• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : السيستاني بين فرنسيسين .
                          • الكاتب : السيد وليد البعاج .

السيستاني بين فرنسيسين

تعتبر قصة فرنسيس الأسيزيّ التاريخية قصة نموذجية للحوار، ذلك أنه صمم النيّة على مقابلة السلطان الكامل في مصر، سنة 1219 م، في غُضون الحرب الصليبية، وكان قصده إمّا أن يُقنع السُّلطان بالدين المسيحي، وإمّا أن يستشهد أمانةً لإيمانه.
دوافع لقاء فرنسيس مع الملك المسلم
بث فرنسيس الأسيزي شكواه قائلاً: إن قبر الرب مُدنس (أي كنيسة القيامة في القدس)، والدم المسيحي مسفوك، وبعض الناس يموتون، وغير المؤمنين بالمسيح لم يبشرهم أحد، وأنا (بابا الفاتيكان) أكتفي بإعلان آلام الرب بالكلام فقط؟! تلك فضيحتي!.
الحرب الصليبية لا تزال آثارها وفرنسيس يتحرق ألما أن يدعو للمسيحية بالسلام وليس بالحروب: ينبغي أن أعلن السلام للقريبين، وللبعيدين أيضاً، السلام الحقيقي المُعطى لجميع البشر في يسوع المسيح... مَن سيُعرفهم إياه؟ من سيمنحهم أن يختبروا رحمة الرب؟ في الوقت الذي تستخدم فيه المسيحية جمعاء السلاح مرة أخرى ضد الشرق بناء على دعوة السيد البابا، كيف لا احترق بالشوق إلى أن آتي بالسلام.
قال له الاب ماسيو: سيقتلونك. أجابه فرنسيس أن يسوع لم يخش الموت. إن العالم ممزق: من جهة المسيحية، ومن جهة أخرى الاسلام، أين أبناء السلام ليكونوا عائلة الرب الكبيرة.
وأضاف فرنسيس: إن هؤلاء المسلمين هم ايضاً قد فداهم دم المسيح وقد وعدهم بالحياة الابدية، يتوجب الذهاب اليهم، والحديث اليهم، وإعلان بشرى الخلاص لهم، ومصارحتهم بأنه يُمكننا العيش معهم أصدقاء وإخوة لنا.
فقالوا له وإن فشلتم؟ أجاب فرنسيس إن فشلنا سيأتي غيرنا ليُكرروا العمل، نحن بلا أهمية، ولكننا لسنا وحدنا، بل نكوِّن حلقة في سلسلة لا تقهر: إن الرب في الانجيل لا يطالبنا بالنجاح، فليس ذلك شأننا، بل يطالبنا بإعلان الانجيل للخلق اجمعين فقط، وبإلا نخشى أن نفقد حياتنا.
اللقاء
جلس فرنسيس مع علماء المسلمين في حضرة الملك، وفي ديار الاسلام، وفرنسيس منطلق من قناعته الايمانية انه حين ينقل آيات الانجيل الى هذا الجمع سوف يؤثر بهم ويدعوهم للإيمان بالمسيح، وكان الملك والجمع يصغون له، ولكن ما أثار استغراب فرنسيس عدم تأثر الرجال بما كان يلقيه في تغيير قناعاتهم، فقال خاتماً حديثه: ألا يزال قلبكم غير مُبالٍ، مع أنّ الرب يتقدم إليكم كالأب لأبنائه؟.
أُعجب الحاكم المسلم بشجاعة فرنسيس وجرأته، وإيمانه الروحي العميق بديانته، مع اسلوبه المُهذب الذي كان يتكلم به،  فما كان في كلامه سبٍّ ولا من استفزاز، ولا تعصب، بل يتكلم بتعابير يستعمل فيها عبارة صداقة إلهية.
فضحك الحاكم المسلم وقال لفرنسيس: لماذا المسيحيون إذن، الذين يؤمنون بإله المحبة ويتفوّهون دائماً بلفظ المحبة، يُداومون على مُحاربتنا؟ ليست تصرفاتهم وديعة كما تقول أنت؟!. قاصداً المجازر التي حصلت في الحروب الصليبية ضد المسلمين.
أطرق فرنسيس وقال: يا جلالة الحاكم إن الحب غير محبوب. إن الحب مصلوب دوماً في هذا العالم... مُنذ أن قرر أن يتبع المسيحَ المُتواضع الفقير، لم يطمح إلا في أن يكون أصغر الناس وخادم الجميع.. قد خرج من العالم المسيحي الزمني ليخدم أخوته البشر.
ما كان جوابه مقنعا تماما للمسلمين، فقد كان فرنسيس يتأمل في الحب المصلوب. وكان يشتاق الاستشهاد اشتياقاً، لا رغبة في الألم، بل لأنه كان يعتقد في صميم السر، لا تحتفظ الحياة بنفسها، بل تبذل نفسها.
احترم الملك جوابه، ودعاه لتمديد إقامته، ولكن البابا فرنسيس لم يكن يرى جدوى من اقناع المسلمين في الايمان المسيحي، ففضل العودة.
في طريق العودة الى روما الفاتيكان
وفي طريق العودة قال فرنسيس لرفيق طريقه: نعود وايادينا فارغة، سيقولون عنا (يقصد الصليبيين ودعاة الحروب والعنف) لم ينجحوا في العمل، أو رُفضوا لأنهم فاشلون. فنحن لم نهد أحداً، والربُ لم يُرد حياتنا إذ لم نستحق أن نتألم لأجل اسمه (أي لم نستشهد)، ومثل موسى لم ندخل أرض الميعاد". إذ أن فرنسيس عاد الى روما دون ان يصل الى فلسطين.
خواطر فرنسيس إثر اللقاء
الشعور بالفشل: كان قد فشل في مشروعه للسلام، ذلك بأن سعيه إزاء السلطان ظل بلا نتيجة: لم ينجح في أن يعترف غيرُ المؤمنين بالرب يسوع، ولا حتى أن يُعطيهم شهادة الحب العظمى. كما أنه لم ينجح نجاحاً أعظم إزاء الصليبيين، ولم يتوصل إلى مصالحة البشر، ولا إلى منعهم من أن يقتتلوا. فقد شهد انهيار جميع أحلامه. وفوق كل شيء شهد الاستهزاء بسر التقوى. إن ايمانه الخالص بالوحدة والاخوة وهمته لتعزيزهما، قد انكسرتا لقسوة أرض الواقع.
وفي مدخل روما
في طريق العودة الى ايطاليا، خطر بباله أن يجتاز بداية ترحُّل داخليّ، ذلك بأن الاستشهاد الذي بحث عنه بلا جدوى خارجاً عنه، تعبيراً عن أيمانه الكبير وتشبهه الكامل بيسوع المسيح، فعليه الآن أن يجده في باطنه، وفي صميم إيمانه، ذلك بأن الانسان لا يجعل نفسه شهيداً، ولا يختار هو نفسه جلاديه، فضلاً عن أنّ عظيم شدائد الحب الإلهي ليس في الشدائد الجسدية، بل في الشدائد الايمانية.
هذه كانت نسخة البابا فرنسيس مع المسلمين سنة 1219 م، لنقارنها بنسخة البابا فرنسيس سنة 2021 م، 
تأثر البابا الحالي بفرنسيس الاسيزي، واستبدل اسمه ليجعله فرنسيس، تأسياً به، وسعى بكل جده أن يسير على منهجه، فنادى بوحدة العائلة البشرية وأعاد للاذهان هذا الحدث التاريخي بعد 802 من السنين أي ثمان قرون. 
فالبابا فرنسيس ينطلق من قرارات المجمع الفاتيكاني الثاني القائل بخلاص غير المسيحيين، وبخلاص المسلمين فهم ينتمون الى العائلة الابراهيمية ويؤمنون بالاله الواحد ويسعون لرضا الله، وكان يستلهم افكار الفيلسوف ادغار موران الذي يقول: "علينا أن نتصور وحدة تضمن التنوع وتميزه، وأن نتصور تنوعاً ينخرط في الوحدة. لذلك قال البابا فرنسيس بضرورة تجنب التصنيف : الأنا والأنت، فتقسيم أنا وأنت لم يعد مجدياً كما يقولون، فلا أنا ولا أنت وأهم ما في الأمر "نحن" التي يجب أن ينضوي تحتها الجميع، إذا أردنا أن نصل إلى وحدة العائلة البشرية كما يسميها البابا فرنسيس، أو الوحدة الانسانية كما يسميها الفلاسفة المعاصرون، ولا يمكن الوصول الى الوحدة الانسانية ما لم يحصل التقارب بين اتباع الديانات، التي تنتمي الى ارومة ابراهيم عليه السلام.
قرأ فرنسيس 2021 تجربة فرنسيس 1219، واستقى منها فكراً جديداً فالاليات اختلفت، والظروف تغيرت، والافكار تبدلت، فعصر الاسيزي ليس هو عصر فرنسيس هذا.
البابا فرنسيس يعتزم زيارة العراق
كان هناك تشابه ملحوظ بين الظروف التي تخللت بهما زيارة 1219 وزيارة 2021 ففي الاولى كانت الحروب الصليبية لا تزال اثارها واضحة، ونقمة المسلمين منها معلنة، وتفاخر دعاة الحروب الصليبية واضح للعيان، وتضرر كثير من مسيحيي الشرق منها، واتى فرنسيس لزيارة بلاد المسلمين يحمل بيده غصن الزيتون بين خوف المحبين له من قتله، واستهزاء الصليبين منه.
وبابا 2021 اتى والحروب التي شنها الغرب المسيحي على بلاد ما بين النهرين، لا تزال اثارها تملأ الخافقين، وسميت بالحرب الصليبية الثانية، واعطاها بعض المتطرفين من الساسة المسيحيين هذا الوصف، ووقف بعضهم على اطلال بابل مفتخراً بخرابها كما ورد في الكتاب المقدس، وعانى المسلمون من هذه الحرب الويلات والدمار، لتأتي جماعة متطرفة من داخل البيت الاسلامي، مؤدجلة بافكار ظلامية تستهدف الجميع من مسيحيين وغيرهم، وهي لا تختلف عن جماعة فرسان الهيكل المسيحية، أو جماعة محاكم التفتيش السيئة الصيت التي تعتبر نسخة داعش المسيحية" في افعالها وجرائمها،  ليعاني المسيحيين في العراق من التهجير والاقصاء.
في مثل نهاية هذه الاوضاع يختار البابا موعدا ووقتاً لزيارته.
دوافع الزيارة
لم يات البابا مبشراً بالمسيحية، كما فعل سلفه الاسيزي، بل جاء منادياً بالاخوة الانسانية، رغم تحذيرات الكثيرين له فالوضع الامني في العراق لا يؤتمن، اضافة لاصابة البشرية بطاعون فتاك بسبب فيروس كوروا، ولكنه بذلك حمل امنية سلفه وهو ان يستشهد وينال تاج الشهادة في رسالته، ويقتدي بيسوع المصلوب من اجل الانسانية. فاصر على المجيء في هذا الوقت.
عالم المسلمين وحكيمهم
لم يتوفر لفرنسيس الاسيزي شخصية بثقل وحكمة الامام السيستاني في حواره ولقائه سنة 1219، فكان هذا ما ميز لقاء 2021 ان فرنسيس هذا التقى بحكيم المسلمين وعالمهم، فالسيد السيستاني شخصية روحانية وربانية تعدت مكانتها حدود الجغرافيا ووصل اسمها للمشرق والمغرب، فهو من تُرفع له القبعة، ويجثو العدو قبل الصديق على ركبتيه احتراما واجلالا لحكمته التي ينطق بها.
الجميل في الامر اذا كان الاسيزي يجهل حال حاكم المسلمين سنة 1219 فالبابا فرنسيس يعلم من سيلتقي به، ويعي ان هذا الرجل هو اعلى من الحاكم والمرشد للمسلمين، فهو زعيم ديني تخضع لكلامه الملايين من المسلمين وتهتدي برأيه حتى الطوائف والمذاهب الاخرى.
وقد سبق فرنسيس بالفعل وليس بالقول، في رفع شعار الاخوة الانسانية، وتطبيق ذلك على ارض الواقع، ابان الهجمة البربرية لداعش ضد المسيحيين وغيرهم من الديانات الاخرى، اذا افتى بوجوب حماية المسيحيين وحراسة كنائسهم واديرتهم، كما هو الحال في حماية بقية اتباع الاديان الاخرى في العراق، وصون املاكهم واعراضهم وحفظ دمائهم، بل ان اتباعه هبوا وقدموا قوافل الشهداء من اجل هذا الهدف النبيل.
فما كان ينادي به البابا فرنسيس وجد أن هذا الزعيم الروحي المسلم قد طبقه قولا وفعلا، ويشهد له المكون المسيحي في العراق بقسيسينه ورهبانه وبطاركته، فقال البابا فرنسيس للسيستاني: انما اتيت لاقدم لكم الشكر ولطائفتك الشيعية على ما قدمتموه من تضحيات من اجل حماية المسيحيين واتباع الديانات الاخرى واوصلتم رسالتكم الانسانية للعالم اجمع وهي محط احترامنا الكبير.
انبهار البابا بشخصية السيستاني
ساعة كاملة من الحوار والحديث، بين المرجع والبابا، جعلت بابا الفاتيكان يكرر كلامه ويقول: أني قلت وحدثت ان هناك قديسين ورجال الله في كل الاديان وهم متخفون، وهم صنائع الله، وهؤلاء القديسين هم رجال الصلاح والايمان والرحمة، ويسعون لخدمة الانسانية، وهذا ليس حكراً على المسيحيين فقط، وهذا الرجل السيستاني واحد منهم اي من القديسين والصالحين الذين ينشرون الرحمة والمحبة في الانسانية.
البابا في رحلة العودة
كما عاد الاسيزي سنة 1219 الى روما وتحدث عن رحلته ولقائه بحاكم المسلمين، كان البابا فرنسيس له نفس الموقف فشرح لمن معه بعض محطات اللقاء، وقال ان مبدأ الاخوة الذي جاء يبشر به ويروج له قد اعطى السيد السيستاني مقولة غاية في العظمة اغنتني عن كثير من المفاهيم فهي تصب تماما في طريق الاخوة "الناس صنفان اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق" واما هذا الرجل فاني اراه قديس "رجل الله" وهذه رؤيتي تتحقق بان هناك قديسين خارج المسيحية يتمتعون بروحانية وصلاح لا نظير له. فكان السيستاني القديس الذي نقصده ضمن هذه الرؤية.
ما بين فرنسيس وفرنسيس
كان قصد البابا فرنسيس الاسيزي سنة 1219: إمّا أن يُقنع السُّلطان المسلم بالدين المسيحي، وإمّا أن يستشهد أمانةً لإيمانه.
وفي نهاية الأمر، لم يتحقق لا هذا ولا ذاك، بل أثمرت مقابلتهما بأنّ كليهما قد بدّل مفهومه الخطأ عن الآخر: فلم يجد السُّلطان أمامه رجلاً صليبياً، يدعو للحروب والقتل، وإبادة المسلمين، بل رجل الله، ولم يجد فرنسيس أمامه صورة الحاكم المسلم المُضطهِد الذي كان يتوقعه، ويسمع ويتصور، بل حاكماً مُتفهِّماً، يحترم الآخر المختلف، ويوقره. وعاد فرنسيس الى روما ولم يزر القدس ليتبرك بزيارة كنيسة القيامة او كنيسة القبر المقدس، فعاد الى الفاتيكان.
أما البابا فرنسيس بلقائه السيد السيستاني فقال انه قد استفاد روحيا وايمانيا من حديثه مع السيستاني وتاثر بتواضعه وزهده وتقواه واخلاقه، وكانت الزيارة لها اثر كبير روحيا في نفسه استفاد منها، واثمرت عن نشر روح المحبة، وان الاديان التي تنتمي لابراهيم لا تختلف من حيث الاخلاق والتوجه الى الله، فخرج البابا من هذا اللقاء مزهوا وفرحاً، بل ويرى انه قد حقق بغيته، وان الزيارة قد اتت أُكلها، وان هذا اللقاء هو مفتاح الحوار، ومد جسور العلاقات الروحية بين بني البشر. وشارك سلفه فرنسيس الاسيزي في موقفه فلم يزر القدس، رغم قربه منها بمقدار ساعة في الطائرة، ليتبرك بكنيسة القيامة او قبر يسوع، وعاد من بلاد ما بين النهرين الى روما.
 فحسب الحوار أن يُثمر مثل هذا الثمر من التآخي والتفاهم وتصحيح المفاهيم الخاطئة.
وليد البعاج
ماجستير في حوار الاديان
جامعة القديس يوسف اليسوعية

 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=155215
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 05 / 07
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 05 / 24