• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : مناجات اهل البيت بوصفها اول نظم للقصيدة النثرية .
                          • الكاتب : كريم الوائلي .

مناجات اهل البيت بوصفها اول نظم للقصيدة النثرية

منذ اللحظة التي ومضت بها  الانوار الرسالية في سماء الجزيرة العربية ، واندلاع  الفيض الرسالي للتغيير واسقاط  ((مقدس)) وثني درج عليه عرب الجزيرة واطلوع دعوة قامة توحيدية على انقاض الجهل الخرافي . . دعوة رسالية قرآنية تتيح لعقل الانسان التدبر والتأمل في القدرات المطلقة للخالق الواحد وفي فضاءات كونية  لم يألف العرب مثيلا لها فأحدث ذلك انقلابا شاملا تجسد اكثر في انماط  الشعر والخطابة بوصفها اهم مزايا  العرب ، واحسب ان جنسا ادبيا جديدا راج مع ظهور عقيدة التوحيد المحمدية وفكر القرآن الكريم  تمثل هذا الجنس في  (( ادب المناجاة )) وهو ادب ( ان صح ذلك ) مبتكر من ادعية اهل بيت الاسرة النبوية عليهم السلام  وقد تفردوا به وان كانوا منقطعون به الى الله تعالى ولم يسبقهم اليه غيرهم ،  وأدعي ان هذا الجنس من ((الادب )) يتسم بعمق اللوعة والذوبان في ذات المعشوق حتى الثمالة ، ويبدو انه ابتكر ليكون اقصر وسيلة الى الله لكنه في الوقت نفسه يمثل غسيلا للروح ويمكن توصيفه على انه ادب مطهر او وسيلة تطهيرية ( catharsis ) له القدرة على تنقية الروح واستدرار ماء العيون  فهو غسيل بكائي يخرج منه البكّاء نقيا من الادران ،  وقد ظهر ((ادب المناجاة )) مع ظهور الاسلام الذي يلقي بالمؤمن في فضاءآت  التأمل والتدبر والخشوع حتى بلوغ الذروة والدخول في منطقة اللاشعور، وتمثل تلك المنطقة مرحلة الذوبان الكلي في الذات الالهية والانقطاع عن المحيط مع انهيال صوّر ((شعرية)) يرسمها اللاشعور لعوالم عائمة في الاكوان اللامتناهية تمنح المنقطع عوالم ((مخيالية)) يحلق بها المؤمن بعيدا عن محيطه الارضي  ، وازعم ان ادب المناجاة يتصف بالرقة المفرطة والعفة والشفافية والخوض في اللازمكانية بحثا عما يعتمر في الغيب المبهم واقتفاء  الانوار الروحية ونسيان تام  للجوارح ، وهذا ما لم تألفه كثيرا انماط التعبير في الجزيرة العربية التي اعتادت انتقاء المفردة العنيفة والعبارة الحماسية والهجاء اللاذع والمدح المفخم عدى شعر الغزل الذي يناول سجايا الحبية وشمائلها ولوعة فراقها بنمط مخملي ولكن برؤية دراماتيكية   .
واول من ناجى ربه هو الرسول الاعظم (ص) يوم   ارتقى ذلك الفتى العربي القرشي درب سلام ربه  يجلله بهاء النبوة ويكابد ابتلاءات  من قومه  وهو يترتل بكلمات لا هي بالشعر المقفي المألوف عند العرب، ولا هي بالنثر المسجوع الدارج آنذاك على اللسان العربي ولا سيما بالخطابة التي كان يرتجلها العرب بالمواسم والاسواق .. كلمات ترصع فؤاد السامع باللوعة  وتترع الروح  بخشوع تستكين له النفس وتهدأ ..
 وفي موقف تكالب علي الرسول قومه ، منهم من يرجمه بالحجارة ومنهم من يشتمه واخر يسخر منه، اوحى اليه ربه ان يناجيه ، فلكم يحب الرب ان يناجى  ، عندها  رقى  صعيدا من الارض مستقبلا الفضاء الشاسع ودافعا بروحه الى ربه مبتهلاً بكلمات تورق لها الروح بخضرة المدد القدسي وتتماهى مع اعجاز القرآن الكريم لقد اوجب الله على رسوله الدعاء والتضرع في الشدائد واورث ذلك الى اهل بيته(ع) فكانت المناجاة بلسما لهم وهم يكابدون ظلم العشيرة والسياسة .                                                      اول مناجاة قالها رسول الله (ص) يوم أمعن الاعراب في اذيته قائلاً  :                             (( اللهم...
إليك أشكو ضعف قوتي
وقلة حيلتي
وهواني على الناس
يا ارحم الراحمين
أنت رب المستضعفين وأنت ربي
إلى من تكلني
إلى بعيد يتجهمني
أم الى عدو ملكته أمري
إن لم يكن بك
علي غضب فلا أبالي
ولكن
عافيتك هي أوسع لي
أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات
وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة                                                                    من ان تنزل بي غضبك  ويحل علي سخطك                                                          لك العتبى حتى ترضى                                                                            ولاحول ولاقوة إلا بك ))
وتتجلى  الصورة الشعرية في هذه المناجاة بمشهد تراجيدي مؤثر حيث يبدو المناجي ، وهو هنا النبي الاكرم ((ص)) متفردا مع ربه ووحيدا امام  جمهرة من غلاض المشاعر والقلوب وهو يقف في فضاء شاسع محاط  بالاغراب وقد سلم امره الى الله تعالى  ، فالقاريء يستطيع استحظار سيميائية المكان ومؤثثاته من التمعن في ثيمة النص واستجلاء صورته الشعرية ووحدة موضوعه وقوة مفردته وتحسس موسيقاه التي تنسرب كماء النبع في خضرة الوادي، فتلك الكلمات تجلت فيها سماحة النبوة وتفردها التام مع الرب من جانب وقسوة المحيط من جانب آخر مع رقة الصوره المستوحاة من المحيط المتخيّل في مخيال المتلقي والمتأثرة  بالنص القرآني  الكريم ، وحين ساحت عذوبة المناجاة  في روح  الراهب المسيحي المتطلع من كوة في صومعته هبط الى المنخفض ثم ارتقى الصعيد حيث يبتهل النبي ، وقف جنبه مترقرق العينين وأزجى له عناقيد العنب .
توارث اهل بيت النبي  سجاياه في الكلم فكانوا ينطقون لآلئ الكلام منظوما على غرار الشعر المنثور المعروف اليوم في حداثته  و موسيقاه الشعرية  فكانت ادعيتهم اول انموذجا من الكلام المنثور في القصيد الحديث .                                              وهذا البكّاء في المحاريب الامام علي بن ابي طالب (ع) يناجي ربه بكلمات فاقت  خيال البشر في وتقدمت على عصره بمضامينها العلمية و الفلكية في نظم منضود لا نظير له  فتراه يخطو على وقع انفاس الفجر يستقبل انصهار فضة نهار جديد  بهذه  المناجاة :                      (( يامن دلع لسان الصباح
بنطق تبلجه
 وسرح قطع الليل المظلم
بغياهيب تلجلجه
واتقن صنع الفلك الدوار
في مقادير تبرجه
وشعشع ضياء الشمس
بنور تاججه  ))
  يقف المرء مبهورا امام هذه الصور ((الشعرية)) المتوالية والمكثفة وقد يغرق في اللامكان  وهو  يسرح مع الموسيقى المتهادية بأنسجام مع مخملية المفردة  حتى كأننا بالامام وهو يولي وجه احمرار الافق يتجلى بصورة تعجز ريشة الفنان ان تقاربها ، فالصورة الشعرية تتجلى هنا من رؤية الامام من عل وهو يرفع يداه متسربلا بخطوط النور المنفلتة من بين فسح الرؤية الكونية ، وتبدو لي هذه النصوص(الشعرية) تدخل في إطار المذهب التعبيري في الشعر الغنائي  الحديث (وان اختلفت النوايا والمقاصد) الذي ازدهر في أوروبا في مستهل القرن الماضي حيث يعتمد التصوف في نزعة أنسانية، وقد مر بهذه النزعة (بريشت) في شعره و كذلك(ويرفيل) ويقول بعض النقاد ان اثر ذلك المذهب قد شمل أشعار (اليوت) .
وانتقل هذا البوح النبوي الروحاني الى ابناء الامام علي (ع) فقد كان الامام الحسين(ع) يدعو ربه بكلمات تذيب السامعين  لها من اصحابه وشيعته كأنهم تماهوا مع الريح وصمتوا لها كأن على رؤوسهم الطير وسكنوا كأنهم قدوا من رخام وذابوا في ذات الخالق حتى تلاشوا وقد ناجى الحسين ربه وهو في اشد المواقف واصعبها، ففي معركة الطف عندما رأى الناس ركبوا الضلالة وهم يتفاخرون  بعريهم التاريخي ويتباهون باستباحتهم الدم الرسالي . . في تلك اللحظة ناجى الحسين(ع) ربه بكلمات تدمي القلوب :
(( اللهم
أنت ثقتي في كل كرب
وفي كل شدة
وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة
وعدة
كم من هم ..
يضيق فيه الفؤاد
وتقل فيه الحيله
ويخذل فيه الصديق
ويشمت فيه العدو..
أنزلته بي
وشكوته إليك
رغبة مني إليك
عما سواك
فكشفته وفرجته
فأنت..
ولي كل نعمة
ومنتهى كل رغبة ))
  تتوفر في هذا النص النثري اهم شروط القصيدة النثرية من وحدة الموضوع وسيميائيته الكونية وموسيقاه وجمال مفردته الباعثة على التخيّل فضلا عن قوة اثرها على المتلقي  حيث باحت عن خطاب رسالي انساني  وادع وسلمي الذي ولقد اظهر المسلمون الذين يؤمنون بهذه الادعية براءتهم من كل عمل جرمي يستبيح دم الانسان  وماله وعرضه وحياته مهما كان جنسه  ودينه ولونه وكان لهذه الادعية الاثر الفعال في تشذيب الشعور الانساني  والارتقاء به الى اعلى مستوى من النبل  والسمو  .                              وهذا العابد الصالح والساجد البكاء راعي اليتامى والارامل والمشردين.. الامام علي ابن الحسين(ع) ساكب الدمع في محراب التبتل والمناجاة يعطي المثال العملي على اثر مناجاة جده وابيه في العلاقات التي سادت بين المسلمين  حيث يقول في قسم له (( والله لو استودع الشمر ابن ذي الجوشن سيفه عندي لاحتفظت به حتى يسترده)) ، ويقصد بذلك السيف الذي استعمل في قتل والده (ع ))
وينفرد الامام السجاد علي ابن الحسين(ع) بمناجاته العذبة وهو الشاهد الاكبر على خطيئة كبرى تمثلت في  قتل ابن نبي زمانه  فتركت فيه هذه الواقعة رقة القلب وصلابة العقيدة والزهد في الحياة والتفاني في العبادة حتى تركته كل نوازع الميل الى الدنيا وتوجه الى ربه بكل جوارحه يدعوه كما لو انه يراه حق اليقين فجاءت مناجاته عميقة الصور شفافة المعنى تماهي دموعه الساكبة في المحراب  ومع هذا  كان يخشى الله كخشية الخاطئ فيقول:
  ((الهي..
ألبستني الخطايا ثوب مذلتي
وجللني التباعد منك لباس مسكنتي
وأمات قلبي عظيم جنايتي
فأحيه بتوبة منك
يا أملي وبغيتي
ويا سؤلي ومنيتي ))
وعلى الرغم من بكائه المستديم تخشعاً و تذللاً الى ربه إلاّ انه يقول في دعاء له:
  ((الهي..
إليك أشكو قلباً قاسياً
مع الوسواس متقلباً
وبالرين والطبع متلبساً
وعيناً عن البكاء من خوفك جامدة ))
ويمضي السجاد (ع) متوجعاً عشقا  بربه فيقول:
 (( ليت شعري
اللشقاء ولدتني أمي
أم.. للعناء ربتني
فليتها لم تلدني
ولم تربني..وليتني علمت
امن أهل السعادة جعلتني ))
وفي مقاربة شعرية مع  مثل هذا النظم الفلسفي الصوفي يقول(إيليا أبي ماضي) في قصيدته ((الطلاسم )) :                                       
  ((جئت لا ادري من أين ،ولكني أتيت،
وقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟كيف أبصرت طريقي؟
لست ادري!!
وفي مكان اخر يقول اليا ابي ماضي :  
(( وطريقي ،ما طريقي ؟أطويل أم قصير؟
هل أنا اصعد أم اهبط فيه واغور
وأنا السائر في الدرب أن الدرب تسير
أم كلانا واقف والدهر يجري؟لست ادري.))
ويبدو من قراءة مناجاة الإمام السجاد(ع) تبحره باللغة العربية من خلال جزالة اللفظ وثراء المفرد وعمق المعنى واستخدام اللغة في تكثيف البؤرة الدلالية للمناجاة مع ما للامام من تجربة مرة ومؤلمة كونه عاش مأساة مقتل والده واسره مع اسرته في ضروف غاية في القسوة فكان لتلك المأساة اثر بالغ على مناجاته وتوسلاته بالله كما كان لها صدى ارتدادي دفع بالامام علي ابن الحسين ابن على عليهم السلام ان يكون مصلحا رساليا دوّن رسالته في ما وصف (( بالصحيقة السجادية )) وهي اشبه ببرنامج سياسي اصلاحي مشفر كونه اعتمد الشكوى الى الله تعالى من ابتلاءآت عانى منها الناس  بسبب السياسات اللانسانية لخلفاء الدولة الخلافوية الاسلامية في عصره .
 

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=13415
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 01 / 22
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 05 / 11