• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : آيةٌ نصيّة جميلة .
                          • الكاتب : عماد يونس فغالي .

آيةٌ نصيّة جميلة

قيلَ إنّ العاميّةَ تبدأ بالعصيان المدنيّ، وتصل حتى الثورة الدمويّة". وهذا فعلاً ما يعرض له كتابُنا الليلةَ "كنيسة سيّدة البير الأثرية، عاميّة سنّ الفيل 1840". ولكنّ كتابًا لا ينتهي هنا. هو يفتح على الثقافة، فقلنا: "عاميّة سنّ الفيل الثقافيّة... مستمرّة".

هذا كتابٌ في التاريخ، منذ العنوان أنتَ في سياقٍ من دراسة تاريخيّة، ولوجُكَ فيها يضعكَ تلقائيًّا أمام عملٍ أكاديميٍّ موثّق بالحواشي والمخطوطات، يصنّفه مرجعًا علميًّا في المادّة والمضمون.

سنّ الفيل بلدةٌ في ساحل المتن على حدود بيروت، عريقةٌ في القِدَم والحضارة الإنسانيّة. لها تاريخٌ قائمٌ في ذاته، يعود إلى غابرٍ من قرون، يُظهرها منذ الكتاب بلدةً  لها كيانُها المستقلّ وتميُّزُها الفريد، لا كما عالقٌ في الأذهان، أنّها منطقةٌ في العاصمة سكنيّة ومهنيّة ليس إلاّ.

في عَودٍ إلى عنوان الكتاب، "كنيسة سيّدة البير الأثريّة، عاميّة سنّ الفيل 1840"، فتحٌ على أفقين اثنين، يلتقيان على التصنيف التاريخيّ والإنسانيّ للبلدة. عندما تتكلّم على كنيسةٍ أثريّة، أنتَ أمامَ لوحةٍ إيمانيّة من حضارة مسيحيّة لها جذورٌ في الزمن، أعاده بعضُ المؤرّخين إلى مرحلة الوجود الصليبيّ، وتأكّدَ منذ القرن السابع عشر. ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق، هو احتمالٌ كبير أن تكون هذه الكنيسة في مرحلةٍ ما، كاتدرائيّة مطران بيروت وربّما الكرسي الأسقفيّ للأبرشيّة حسب المطران يوسف الدبس في تاريخ الموارنة: "المطران مخايل الصايغ الذي انتقل... إلى أبرشيّة بيروت في كنيسة سيّدة البير". وكانت تُدعى حسب مخطوطات المراسيم البيعيّة "كنيسة بيروت". فهي أيضًا من أقدم الكنائس البيروتيّة، لأنّ "أبناء سنّ الفيل، هم من أوائل النازلين من جبالهم إلى بيروت"، على ما أورد المطران بولس مطر في مقدّمته "بلدة سنّ الفيل والحضور المسيحيّ على ساحل بيروت".  أيضًا المطران الدبس: "كنيسة سنّ الفيل هي أوّل كنيسة بُنيت في ساحل بيروت، وفي حائطها رفات المثلّث الرحمات المطران مخايل الصايغ".

أمّا الأفق الآخر، فعاميّة سنّ الفيل 1840. قال فيها المونسنيور كميل مبارك: "هي أمّ العاميّات في لبنان". وهذا يتّضح جليًّا، لأجل الوجود السكّانيّ القاطن البلدة على مرّ العصور، وتعاقب الجماعات الحاكمة فيها، واختلافاتهم. فجاءت العاميّة على مستوى الوطن، انطلاقًا من التفاعل الديموغرافيّ بين الملل والطوائف من جهة، والتنازع السياسيّ في لبنان والمنطقة، الذي أدّى إلى انتفاضة الشعب على السياسات الظالمة في حقّه. 

عاميّة سنّ الفيل، ارتدّت على المنطقة بأسرها، وتأثّرت بها الدول الكبرى والكنيسة المارونيّة إضافةً إلى كلّ الجهات المحتلّة والحاكمة، وبسطت تداعياتها على الكيان اللبنانيّ بشكلٍ عامّ...

لن أدخُلَ في تفاصيل الكتاب أكثر. هو وافٍ من حيثُ المضمون التاريخيّ الذي يأسرُكَ بدقّته التوثيقيّة وتحقيق المخطوطات المدعّمة الحقائق الوافرة الشروحات والحواشي. وهذا من حيث المنهجيّة فقط، وأنا من غير الإختصاصيّين في المادّة (عنيتُ التاريخ).

لكنْ حريٌّ بي الكلام على النمط السرديّ الذي تفرضه الكتابة التاريخيّة. اعتمد المؤلّفان في أسلوبهما السردَ الشيّق، لا ذلكَ العالق في النصّ المبهم حجّةَ الأمانة للأصل. أنتَ هنا تقرأ التاريخ على شكل روايةٍ قلْ، في لغةٍ سهلة، قريبة من العامّة، فيها من تصويبٍ لبعض التعابير غير المعاصرة، ما يجعلُكَ تنتظر ما بعد.

جورج مغامس وهشام عجور، قدّمتما كتابًا تحفة، من حيث الإتقان الطباعيّ الذي يعكسُ آيةً نصيّة جماليّة، علميّة وسليمة، جاءت تشهدُ للإخراج البلديّ في كلّ عملٍ يصدر عن بلديّة سنّ الفيل، وتؤكّد أنّ المسيرة الثقافيّة، قضيّةٌ جوهر في اهتمامات المجلس البلديّ ههنا، يعرف هذا الأخير من أين تؤكل الكتف في اختياراته الأشخاص للأعمال المناسِبة. 

المؤلّفان العزيزان، أهديتُمانا إرثًا ثقافيًّا مثالاً يجدرُ أن ينسحب على كلّ مساحةٍ إنسانيّة وطنيّة، تخزنُ كنوزًا معتّقة في دنان كلّ تربة، فتُخرجَ لآلئَ من عمقِ التاريخ، ما يؤسّسُ لحضاراتٍ لا يخفتُ وهجها.

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=141824
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2020 / 02 / 18
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 07 / 27