• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : وقفة مع سماحة السيد الحيدري (١) .
                          • الكاتب : الشيخ حسين المياحي .

وقفة مع سماحة السيد الحيدري (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

🔅 وأنا أتصفح القنوات الفضائية وقع بصري على تسجيل لسماحة الأستاذ السيد كمال الحيدري (حفظه الله تعالى)، من بعض القنوات الفضائية الوهابية, التي أعدّت برنامجاً خاصاً استضافت فيه عثمان الخميس، وقد طاروا فرحاً بما كانوا يسمعونه من سماحة السيد الحيدري بخصوص آية التطهير، وجعلوا ذلك وثيقة من الوثائق التي طالما عرضوها على شاشتهم لسماحة السيد وغيره. 

〽️ وفي واقع الأمر أنني لم أكن أعبأ بما تثيره تلك القنوات، لأنني أعتقد أنها قنوات دعائية لخدمة المخابرات الأجنبية، وليست قنوات علمية، كما أنني أدرك جيداً ما تهدف له تلك القنوات من إيقاع الفتنة بين الشيعة أنفسهم، لا بين الشيعة وغيرهم فحسب، لكن الذي لفت نظري أن سماحة السيد الحيدري كان يطرح ما لا يتناسب مع موقعه العلمي والاجتماعي، ولا مع ما كنت أعرفه عنه من دقة وإحاطة وتحقيق في تناول المطالب العلمية. 

ومن باب الأمانة وعدم الثقة بما يطرحه المخالفون، وما يقومون به من تقطيع وتشويه للتسجيلات، فقد ذهبت إلى موقع سماحته الرسمي على الانترنت، لأجد الدرس الثاني والخمسين، من تعارض الأدلة: العامل الثالث: ضياع القرائن(1). ثم بحثت في الموقع لأجد أن الدرس قد كُتب كتابةً نصية، فكفاني ذلك مؤنة الكتابة. 

إن الذي دفعني للكتابة في هذا الموضوع أمران: 
الأول: كثرة المغالطات التي لم تكن متوقعة من السيد الأستاذ (حفظه الله). 

الثاني: أنه كان يتطرق لآية التطهير، ويثير هالةً من الإشادة بما يثيره الوهابيون من بحث (جديد) في هذا الشأن، ويُضخّم كثيراً من إشكالاتهم الباهتة، ويشيد ببحثهم وعملهم الجاد،  وبالمقابل كان يقلل من شأن الحوزة العلمية الشيعية في هذ المجال، ويشير إلى أن (أساطين الفن المتصدين في قم) ممن كتبوا عشرات المجلدات لا يعلمون بهذه الإشكالات (الجديدة) وليست لديهم إجابة عنها.    
  
أقول ابتداءً لسماحة السيد الأستاذ (وفقه الله): إن القدر المتيقن لديّ ـ على قلة اطلاعي ـ أن علماءنا ومحققينا أشبعوا هذا الموضوع بحثاً وتحقيقاً، وما تطرقتَ إليه من إشكالات تراها (جديدة)، إنما هي من تخرصات حسين المؤيد وأمثاله من مراهقي البحث العلمي في هذه المجالات، أو من المخادعين في تلك القنوات، أو من رجال المخابرات الذين لا يفقهون أبجديات العلم، إنما جاء بهم الوهابيون للتحريض على الشيعة وشحن النفوس عليهم ودفعهم لإراقة دمائهم، وكان ذلك بالتحديد بعد حرب تموز سنة 2006 م، وقد أثمر ذلك الجهود بإنتاج (داعش) وأنت أدرى بما حدث ويحدث.      
 
وفي برنامج لي من قناة الولاية بعنوان (هويتنا)  كنت قد أجبت عن الكثير من تلك الإشكالات، ومنها ما يتعلق بآية التطهير، وأنها ليست آية ـ حسب زعم حسين المؤيد وأمثاله ـ  إنما هي جزء آية! ولا أدعي أنني أتيت بجديد إنما نهلت من معين أولئك الأعلام المحققين، مع تأملات جديدة وصياغة في العرض. 
فلم تأتِ ـ يا سيدي ـ بجديد، ولم تسبق أحداً لاكتشاف المجهول ، غاية ما في الأمر أنك بسبب انشغالك لم تطّلع على جميع ما يُنشر من نتاج الحوزة العلمية، فنأمل  أن لا تحكم على مجهول. 

وسوف أنتخب من الشريط المذكور بعض ما طرحته في خصوص آية التطهير، لنرى هل صحيح أن إشكالاتهم بهذا المستوى (التعجيزي) وأنها (جديدة) أم أنها أوهن من بيت العنكبوت وقد عفا عليها الزمن وتراكم عليها الغبار؟ 

لقد انتخبت من التسجيل المذكور إشكالين أساسيين، وتركت ما تبقى من ملاحظات كثيرة لست بصدد الخوض فيها، وهذان الإشكالان هما:  

أولاً  ـ نقل عن الوهابيين دعوى أن (آية التطهير) جزء من آية وليست آية، وهذه أحد المآخذ علينا (كما يقول السيد الحيدري) ويبدو أنه يؤيد هذا الإشكال كما هو واضح في كلامه التالي:  

 قال السيد الحيدري: 
(طيب كيف أنه نفصل مقطع من الآية لا آية, هذه ليست آية التطهير, هذه نصف آية, ونحن هذه من الاعتراضات التي أخذوها عليها, يقولون انظروا هؤلاء كيف يدلسون يقولون آية التطهير, نحن في القرآن لا توجد عندنا آية تطهير, نحن في القرآن عندنا ماذا؟ جزء من هذه الآية المباركة في سورة الأحزاب في الآية 33, قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ…} هذه جاءت في ذيل الآية ثلاثة وثلاثين من سورة الأحزاب وليست آية...)

فسواء كان السيد الحيدري بصدد تقرير الإشكال وإيضاحه وبيانه،  أم تأييده، فلا فرق، وسوف نجيب عنه بغض النظر عن التوصيف:

🔸 الجواب: هذا الإشكال لم يكن مطروحاً لدى السابقين من علمائهم، لأنهم يعلمون جيداً أن جزء الآية يطلق على الآية أيضاً ولا محذور في ذلك،  إنما طُرح في الإعلام الوهابي أخيراً، ومن طرحه ليس من أهل العلم قطعاً، وقد روّج له حسين المؤيد وقدمه بثوب جديد.  وقد أجبت عنه قبل أكثر من ثلاث سنوات في قناة الولاية وفي بعض المنشورات على (فيس بوك) وأعيد الجواب هنا بشيء من التفصيل، فأقول:

1 ـ إن هذا التعبير استخدمه سماحة السيد الحيدري نفسه في كتبه ومحاضراته بشكل واسع، فهل كان يعلم أنه جزء من آية وأنه يؤاخَذ على استعماله أيضاً؟ وأنه كان مدلساً كما يقول، أو لا؟

 📍ففي كتابه علم الإمام: ص35: عنوان: أهل البيت في آية التطهير. بل هنالك كتاب آخر له مستقل تحت عنوان: آية التطهير في أحاديث الفريقين. فإن كان استعماله صحيحاً فما الداعي لإثارة هذا الإشكال؟ بل ما الداعي لتضخيمه بهذا الشكل وكأنه (فتح الفتوح) للوهابية؟  أليس من اللائق بالسيد كشخصية علمية أن يتجاهل هذا الإشكال الباهت؟ أو على الأقل أن يجيب عنه باختصار. 

 2 ـ إن (تسمية الجزء باسم الكل) معروف لدى الأصوليين وأهل اللغة والبيان، ويمسى أيضاً (إطلاق الكل على الجزء) قال تعالى: ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم﴾ فأطلق الأصابع وأراد بها الأنامل، فهم لا يضعون الإصبع كاملة في الأذن كما هو واضح، إنما هي الأنامل. وقال تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس﴾ والقائل بعض الناس وليس كلهم. وقال عز وجل: ﴿اقتلوا المشركين﴾ والمراد بعضهم. وقال تعالى: (ولا تجهر بصلاتك) أي بالقراءة منها، لأن الجهر والمخافتة من نعوت الصوت لا من نعوت أفعال الصلاة كمات قال الشوكاني وغيره.   

🔹 فتسمية هذا الجزء من الآية بـ(آية التطهير) أمر مألوف في اللغة وعلم الأصول.  وقد درج المفسرون والمحققون من أهل السنة على تسمية هذا الجزء بالآية، أو آية التطهير، وليس هذا تدليساً من الشيعة كما زعمت، أو نقلت عمن زعموا ذلك. 

🔰 فهذه (الأضحوكة) التي روّج لها حسين المؤيد تكشف عن جهلٍ فاحش بأبجديات اللغة العربية وعلم الأصول، وهي لا تختلف عن أضحوكاته الكثيرة، ومنها جعلُهُ حديث الثقلين من أقسام (المضطرب) فهو يجهل أن (المضطرب) من أقسام الضعيف، حال أن حديث الثقلين من أقسام الصحيح كما هو مقرر في محله. وقد ورد في صحيح مسلم، وصححه الألباني، وقبله الطحاوي، وغيرهما، بل لم يقدح بصحته أحدٌ إلا من باب الدعوى المجردة من الدليل.     

       
📌 ولكي أثبت لسماحة السيد الحيدري أنه لم يحقق في هذه الجزئية، إنما أخذها من الصفحات الست عشرة التي بعثوها له على علاتها، أقول: إن رسول الله (ص) كان يطلق على هذا (الجزء من الآية)  لفظ (الآية) وليس بعد رسول الله (ص) من متكلم قط، وليس لأحد أن يرميه بالتدليس. 

📍وبنظرة سريعة لكتب التفسير أو الحديث أو غيرها تجد أن علماء أهل السنة لم يجدوا غضاضة في إطلاق لفظ (الآية) على هذا الجزء من سورة الأحزاب، بل أسموها آية التطهير بلا غضاضة، وهذه بعض الأمثلة: 

1 ـ مسند أحمد44: 118 رقم الحديث: 26508: ... فأنزل الله عز وجل هذه الآية : ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم ... ﴾ .
2 ـ الدر المنثور للسيوطي12: 40:  وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وفي علي وفاطمة وحسن وحسين: ﴿إنما يريد الله﴾ ... إلخ.  
فهذا النبي (ص) يطلق عليها آية، فهل هو مدلس؟ 

3 ـ الدر المنثور للسيوطي12: 38  وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي: (إنما يريد الله)...
   
   4 ـ تحفة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي9: 66: عن أبي سلمة ربيب النبي (ص) (قال: لما نزلت هذه الآية على النبي: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)  .... فسماها آية مع أنها جزء آية..

5 ـ الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب القيسي9: 5834 : عن الخُدري: عن النبي (ص) أنه قال: نزلت الآية في خمس، فيّ وفي علي وحسن وحسين وفاطمة. وهو قول جماعة من الصحابة...
 
6 ـ الصواعق المحرقة لابن حجر: 126:  في الآيات النازلة في أهل البيت (ع)، قال: الآية الأولى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم) ... 

7 ـ شواهد التنزيل للحسكاني2: 30: عن الحسن بن علي قال : لما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وإياه في كساء لأم سلمة خيبري ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي ... 
والشواهد على ذلك كثيرة تعز على الإحصاء والعد، ويكفي فيها صحة الاستعمال في اللغة العربية لمن يفقه العربية. وقد استعملها المحدثون والمفسرون قديماً وحديثاً ولم يعرف عنهم مثل هذا الاعتراض الذي ابتدعه حسين المؤيد.

بل إن هذا الأمر مطرد في الكثير من الآيات، كآية المودة، فهي جزء آية، لكن أطلق عليها لفظ الآية، وكذلك آية الإكمال وغيرها من آيات القرآن الكريم. 
وخلاصة الأمر: أن هذا الإشكال أقل من أن يذكر، ولولا أنه سرى في أذهان بعض العوام وأنصاف المتعلمين، وساعد على نشره عرضُكم له وإيراده دون جواب، لما أتعبت نفسي في الإجابة عنه.

يتبع....




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=119338
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 05 / 22
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 09 / 30