استراتيجية الأخلاق الشيعية.. الحشد الشعبي مثالاً
محمد علي جواد تقي

أن يتحول ظهر جندي الى سلّم تنزل منه امرأة موصلية من شاحنة تقلّها مع أخريات من النازحات خلال فترة الحرب على داعش، فهذا يمثل مشهداً انسانياً باهراً وغير مسبوق في المعارك بأي مكان في العالم، انه ابتكار لتقديم أقصى ما تجود به النفس لمساعدة تلكم النسوة و إنقاذهنّ من آثار الحرب، بيد ان الدوافع الكامنة في نفس هذا الجندي وغيره ممن فعلوا الشيء نفسه في اماكن اخرى، لها امتداد تاريخي عميق يصل الى صدر الاسلام، وتحديداً عند شخص النبي الأكرم، صل الله عليه وآله، ومن بعده الامام علي، والأئمة من بعده، عليهم السلام، قابلوا الاساءة والاستفزاز والعداوة والبغضاء، بالحلم والعفو، فجسدوا مبدأ "العفو عند المقدرة" في ظروف مختلفة.

ان رؤية المجتمع الاسلامي في صدر الاسلام الى أهل البيت، عليهم السلام، لم تكن متبلورة بشكل كامل، فلم يكونوا كما يعتقد بهم انسان اليوم، إنما كانت هنالك رموز وقوى اخرى مهيمنة وفارضة نفسها للطاعة، لذا لم يكن الأئمة المعصومون، وحتى النبي الأكرم، في عيون الغالبية العظمى من الناس، سوى اشخاص صالحين، يتميزون عن الآخرين بطيب القلب وصفاء النفس، رغم المعاجز والمواقف والاعمال العظيمة في شتى مجالات الحياة، رغم أن هذه الاعمال والمواقف الكبيرة ذات التأثير المباشر على حياة الناس، كانت مقرونة بأعمال ومواقف من نوع آخر، فهي ليس فقط أنقذت حياة المسلمين والامة بتلك الضربة الخالدة يوم الخندق، ولم تنقذ جنود الحر التابعين للجيش الأموي من الظمأ بسقيهم الماء، هم وخيولهم ايضاً، ولم تحفظ فتيات المدينة المنورة من حملة الاستباحة المشؤومة تاريخياً، ولم تفتق جدار العلوم وتؤسس لأول مرة في التاريخ، جامعة متكاملة تخرج مئات العلماء في شتى الميادين والحقول، بيد أنه على المدى البعيد تركت تلك المواقف والاعمال العظيمة بالغ التأثير على حياة الامة وحضارتها، لانها أحيت الحب والايمان في النفوس على مر الاجيال والعصور، وهذا حصل بفضل بقاء سيف علي البتار في الحروب، في غمده خلال تعامله مع معارضيه، والامام الحسين، في مواعظه لجيش عمر ابن سعد و رثائه لحالهم وعاقبتهم، ودعاء الامام السجّاد لأهل الثغور من جنود الدولة الاسلامية التي لم يحكمها قط، فكانت النتيجة بلورة تلك الرؤية والوصول الى الحقيقة، منذ تلك الايام وحتى يومنا هذا، ليس فقط المسلمون من عرفوا الحقيقة، بل حتى غير المسلمين ايضاً.

وعندما نتحدث عن اهمية الانتصار العسكري على تنظيم داعش في الموصل وإلحاق الهزيمة به في معظم المناطق العراقية، فنحن نتحدث عن الابعاد الواسعة لهذا الانتصار، وانه ليس فقط انتصاراً عسكرياً، إنما انتصاراً للحقيقة والقيم، فالمعارك التي دارت رحاها طيلة السنوات الثلاث الماضية في المناطق التي احتلها داعش، كانت ضمن الازمة الطائفية والاجتماعية التي مر بها العراق طيلة الفترة الماضية، بمعنى أن الحشد الشعبي وجهاز مكافحة الارهاب والشرطة الاتحادية، لم يحرروا مناطق شيعية احتلها داعش عنوة، إنما جاء تحت شعار "نصرة اخواننا السنة"، فأي نوع من المساعدة يقوم بها القوات الامنية لانقاذ النساء والاطفال والجرحى وغيرها، يخرج عن مهامهم العسكرية ويدخل ضمن النشاط الانساني المفترض وجوده في الساحة من قبل مؤسسات ومراكز نراها منتشرة في الاردن ومصر والخليج وتركيا تنادي بما تدعيه "حقوق السنّة" او ما يتعرض له المدنيون في مناطق القتال للتشريد والقتل وغيرها من التحديات.

واذا كان للبعد العسكري والسياسي تأثيره على سمعة العراق وقواه المسلحة وتحديداً الحشد الشعبي خلال الفترة الراهنة، فان للبعد الانساني و الاخلاقي تأثيره على المدى البعيد (ستراتيجياً)، وذلك من خلال رصد عدة نقاط:

أولاً: إبعاد المعركة عن الصراع الطائفي المعد له سياسياً واعلامياً ومالياً و مخابراتياً من جهات عربية ودولية، فمنذ عام 2006 حيث اندلعت أعمال العنف الدامية في العراق، كانت الساحة مفتوحة أمام هذه الجهات للشحن الطائفي البغيض بالتضليل والتزوير وتغييب الحقائق، حتى جاءت فتوى الجهاد الكفائي لتلد حشداً شعبياً ينطلق في دوافعه للقتال من الايمان والاخلاق والغيرة على الارض والعرض قبل التفكير بالنصر على العدو.

ثانياً: إظهار حقيقة التشيع الى أصغر فرد في المجتمع السنّي بالعراق ثم للرأي العام العربي والاسلامي، وأن القيم والمبادئ هي الضابطة للسلوك والمواقف مهما كانت الظروف قاسية، ولو أن هذا تبين بعض الشيء خلال استقبال العوائل النازحة من الفلوجة الى كربلاء المقدسة في الفترة التي سبقت الاجتياج الداعشي عام 2014، وأن التشفّي والانتقام الجماعي والتنكيل ليس من أخلاق مدرسة أهل البيت، عليهم السلام، التي تمثل كامل المنظومة الاخلاقية في الاسلام.

ثالياً: الحفاظ على التضحيات وسجل المظلومية الشيعية منذ ثلاثة عقود في ظل نظام صدام، وبعدها في ظل الارهاب التكفيري المتمخض من فلول ذلك النظام مدعوماً من جهات اقليمية ودولية.

فقد بات واضحاً حجم الجهد المبذول لتغييب أرقام المقابر الجماعية من معتقلات صدام في الثمانينات، والاعدامات الجماعية بعد قمع الانتفاضة عام 1991، وغيرها من الجرائم البشعة ضد ابناء المجتمع الشيعي لا لذنب ارتكبوه إلا أن نطقوا بالهوية والرأي والانتماء فقط، فجاء اليوم الذي نسمع في بعض وسائل الاعلام، بأن ما عدد ضحايا "الارهاب" بعد سقوط الطاغية صدام، اكثر بكثير من ضحايا صدام نفسه!

ولو يتسنّى للجثث ان تتكلم ليتضح السبب في ذبح الشيعة في مثلث الموت شمال محافظة بابل، وفي المناطق الاخرى، وما قبله من الاعدامات والانتهاكات البشعة في سجون صدام، كما يتضح السبب في سقوط القتلى من المدنيين خلال تطهير مناطقهم من تواجد الجماعات الارهابية طيلة السنوات الماضية، منذ ظهور "القاعدة" ثم اضمحلالها، وظهور "داعش".

وكلما كان زاد التعويل على ستراتيجية الاخلاق في ميدان المعركة، كلما كسبنا معارك أخرى تواجهنا في قادم الأيام، فالحرب ليست كل شيء، إنها نقطة انفجارية لحالة من الاحتقان والتوتر، ثم تخبو وتنتهي إن عاجلاً أم آجلاً، وتبدأ المعركة في ميدان الثقافة والفكر والاقتصاد والسياسة.

ولا ننسى أن الحشد الشعبي، اضافة الى تجاربه العسكرية وسمعته الطيبة بشكل عام في العالم، فانه ايضاً يشكل عمق ستراتيجي للمجتمع والامة التي سيكون ابناؤها جنوداً لهذه المعركة القادمة والواسعة الابعاد أمام القوى المعادية التي تكيد ليس فقط للتشيع وإنما للإسلام بشكل عام، فلابد من أدوات فاعلة ومؤثرة لتحقيق الانتصار.

محمد علي جواد تقي

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2017/07/17



كتابة تعليق لموضوع : استراتيجية الأخلاق الشيعية.. الحشد الشعبي مثالاً
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق محمد كاظم الصحفي ، على العتبة الحسينية تتبنى توثيق "زيارة الأربعين" وتعلن فتح باب التسجيل في جامعة وارث : تحرير الخبر جدا ممتاز

 
علّق علي علي ، على صح النوم يالجامعة العربية - للكاتب سامي جواد كاظم : تتألق كعادتك في الوصف والتوصيف، سلمت أناملك

 
علّق مكية حسين محمد ، على الهيئة العليا للحج تنشر اسماء المشمولين بالقرعة التكميلية لـ 2018 : عفوا اريد اعرف اسمائنه موجودة بالقرعة

 
علّق وسام سعداوي زنكي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : نتشرف بكل زنكي مع تحياتي لكم وسام ال زنكي السعدية

 
علّق محمد صنكور الزنكي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : حياكم الله ال زنكي ديالى وحيا الله الشيخ عصام الزنكي في مدينة البرتقال الزنكية

 
علّق صايغن الزنكي كركوك ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : اخوكم صايغن من عائلة الزنكي في كركوك حي المصلى نتمنى التواصل مع كل زنكي في العراق

 
علّق محمد مندلاوي ال زنكي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : ال زنكي مندلي غير متواصلين مع عمامهم حاليا نتمنى من الشيخ ال زنكي شيخ عصام هو ابن عمنة ونريد الانظمام مع عمامنا ال زنكي في جميع انحاء ديالى محمد المدلاوي مندلي

 
علّق خالد القيسي ، على أنا وشارع المتنبي - للكاتب خالد القيسي : أصبت كبد الحقيقة أستاذ حميد الموسوي فيما يخص نخبة من بعض الكتاب والمثقفين الذي لا أرى ولاء وهم في عيونهم عما يحدث في البلاد ..فمسؤولية المثقف المساهمة في انشاء مجتمع سليم في البلد بعد التغيير والسعي الى الدفاع عنه بالقلم والكلمة الصادقة ..وتوفرت حرية التعبير في الرأي لبناء بلد مستقر والوقوف معه ..لا ما يتفق مع رغبات البعض في النقد الذي يصدع ولا يبني . شكرا لمرورك الطيب باضافة أغنت الموضوع بما يجب ..وفد تغيب عن المرء أشياء رغم أن المادة اعتمدت السخرية والنقد فيما أرامت .

 
علّق ضد الحركات المنحرفة ، على ما الغاية التي خرج من اجلها الحسين ؟ - للكاتب حسن حمزه العبيدي : قبل ان تعلموا الناس على الاخلاق النبيلة علموا صرخيوس على أن يضبط لسانه حينما يقرأ ترهاته التي تصفقون لها فـ ( مرجع السب والشتم ) وانتم ستبقون شوكة في خاصرة التشيع مثيري القلاقل والفتن  . ولاتظن انك تستطيع بهذه المقالة ان تمرر مقالات اخرى فانتم مكشوفين حتى وان تخفيتم خلف اسماء ( استاذ أو دكتور او حتى خلف اسماء البنات في الفيس ايها المخنثون  ) .  فقضيتكم لاتتعدى ان نقرا لكم سطرين لنعرف نواياكم الخبيثة .  لم تجب على سؤالي أين ذهبت مباهلاتكم انتم ومدعي المهدوية !! سؤال اخر لصرخيوس لم يفدك تمجيدك بداعش وقولك انهم يتمتعون بالذكاء ولم يفدك حينما قلت على الفتوى انها طائفية انتصر الحشد بفتوى المرجعية اما انتم فالى مزبلة التاريخ فاين هربت هذه المرة ؟؟؟ فهل ستبقى في جحرك الجديد ام ستخرج بفتنة جديدة ابطالها ال سعود بعد ان قطعوا عنك المدد فبدأت بالتشنيع عليهم !!!  . 

 
علّق سلمان لطيف ال زنكي ديالى ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : السلام عليكم ال زنكي ديالى الان وقت ان نلتم مع كل عمامنا ال زنكي والف تحية لشيخ ال زنكي الشيخ عصام الزنكي في ديالى الخير اخوكم سلمان الحاج لطيف ال زنكي ديالى السعدية الشهيد حمدي

 
علّق شيروان خانقيني زنكي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : الله على ال زنكي في ديالى خانقين صايرين زنكنة اكراد لان لايوجد شيخ الزنكي في ديالى نتمنى من الشيوخ في ديالى ان يلتم الشمل

 
علّق حميد الموسوي ، على أنا وشارع المتنبي - للكاتب خالد القيسي : مع كل اجواء الحرية التي وفرتها عملية التغيير الا ان رواد شارع المتنبي ظلوا بعيدين عما يحدث في العراق دون تسجيل مواقف وطنية وكأنهم لا زالوا تحت وطأة الخوف والرعب التي زرعتها اجهزة القمع الصدامية . حتى تواجد كل هذه الجموع لا يشكل موقفا بل عبارة عن لقاءات باردة بين المثقفين وقضاءا للوقت . حتى باعة الكتب يشكون من ضعف المشتريات وكساد سوق الكتب.

 
علّق حسن حمزة العبيدي ، على ما الغاية التي خرج من اجلها الحسين ؟ - للكاتب حسن حمزه العبيدي : عن اهل بيت النبوة ( عليهم السلام ) : كونوا زيناً لنا و لا تكونوا شيناً علينا . فالسب و الشتم و التعدي على ارآء الاخرين ليس من منهج الاسلام و نبينا الكريم و أهل بيته الطيبين ( صلوات الله تعالى عليه و عليهم اجمعين ) فالاختلاف في وجهات النظر لا يجيز التعدي على كتابات الاخرين . و كنت اتمنى من القائمين على الموقع مراجعة التعليقات و اتخاذ موقف يبعث على الاعتدال و النظرة الموضوعية لكل التعليقات خاصة المنتهكة لشروط التعليق . و شكراً لكاتب التعليق ضد الحركات المنحرفة على طيب اخلاقه النبيلة

 
علّق ضد الحركات المنحرفة ، على ما الغاية التي خرج من اجلها الحسين ؟ - للكاتب حسن حمزه العبيدي : انت وصرخيك اساس بلاء الامة سؤال مقدما ... اين ذهبت مباهلاتكم انتم واليماني العجيب انك تخالف صريخوس حينما اعترف ببسالة وقوة وذكاء جنود داعش ونصح الحكومة وقوات التحالف بالتحاور معهم .

 
علّق احمد كفراوي الزنكي ديالى كفري ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : حياكم الله واجمل تجمع ال زنكي ديالى والشيخ عصام زنكي خيمة ال زنكي ديالى .

الكتّاب :

صفحة الكاتب : احمد الشهاوي
صفحة الكاتب :
  احمد الشهاوي


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

إحصاءات :


 • الأقسام : 25 - التصفحات : 87895821

 • التاريخ : 20/11/2017 - 17:35

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net