح التي ضمت معسكر الحسين عليه السلام.. تدافع عنهم ويدافعون عنها.. في كل يوم تعيش قصة من قصص الطف؛ كتبها التاريخ بصفحات العز والفخر.. وما تزال حكايا أم جاسم مستمرة لم تنتهي.

امال كاظم الفتلاوي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2017/06/19



كتابة تعليق لموضوع : ثورة الشوق
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق ابو مهدي ، على تدليسات الغزي وجماعته - للكاتب باسم اللهيبي : السلام عليكم لا يخفى عليكم كثرة هؤلاء منتحلي العلم والتدين ولكن عتبنا عليكم هو عدم توضيحكم لحقيقتهم ومن يدفعهم وهل هم مرتبطون ببعض ام يعملون منفردين بدأ"من الضال المضل فضل الله الى الحيدري (عجيب سوء العاقبة والعياذ بالله) الى الغزي الى ياسر العودة الى والقائمة تطول والكل يستهدف المرجع المقدس الخوئي وأتذكر من اكثر من سنتين ذكر الشيخ جلال الصغير السبب لان اغلب المراجع هم كانوا طلاب السيد ولا اتذكر دقة الكلام فطلبي منكم اذا ممكن ذكر كل شخص ودوافعه ومن يدعمه ولماذا ولو بتفصيل لكي يتنبه الناس والشيعة خاصة ولكم مني جزيل الشكر والامتنان

 
علّق ابو مهدي ، على الحكم الشرعي لتهنئة أهل الكتاب في عيد رأس السنة الميلادية : السلام عليكم بخصوص المسلم المتزوج لو أراد الزواج المؤقت من الكتابية على ضوء التقليد السيد السيستاني كيف يكون الحل وانا ادرس في الغرب هل هناك من مخرج واخشى الوقوع في الحرام وكما في أدناه لة / 399 : لا يجوز للمسلم المتزوّج من مسلمة التزوّج ثانية من الكتابية , كاليهوديّة و المسيحيّة , من دون إذن زوجته المسلمة ، و الأحوط وجوباً ترك التزوّج بها و لو مؤقتاً ، و إن أذنَتْ به الزوجة المسلمة ، و لا يختلف الحكم في ذلك بين وجود الزوجة معه و عدمه .[3 الأحوط وجوبا هل يمكن الذهاب لمرجع اخر مع الشكر ووفقكم الله

 
علّق ابو مهدي ، على عندما ينتحلُ الذئبُ العمامة ( 2 ) تكذيبٌ واتِّهامٌ وإقرار - للكاتب الشيخ احمد الدر العاملي : السلام عليكم اعتقد انه في القران الكريم في سورة يوسف ذكر الرب وقال له (ليس بالنص) اذكرني عند ربك الفائل يوسف عليه ونبينا وآله السلام وأبو طالب عليه السلام قال انا رب الإبل وللبيت رب يحميه. عجيب امر هؤلاء مالهم كيف يحكمون

 
علّق محمد ثابت زنكي سعدية ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : سلام عليكم اخوان ماكو حاليا الا القليل من ال زنكي غيرو من مايقارب 400 الى عشيرة زنكنة والان معروفيين بالزنكنة وانهم بالاصل ال زنكي والشيخ عصام زنكي الشيخ في ديالى موجود ونحن مع الشيخ عصام زنكي في لم الشمل الزنكي

 
علّق محمد عزام الطائرالحافى ، على شرعنة جنس أدبي جديد - للكاتب عبد الرزاق عوده الغالبي : رغم عقليتى البسيطة وثقافتى المتواضعه الا ان حبى للعلوم وخاصة علوم الاداب جعلنى اقرأ وبشغف ورغم قفزى من بعض الفقرات لعدم قدرتى على الاستيعاب الا اننى شعرت بنشوة التذوق والاحساس والملامسه لهذا الابداع الكبير وما بذل من مجهود رائع فى الوصول الى تلك الفكره وهذه النتائج وكم هى رائعه بكل المقاييس التى لا امتلكها ولكن احس بها واتلمس مظاهر التجديد

 
علّق محمد مصطفى كيال ، على هل هو علي ؟ - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : انني عندما ابحث عن اليهوديه على طريق يوشع بن نون او المسيخيه على طريق الصديق بطرس؛ فانني ابحث عن الاسلام على طريق علي.. عليهم السلام جميعا.

 
علّق محمد مصطفى كيال ، على هل هو علي ؟ - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : انني عندما ابحث عن اليهوديه على طريق يوشع بن نون او المسيخيه على طريق الصديق بطرس؛ فانني ابحث عن الاسلام على طريق علي.. عليهم السلام جميعا.

 
علّق حميد ، على عبد الرزاق عبد الواحد من رحاب الإمام الحسين ... إلى رثاء الطاغية صدام حسين ... ؟! - للكاتب خيري القروي : كيف تصف محمد باقرالصدر بانه حسين العصر انت لا تفهم شيئا على الاطلاق .

 
علّق احمد الموسوي ، على الأدراك ..بداية التغيير - للكاتب شيماء العبيدي : معلومات قيمة عن عملية التلقي وتفسير واختيار وتنظيم المعلومات الحسية لدى الفرد ... استمتعت بالقراءة بانتظار الجديد بالتوفيق

 
علّق falih azzaidy ، على بداية عداء حسن الكشميري للسيد السيستاني دام ظله هو عدم اعطائه وكالة بقبض الحقوق الشرعية! - للكاتب الشيخ محمد الاسدي : بعد اطلاعي على المقال استطيع الفول ان السيد حسن كشميري مجرد حاقد وتافه

 
علّق د. محمد العراقي ، على تحول بوصلة البعض إلى (الدفاع عن قطر ومساندتها) .. دليل آخر على صدق مقولة المرجع الديني الأعلى - للكاتب جسام محمد السعيدي : اليوم تمتلك الحكومة العراقية فرصة ذهبية وهي التقدم بشكوى ضد قطر في مجلس الامن لدعمها الارهاب في العراق باعتراف خمسة دول اقليمية بالاضافة لاعترافات الرئيس الامريكي ودول اوربية ... وسوف ينتج من ذلك على اصدار قرار فوري من مجلس الامن على تغريم قطر ودفع تعويضات للعراق ... بالاضافة ان قطر سوف تفضح باقي دول الخليج بنفس التهمة وعلى العراق ان يستفيد منها ايضا.

 
علّق د. محمد العراقي ، على تحول بوصلة البعض إلى (الدفاع عن قطر ومساندتها) .. دليل آخر على صدق مقولة المرجع الديني الأعلى - للكاتب جسام محمد السعيدي : ارسال الغذاء اليومي للشعبي القطري ليس معناه مساندة الحكومة القطرية على جرائمها بل هو عمل انساني بالدرجة الاولى كما لو تعرضت قطر لكارثة كونية ... وبالدرجة الثانية يتجلى البعد السياسي هو لمنع الطغيان السعودي من ابتلاع قطر ، ومسادة قطر اليوم سيجعل الخلاف دائم بين دول الخليج و سيسهم في أضعافهم وفضحهم وانشغالهم فيما بينهم وابعاد شرهم عن العراق ودول المنطقة.... وبخلاف ذلك معناه اصطفاف مع آل سعود لفرض هينتهم على المنطقة.

 
علّق كاظم جابر البكري ، على ليبرمان :  تصحيح التاريخ يأتي بهذا الموقف !!!  - للكاتب رفعت نافع الكناني : ااحسنت التوضيح ابو محمد .. وبارك الله بك ..الغوص في المجهول يكلفنا الكثير من الجهد .. وما هدْه الأزمه التي تمر بها قطر .. اعتقد انها غيمه بلا مطر .. انها مجرد تحريك لكشف الغطاء غير الحقيقي للواقع الخليجي .. والمعد بسيناريو يشبه ما حدث للكويت حين عصت اخوتها فأمسكوا لها عصا غليظه اعادت لها هيبتها من جديد من خلال التعويض .

 
علّق محمد الوائلي ، على دلائل حب الله ورسوله وأهل بيته الطاهرين - للكاتب كريم حسن كريم السماوي : تحية للكاتب المبدع كريم حسن السماوي المحترم مقال في منتهى الروعة لماتحمله من مفاهيم قيمة تنير العقل وتجعله يبصر حقائق لم تعرف من قبل وأتمنى باقي الكتاب أن يحذو حذوه لكي نعرف مايكمن خلف السطور من حقائق فلسفية وأصولية مهمة. محمد الوائلي

 
علّق موسى الناصري ، على الرد على احمد القبانجي في محاضرته (نقد الاعجاز القرآني) - 9/10 - للكاتب نبيل محمد حسن الكرخي : اين اراءه بالاعجاز والرد عليها هذه افكار عامة طرقها القبانجي.

الكتّاب :

صفحة الكاتب : سليم الخليفاوي
صفحة الكاتب :
  سليم الخليفاوي


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

إحصاءات :


 • الأقسام : 18 - التصفحات : 75244316

 • التاريخ : 28/06/2017 - 23:57

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net