• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : المحكمة العليا الأميركية وعلاقتها بالقضاء الدستوري القسم السادس .
                          • الكاتب : د . حسن الياسري .

المحكمة العليا الأميركية وعلاقتها بالقضاء الدستوري القسم السادس

سلسلة مقالات للكاتب الدكتور حسن الياسري  بعنوان رئيسي القولُ الفصلُ في دور خبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون في المحكمة الاتحادية العليا

  • -دراسةٌ دستوريةٌ تأصيليةٌ معززةٌ بتجارب المحاكم الدستورية في العالم –

-مهمٌ جداً-

   قد تحدثنا فيما خلا عن التجارب الدستورية الدولية في تأليف المجالس الدستورية وكيفية اختيار أعضائها، ومِن قبل ذلك تكلمنا في التجارب الدولية في تأليف المحاكم الدستورية وكيفية اختيار أعضائها. ولقد علمنا من ذلك العرض الموسع أنَّ القاعدة العامة في تأليف هذه المحاكم والمجالس في دول العالم قائمةٌ على كونها خليطاً من فئاتٍ متعددةٍ ، وأنَّ الغلبة والأرجحية غالباً ما تكون للعنصر القانوني ، لا القضائي.

  بيد أنَّ ثمة إشكالاً يمكن أنْ يُثار على ما طرحنا من رأيٍ ، مؤداه أنَّ المحكمة العليا الأميركية ليس فيها إلا القضاة ، ومن هذه الناحية سنكون بإزاء تجربةٍ دستوريةٍ دوليةٍ مهمةٍ تتكون من القضاة فقط ، بخلاف المحاكم المعروضة آنفاً ، والتي كان عددها (٢٤) محكمةً  وثلاث (٣) مجالس دستوريةً ؟

  سنجيبُ عن هذا الإشكال ، موضحين التوصيف الدستوري لهذه المحكمة ، ومدى علاقتها بالقضاء الدستوري ، وكما يأتي :

١- بدايةً قد يُفاجَئ الكثيرون إذا قلنا لهم إنَّ الحقيقة في هذه المحكمة أنها بالأساس ليست محكمةً دستوريةً ، بل هي محكمةٌ فدراليةٌ عليا. بمعنى آخر أنها المحكمة العليا ضمن التسلسل الهرمي للقضاء العادي لا القضاء الدستوري. فهي كما تسمى في دولٍ أخرى (محكمة التمييز أو النقض). وفضلاً عن الواقع التأريخي في إنشاء هذه المحكمة الذي يشهد لها بهذا الدور ، فالدستور الأميركي يشهد أيضاً. فها هو الدستور الأميركي بتعديلاته السبع والعشرين أمامكم ، لن تجدوا فيه أيَّ نصٍ يعطي المحكمة الاختصاصات الدستورية ، وعلى رأسها البت في دستورية القوانين وتفسير الدستور. فالمادة الثالثة من الدستور ،بفقراتها الثلاث، جاءت مخصَّصةً للحديث عن السلطة القضائية وعن المحكمة العليا،ولا يوجد فيها أيُّ شيءٍ لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ يتعلق بالاختصاصات الدستورية،بل بالاختصاصات الممنوحة للمحاكم العليا لا أكثر -التمييز أو النقص-. ولكن في عام ١٨٠٣ قامت هذه المحكمة ابان رئاسة القاضي -الوزير السابق- مارشال في القضية التأريخية المشهورة المعروفة بقضية (ماربوري ضد ماديسون) بالامتناع من تطبيق القانون بزعم عدم دستوريته ، فنشأ ما يُعرف بالفقه الدستوري بـ (رقابة الامتناع). وبعيداً عن التعليق على القضية، وطغيان الجانب السياسي فيها، والنقد الذي وجِّه اليها آنذاك،لكون القاضي-الوزير السابق- مارشال كانت له صلةٌ بالدعوى ، فإنَّ من المبادئ المستقرة لدى جمهرة الفقهاء -مع وجود اتجاهٍ ضئيلٍ معارض- القول بجواز ممارسة المحاكم -أية محكمةٍ تابعةٍ للقضاء العادي- رقابة الامتناع ، فتمتنع من تطبيق القانون مثار الدعوى إذا وجدت من الأسباب ما يدعو للحكم بعدم دستوريته، دون أن يفضي ذلك إلى إلغاء القانون أو الحيلولة دون قيام بقية المحاكم بتطبيقه ؛ لأنَّ عدم الدستورية لم تأتِ من محكمةٍ دستوريةٍ متخصِّصة ، بل من محكمةٍ عاديةٍ رأت هي ذلك ، فيكون الحكم ملزماً لها فحسب دون غيرها، ولا يكتسب الحكم الحجيَّة إلا على أطرافه -مع وجود بعض التفصيلات الجزئية الأخرى-.

  وبناءً على ذلك انتزعت المحكمة العليا هذا الاختصاص انتزاعاً،وهو الرقابة على الدستورية عن طريق رقابة الامتناع.وهو كما معروفٌ دفعٌ يمكن أن تنهض به أية محكمة عادية في العالم ؛ لأنه يتفق مع طبيعة عمل القضاء، إذ لا يسوغ له تطبيق قانونٍ يرى عدم دستوريته، فيكتفي بالامتناع من تطبيقه،لكنه يبقى قانوناً قائماً ونافذاً. ثم توسعت المحكمة العليا الأميركية خلال المائتي عام من تأسيسها،فانتزعت اختصاصاتٍ شبيهةً وقريبةً من رقابة الامتناع.

٢- وهكذا ينبغي ملاحظة الفرق بين المحكمة الدستورية المتخصِّصة والمحكمة العليا التي تمثِّل قمة هرم الجسم القضائي.وإنَّ الفيصل في ذلك الدستور ، فهو الذي يبيِّن ما إذا كانت المحكمة العليا هي مجرد محكمة تمييز أو محكمة دستورية متخصِّصة. وإنَّ المحاكم التي تقتصر على القضاة في الغالب هي من نوع المحاكم العليا ،لا المحاكم الدستورية، مثل المحكمة العليا الأميركية،وكذا المحكمة العليا اليمنية والمحكمة العليا الإندونيسية.

  فالمحكمة العليا اليمنية بحسب الدستور والقانون هي محكمةٌ عليا وليست دستوريةً ،وهي تضمُّ هيئاتٍ متعددةً، مثل الهيئة المدنية والجزائية والأحوال الشخصية والتجارية ..الخ. ومن بين هذه الهيئات توجد هيئةٌ تُعرف بـ(الهيئة الدستورية)، تمارس الرقابة على دستورية القوانين. ما يعني أنَّ المحكمة هي محكمة تمييز توجد بها هيئةٌ أو دائرةٌ للقضاء الدستوري ؛ ولهذا يكون أعضاؤها من القضاة فقط، لأنها محكمة تمييز لا محكمةً دستوريةً.وهكذا كان الحال أيضاً في إندونيسيا ، إذ كانت الرقابة الدستورية بمقتضى الدستور الإندونيسي لعام ١٩٤٥ منوطةً -قبل إنشاء المحكمة الدستورية- بالمحكمة العليا إضافةً إلى اختصاصاتها القضائيةالعادية؛ لذلك فهي تتألف من قضاةٍ فقط. وبعد التعديل الدستوري الثالث في عام ٢٠٠١ تمَّ إنشاء المحكمة الدستورية التي أنيطت بها هذه المهمة ،ومُنعت المحكمة العليا من النظر في الدستورية.ولقد لاحظتم آنفاً كيف أنَّ هذه المحكمة الأخيرة-الدستورية- تتألفُ بمقتضى المادة (٢٤)من الدستور الإندونيسي من ((رجال الدولة ممن لديهم إلمام بالدستور والمؤسسات العامة))، وليس من القضاة.

  وإنَّ مما لا ريب فيه عندي أنَّ الذين تصدَّوا سابقاً للحديث عن هذا الموضوع في وسائل الإعلام المختلفة،من قضاةٍ ومحامين وسياسيِّين وبرلمانيِّين وغيرهم، لا يُفرِّقون بين المحكمة العليا العادية والمحكمة العليا الدستورية،كما أنهم لا يُفرِّقون بين القضاء الدستوري والقضاء العادي ؛ ولهذا وقعوا في الخلط ؛ فأخطئوا وتسبَّبوا في نشر المعلومات الخاطئة للرأي العام، بسبب التسرُّع وعدم الدراية والمتابعة !! 

   وفي سياقٍ ليس ببعيدٍ عمَّا خلت الإشارة إليه ، إنَّ تسمية المحكمة -الدستورية- بـ(الاتحادية العليا)لا يُخرجها من الاختصاص الدستوري ولا يُقلِّل من اختصاصاتها ، إذ كما نوهنا قبل قليل بأنَّ الفيصل في ذلك كله هو الدستور ، فهو الذي يُحدِّد ،عبر الاختصاصات التي يمنحها للمحكمة، ما اذا كانت مجرد محكمة عليا ضمن القضاء العادي ، أو أنها المحكمة الدستورية المتخصِّصة.وفي هذا الإطار لا تُغير التسمية من اختصاصاتها ؛ فالاختصاصات دستوريةٌ من جهةٍ وواسعةٌ في أغلب التجارب الدولية من جهةٍ أخرى،سواءٌ أكانت تحت مسمَّى (الدستورية)أم (الاتحادية) ،مع الأخذ بالاعتبار ما سنذكره بعد قليل ،والمتعلق بطبيعة النظام الفيدرالي.

  ولعلَّ السرَّ في اختيار الدستور العراقي هذه التسمية (المحكمة الاتحادية العليا) يكمن، بحسب تقديري المتواضع، في أمورٍ ثلاثةٍ :

الأول : الأصل أو الأساس ، فأصل وأساس التسمية مأخوذٌ من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية،فهو الذي أطلق على المحكمة في وقته-٢٠٠٤- هذه التسمية في المادة(٤٤) منه. ولعلَّ اختيار هذه التسمية من قبلهِ ناجمٌ من التأثر بالتجربة الأميركية وبالمصطلحات الأميركية التي كانت بارزةً في ثنايا قانون إدارة الدولة ، الذي لا أشكُّ قيد شعرةٍ بأنه مكتوبٌ بأيدٍ أميركيةٍ ومترجمٌ عن النسخة الأميركيةِ ؛ لعشرات الأدلة التي لا محل لعرضها ها هنا، وقد عرضتها في دراسةٍ منشورةٍ في عام ٢٠٠٤. ولعلَّ أبرز معلمٍ لتأثر قانون إدارة الدولة بالتجربة الأميركية بشأن المحكمة أنه جعلها تتألف من القضاة فقط،وجعل خدمتهم مدى الحياة ؛ تماماً كالمحكمة العليا الأميركية حذو القذة بالقذة، وخلافاً للتجارب الدستورية الدولية. وللأسف لما يزل الكثيرون يخلطون بين هذه المحكمة التي أنشأها قانون إدارة الدولة ، وبين المحكمة التي أرساها الدستور العراقي الدائم ؛ ولهذا توهموا فقالوا إنَّ المحكمة المذكورة في الدستور يجب أنْ لا يدخل فيها إلا القضاة وإنَّ فقهاء القانون وخبراء الفقه الإسلامي ما هم إلا مستشارين وخبراء فنيِّين ؛ خلطاً منهم بين المحكمتين ، في حين إنَّ الاختلاف بينهما جذريٌ من حيث التأليف والعضوية والاختصاصات.

الثاني : عند وضع الدستور الدائم لعام ٢٠٠٥ كانت المحكمة الاتحادية العليا كياناً قائماً ، تمَّ تأليفها بمقتضى الأمر رقم ٣٠  لسنة ٢٠٠٥ ، الصادر عن رئيس مجلس الوزراء استناداً لأحكام قانون إدارة الدولة . لذا وجد مؤسسو الدستور المحكمة أمامهم قائمةً بهذا المسمَّى، فلم يعمدوا إلى تغييره ؛ وذلك أمرٌ أقطعُ بخطئهِ الآن.

الثالث : قد وجدتُ من خلال المتابعة الحثيثة أنَّ الدول الفيدرالية -الاتحادية- عادةً ما تُطلق تسمية (المحكمة الاتحادية) على المحكمة الدستورية ، مثل (المحكمة الاتحادية الماليزية)، وبعضها يضيف وصف (العليا)، مثل (المحكمة الاتحادية العليا البرازيلية) و(المحكمة الاتحاديةالعلياالإماراتية)،وبعضها الآخر يضيف وصف (الدستورية)،مثل(المحكمةالدستورية الاتحادية الألمانية).وكلُّ هذه الدول فيدراليةٌ ، في حين لم أجد إطلاق مسمَّى (الاتحادية) على المحكمة الدستورية في الدول الأخرى غير الفيدرالية. وبناءً على ذلك فالتسمية هذه مرتبطةٌ بشكلٍ كبير بالنظام الفيدرالي، والعراق بالمحصِّلة هو اتحاديٌ فيدراليٌ من الناحية الدستورية.

 وبعد كل هذا الاستعراض المفصَّل في هذه الدراسة لم يبقَ لنا سوى التطرق إلى النتائج المستفادة منها ؛ وهو ما سنبيِّنهُ إن شاء الله في القسم السابع -الأخير- .

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=154884
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 04 / 29
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 01 / 29