• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الرؤية الدينية والدنيوية لمفهوم الدولة المدنية .
                          • الكاتب : السيد وليد البعاج .

الرؤية الدينية والدنيوية لمفهوم الدولة المدنية

كتابات ق الميزان - خاص
 عقدت في النجف الاشرف في معهد العلمين للدراسات العليا، قاعة الشيخ الطوسي، يوم السابع من تموز لسنة 2021 ، ندوة غاية في الاهمية برعاية ملتقى بحر العلوم للحوار، بالشراكة مع المعهد الاوروبي لتعارف الاديان، حضرها نخبة من رجال الدين طلبة الحوزة العلمية، ومجموعة من الاكاديميين واساتذة الجامعات، وحقوقيين من اهل القانون، ومؤسسات المجتمع المدني متمثلة بشباب الحراك الشعبي الاخير، وعدد من الشخصيات الاعلامية، وكان من الحضور نخبة من خبراء الاتحاد الاوروبي منهم رئيس بعثة الاتحاد الاوروبي السابق في العراق السفير Ramon blecua والمستشار دانيال، والخبيرة اثا، والسفير السويسري السابق في العراق وشخصيات اخرى من المانيا وفرنسا.

الندوة هي جلسة تعقد من اجل الحوار بين مجموعة من الاشخاص حول موضوع معين، ويشارك فيها مجموعة من المختصين، ويتم الاستماع الى اراء الحضور من اجل الحصول على معلومات جديدة، وطرح افكار لم يتم التطرق لها مسبقاً... اذا كان هكذا يعرف اهل التخصص مفهوم الندوة الناجحة فبحق اقول ان الندوة التي عقدها ملتقى بحر العلوم للحوار كانت من انجح الندوات المستوفية لكل العناصر الاساسية للندوة المنتجة.

فمن حيث الموضوع ومن حيث الحضور، فالموضوع غاية بالاهمية، كانت تحيطه ضبابية وتشويش، واهماله زاده ابهاماً طوال هذه السنوات. واما الحضور فهو فسيفساء قل وندر ان تجتمع على طاولة واحدة بروح ايجابية، من رجال دين، وشباب يطالب بالتغيير من مؤسسات المجتمع المدني، واعلاميين ورجال قانون واكاديميين، اضافة الى مجموعة من الخبراء الغربيين من اهل التخصص في هذا المجال، فلا ريب اذا تمخضت ندوة ملتقى بحر العلوم للحوار عن معرفة كانت غائبة، وانتجت ثمرات وعي ملموسة عند كل الحضور، ووجدت ارتياح عند كل الاطراف لجدية الحوار وصدق النية في الطرح، خرج الجميع يحملون اجوبة كانوا بحاجة اليها، وازالة لبس كان يخيم على بعض الاذهان، تحاور الشرق والغرب في هذا الملتقى بلا رجال سياسة، وتبادلوا الخبرات وانبهر الشرقي باعجاب الغربي في حضارة المشرق وتسامحه، وان الشرق فيه من التمازج ما تفتقر له اوروبا بأسرها. وانذهل الغربي باهتمام ابناء الشرق على تطبيق القانون وحرصهم على الديموقراطية، ومستوى التسامح وكشف الغرب للشرق مدى تمسكهم بالدين وعدم اقصاءه فهو ثقافة لا يمكن الاستغناء عنها، والبرلمان الاوروبي يضم قساوسة ولاهوتيين، وكما للشرق متعصبين واصوليين فللغرب راديكاليين ويمين متطرف.

تهاوت بعض الصور المخملية والنرجسية التي يحملها ابناء الشرق عن طبيعة الحكم في اوروبا، وخجل البعض من تطرفه ازاء الدين ورجاله، إذ كان في كلامه اوروبي اكثر من الاوروبيين ورأى انه كان قد فهم الامر من زاوية غير دقيقة، فللدين دور رئيسي في نهضة الغرب، فلم يكن من الانصاف انه يريد التشبه بالغرب في كل شيء ما عدا احترام الدين، فهو يريد النموذج الغربي مع اقصاء الدين وازدراءه، فكان جواب الخبراء الغربيين فرصة ثمينة له اعاد لتفكيره الموضوعية وقراءة الواقع بصورة ايجابية واحترم انتمائه.

الرأي عند الاكاديميين

كان موضوع الحوار حول الدولة المدنية ورؤية النجف، فانبرى الاكاديميون للحديث عن ذلك كونهم علماء في تخصصهم ومن اهل بيئة النجف، ورأيهم هو المزج بين التمدن والمحافظة على القيم الاخلاقية، واعادة قراءة النص الديني بشكل حديث ومعاصر يتناسب مع الواقع فقالوا:

الخوف من الدولة الدينية موجود لا ينكره احد وطالبان نموذج معاصر وموجود ومرعب لهذه الدولة، وكذلك هناك نموذج للدولة المدنية "مرعب ايضا" يضاهي رعب الدولة الدينية، والذي لاحظناه برفع جماعة لعلم المثليين في داخل احدى الجامعات العراقية. فلابد لمفهوم المدنية ان يحترم الثوابت الدينية والاخلاقية للمجتمع العراقي.

والمجتمع العراقي في تقبله لفكرة الدولة المدنية في ذهنه عدة قضايا منها: الريبة في طبيعة الدعوات، فالدولة المدنية تعارض كل الموروث الثقافي عنده، اضافة الى ظهور تيارات مضادة تعمل بالضد، ممكن أن نسمي ما يحصل هو صراع التيارات او صراع الاجيال، صراع الجيل القديم مع جيل الشباب. وهو عدم التقبل للافكار بين جيل الاباء والابناء فكل يريد الامر على شاكلته. وهناك شيء مترسخ في ذهن الناس ان هذه الدولة المدنية تسعى لتمييع الدين وتضييع القيم الاخلاقية.

التساؤل: هل نجحت الدعوات للدولة المدنية في العالم العربي والاسلامي؟! ولكن ما حصل في الجزائر "جبهة الانقاذ الوطني" وفي مصر كذلك كان تجربة ديموقراطية في كلا البلدين ولكن للاسف حصل انقلاب على التجربة الديموقراطية لماذا التيارات العالمية لا تدعم الديموقراطية اليس هؤلاء وصلوا للحكم عن طريق صناديق الاقتراع، اليس كانوا على هرم السلطة بارادة شعبية لماذا رضي الغرب بالانقلاب عليهم.

وحول رؤية النجف الاشرف للدولة المدنية شرح احد الباحثين الاكاديميين بحسب منظوره: كيف فكرت النجف في الدولة المدنية وكيف ظهر الاخر وكيف تجلى الاخر في تفكير النخب الدينية خلال مائة عام، فقال ان هناك نمطان بهذا الاتجاه الاول نمط ابتعادي: تتراوح شدته من الريبة الى العداء والمناهضة مع الاخر، وهذا النمط موجود بشكل واضح ببعض النصوص الدينية والفقهية والمواقف السياسية المنبثقة من رؤية مبنية على بعض الاستنتاجات التي ظهرت في وقوفها ضد بعض المذاهب والتيارات.

اما النمط الثاني فهو النمط الاقترابي، الذي تتراوح شدته من القبول المشروط بالاخر مرورا بالانفتاح عليه للوصول الى الاخر. ووجود هذا التجلي الاقترابي على الاخر عند رجال الدين يكشفه لنا الادب النجفي مثل قصيدة الشيخ محمد رضا الشبيبي سنة 1912 في رثاء موتى سفينة التايتانك، وكذلك نجد التجلي الاقترابي في اعمال الشاعر الجواهري، والشيخ علي الشرقي، والصافي النجفي، وفي الكاتب النثري جعفر الخليلي.

ونتجت عندنا نمطين للذات الشيعية النجفية:

الاولى: هي ذات شيعية ترى نفسها تحمل رسالة سماوية تتمثل في ترويج الاسلام والحفاظ عليه بكل معانيه السياسية والثقافية.

والذات الثانية: هي ذات عالمية ترى نفسها في حوار وتعاون مع العالم تريد اقامة علاقات تعاون واقتراب عالمي.

والسؤال الذي تم طرحه: الى اي مدى تنسجم اطروحة الدولة المدنية صريحة أو ضمنية مع النص الفقهي النجفي المعاصر. وهل هناك احكام تعرقل إقامة دولة مدنية.  وهل رجال الدين الذين دعموا دولة مدنية صراحة أو ضمناً، ومنهم ادباء لم تكن لهم تناقضات في رسائلهم العملية. كيف نجد التناقض وكيف نصل الى حل منطقي؟ ما هو المانع دون قيام فقه صريح يدعم قيام دولة مدنية دون وجود تحسس من استخدام هذا المصطلح الغربي في الفقه.

ونحن نقر أن هناك فهم متناقض عند الشباب العراقي،  لاراء المجتهدين والعلماء، وكذلك لاحظنا الانتقائية عند بعض مؤسسات المجتمع المدني في اختيار اراء المراجع، بحسب ما يلائم توجهها.  وملاحظة امر مهم، ان هناك اعراف وتقاليد مجتمعية يتبعها بعض الناس اكثر من الدين ويرون في ما يسمى بالدولة المدنية تنافيا مع قيمهم المجتمعية.

أهل القانون

أدلى رجال الحقوق والقانون بدلوهم في هذه الندوة فقالوا: لا يمكن ان ننظر الى النتائج ما لم ننظر الى هرم الدولة وهو الدستور فهوية المجتمع العراقي التي اثبتها الدستور هوية غير واضحة اذ نلاحظ ان الدستور جاء بنقيضين الاول: فقرة تمنع سن اي قانون يعارض تعاليم الاسلام، وبفقرة اخرى يقول فيها لا يسن قانون مخالف للديموقراطية، وكلنا نعلم ان احكام الاسلام ليست ثابتة لدى الجميع بل هي متغيرة لدى جهة دون جهة اخرى وكذلك مبادئ الديموقراطية ليست واحدة عند الجميع فكيف يمكن القول ان هذا القانون خالف ام لا؟ والمواطن العراقي في تناقض لا يعرف ما يريد يتطلع لاوروبا كمثال ومن ناحية يتمسك بقيمه الاخلاقية.

حتى القانونيين ومن هم مؤمنين بالقانون يتذرعون بالشريعة لمخالفة القانون، فنرى في بعض جلساتنا البعض من اهل القانون يقول نحن نقلد المرجع الفلاني وهو يجوّز اخذ المال العام مثلاً، فهذه مشكلة فحين يتحدث هذا القانوني عن المدنية بصفته القانونية يفترض ان يطبق القانون.

والسؤال هل المجتمع العراقي بشكل عام يسمح بمغادرة العادات والتقاليد والدخول بساحة مدنية على نموذج غربي، هل يسمح المجتمع ولو نظرياً ان الدين لا يتدخل مطلقا في مؤسسات الدولة وسن التشريعات؟

هل نسمح بعدم تدخل الدين بوضع المنظومة التشريعية بعدم تدخلها مطلقا. هل من الممكن وضع مفهوم موازي لمفهوم العلمانية الغربية ويمازج بين المفهومين مثل التجربة التونسية الحالية التي توازن بين الدين والمدنية. فتونس اليوم الدولة الوسطية بين الدين والمدنية في العالم العربي، والمدنية تكون توافقية بين وجود الدين واحترام القوانين. والدستور العراقي كان وسطاً في ذلك، ولكنه قال لا يسن قانون مخالف لاحكام الشريعة الاسلامية وبهذا وضع مفاهيم بدون تطبيقات.

الشباب النجفي

كانت هناك اكثر من مؤسسة مجتمع مدني، ونخبة من سباب الحراك الشعبي المعاصر، اخذوا مساحة كافية من الحوار لبيان رؤيتهم في العراق الجديد: برر الشباب النجفي الواعي ان ديمومة وجودهم في التظاهرات رغم ما تضمنت من بعض المواقف السلبية كان لبث الوعي إذ انهم استطاعوا ان يغيروا افكار كثير من الشباب الذين كانوا يكرهون الدين فهؤلاء قد فتحوا عيونهم على سوء الحكم في الدولة وازمة الكهرباء، وسوء الاحزاب التي تمسك بالسلطة وقناعتهم ان هذه الاحزاب لها خلفية دينية وتم اسقاط فشلهم على المؤسسة الدينية، فكنا نوضح لهم خطأ فكرتهم وتصورهم وانهم بهذا ننتقل من تطرف الى تطرف آخر. ونحن لا ننكر اننا نتعامل مع صراع اجيال.

نحن كشباب ومؤسسات مجتمع مدني نقر ونعترف ان مرجعية النجف خطت خطوات مهمة وكبيرة في ردم الفجوة، وعوضت غياب المجتمع المدني بعد عام 2003، حتى اعاد المجتمع المدني وجوده وبرز في الساحة ... ولكن غياب شكل الدولة أضر المواطن، فنحن نعي ضغط العولمة، والمفاهيم الاوربية في مجتمعنا.

ونعلنها صراحة كشباب ومؤسسات مجتمع مدني لم نطالب يوماً بالتحلل ابداً، فكلنا لدينا مواكب حسينية ونحضر المجالس، ونداوم على الزيارة، ونؤدي الفرائض، ولكن ننبذ ثقافة الخوف من الاخر، وان الاخر يهدد كيان الدولة، نحن بحاجة الى صناعة الارضية المشتركة، فلا نريد للنجف ان تكون مدينة اوروبية، وما نريده هو حرية التعبير، اما حرية المعتقد ونقد الدين فهذا ليس جزء من الغزو الثقافي كما يتم تصويره وانما هذا نشأ مع الطبيعة البشرية. فنحن كشباب نجفي نحترم جذورنا ونعتز بانتمائنا ولكن نسعى لبيئة صحية تتكفل باحترام مساحتي الشخصية وتتأقلم مع المفاهيم الجديدة، ودولة تضمن لي ذلك.

وحول نقد الاكاديميين للشباب بسبب رفع علم المثلية في احدى الجامعات فنحن مؤسسات المجتمع المدني من الشباب نرفض ذلك، ونستهجنه ونستنكره، وان اتخذ من المظاهرات غطاء له ومن الحراك الشعبي مظلة يتستر بها، ولكن هذا الا يشبه وجود جماعة مسلحة تزهق ارواح الناس واتخذت من الدين غطاء لها. نحن نعلم ان الدين يرفض هذه الجماعات ولا يتحمل مسؤوليتها فكذلك الحراك الشعبي.

ولكن لماذا هناك توجه لربط المدنية بالمثلية، لماذا تربط الشباب بالحركات المنحرفة، لماذا يتم شمل الشباب بالدعوات للالحاد والمثلية والاباحية.. هناك اتهامات شرسة للشباب من الممكن ان تبيح دماءهم لماذا لا يتم تكفير رجال الدين الذين يدعون للطائفية والقتل، لماذا لا يتم التركيز على ازمة الكهرباء وعلى حرية التعبير.

رجال الحوزة

كان رجال الدين من طلبة العلم في الحوزة النجفية ينصتون لما يطرح في هذه الندوة، فعرضوا قراءتهم للاحداث، بحسب وجهة نظرهم، فمهدوا لقولهم: مما يؤسف له في مجتمعنا العربي ان النظرة الى الاوربيين انهم المثل الاعلى في تطبيق القانون والعمل بالديموقراطية، ولكننا نجد في مواضع عدة أن هناك ازدواجية في التعامل لدى كثير من هذه الدول سواء مع المواطنين او مع الدول الاخرى، ونجد ان ما يحكم التعامل هو معايير اقتصادية اولاً وسياسية ثانياً، فمن حيث القضايا السياسية في العالم هناك مجازر ومصائب حصلت، لم يتدخل الاوربيون فيها ابداً بل لم يهتموا لما يحصل او يجري لانه ليس هناك من شيء يهدد مصالحهم الاقتصادية او السياسية في هذه الدول التي تعاني التعسف.

ومما نفهمه نحن طلبة الحوزة العلمية من خطابات المرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف، في مسألة الحكومة او الدولة او ما يسمى بالدولة المدنية فهو بالواقع ليس سوى النظام الديموقراطي الذي نتلمسه، فهو المراد بالدولة المدنية في تعبيراتنا وهو ان يحكم الشعب نفسه بنفسه، وان يقوم بتشريع قوانين تلائم الهوية التي ينطلق منها. فالدولة المدنية هي النظام الديموقراطي الذي نتوخاه بشروط ثلاثة:

الاول: ان لا يكون سن القوانين منافياً للثوابت الدينية ولا تتقاطع مع أساسيات الدين الاسلامي، فالديموقراطية هي مطلبنا بشرط ان لا تقف بوجه الدين.

ثانياً: الانتقال السلمي للسلطة،  بان تكون هناك حالة من التفاهم والتعامل المنفتح بين الفرقاء الذين يقودون الدولة في انتقال السلطة، بان يكون انتقال سلمي وشفاف للسلطة.

ثالثاً: النظر الى افراد المجتمع انهم مواطنون يستحقون كثير من الحقوق وعلى الدولة الالتزام بواجباتها ازاء الشعب، وان تنظر لهم نظرة تساوي بغض النظر عن معتقدهم وانتمائهم.

ومن هذه الاطر الثلاثة نفهم دعوة المرجعية الدينية للمواطنين بالمشاركة الانتخابية وتوعيتهم من اجل تحقيق نظام ديموقراطي يحكم الشعب نفسه بنفسه، وكتابة دستورهم، ولكن للأسف هناك بعض الاحداث جعلت النظر الى المجتمعات الدينية انها مجتمعات خطرة وغير مقبولة، فتمت محاربة المجتمع المتدين ومناهضة المتدينين بمنعهم حتى من لبس الحجاب في المدارس ومتى كان الحجاب يمنع التقدم العلمي.

من هذا الطرح نكشف أن المرجعية الدينية لا تدعو الى دولة دينية بان يكون الدين هو المتدخل في جزئيات قضاياهم، والنجف الاشرف ليس كما يضن البعض انتبهت لمفهوم الدولة المدنية او النظام الديموقراطي بعد عام 2003 بل من يراجع تاريخ المرجعية يجد ان هناك اشارات من النجف الاشرف من سنة 1929 تدعو الى قيام دولة مدنية ونظام ديموقراطي وقد تناولها العلامة النائيني في كتابه تنزيه الملة.

وحول اشكالية من قال بعدم وضوح الهوية العراقية: قد انتهى الجدل في هذا الامر بلجنة كتابة الدستور بان العراق جزء من العالم الاسلامي وانه عراق نيابي ديموقراطي فحسم الجدل على صفة النظام الذي اختاره الدستور.

وحول ما عرضه الشباب في هذه الندوة علق رجال الحوزة على ذلك: كان المتظاهرين يسيرون على حقل من الالغام اذ كان لابد عليهم ان يطالبوا بالتغيير على ضوء الدستور وليس على طريقة الانقلاب المرفوضة.

ونحن لا ننكر ان الشباب كان لهم دور في احياء هذه الممارسات ونقد نظام الحكم إذ لديهم روح المبادرة، والجرأة والامكانات الحديثة التي يملكونها، وتمكنوا من احداث تغيير، واستطاعوا احداث صدمة في مجتمعنا لذا كان هناك تأييد لهذه الظاهرة بشرط ان تسير في طرقها القانونية وحالتها السلمية البعيدة عن العبث والتخريب وهدر المال العام.

وحول تجاوب الدين مع متطلبات العصر: فهذا واضح في منظومتنا الفقهية فكنا نقسم البلدان الى دولة اسلام ودولة كفر، فهذا المفهوم او التقسيم اختفى تماما اليوم، وتغير الان، المفاهيم الفقهية كذلك تغيرت في عدد من الحالات وتم طرح مفاهيم جديدة مثل التأمين لم يكن معروفا في الاسلام ولكنه الان موجود في الفقه الاسلامي، واحكام البنوك وتعاملاتها وغيرها من القضايا التي تكشف حركية وتطور في الفقه.

لماذا لم تستعمل المرجعية مصطلح الدولة المدنية: فنحن لاحظنا من كلام الخبراء الاوربيون ان هناك استعمالات متعددة للدولة المدنية ولكن هذا المصطلح لم يتم استعماله كاصطلاح قانوني وهذا يكشف لنا السبب في عدم استعمال المرجعية لهذا الاصطلاح،  لعدم وجود هكذا اصطلاح في القانون لنظام الدولة، بل المصطلح المتعارف هو الدولة الديموقراطية. فكان خطاب المرجعية يسير كذلك على حقل من الغام اذ كان يريد ان يسير بالمجتمع لبناء أسس قيام دولة مدنية حديثة فكانت منها اشارات واضحة وتصريحات علنية لدولة من الشعب والى الشعب، يتولاها الكفاءات في هذا البلد والنخب الفكرية والعلمية، لا حكم لرجال الدين في هذه الدولة، والتشريعات وبناء الدولة والعقد الاجتماعي يحدده الدستور، لذا كانت الخطوة الاولى والاساسية ان يكتب الدستور بايدي وطنية متخصصة من ابناء الشعب.

وحول التناقض في الدستور ان لا يسن قانون مخالف للدين الاسلام، وغير مخالف للديموقراطية، قال طلبة الحوزة: ثوابت الاسلام ليست الاحكام الشرعية، فلا يوجد تناقض في الدستور. في هذه المادة كما يتوهم البعض.

 الخبراء الغربيين

كانت المفاجأة مدوية حينما صرح الخبراء الاوربيون في تقرير حقيقتين مهمتين على المجتمع العربي او العراقي خاصة ان يتفهمهما، فليس هناك شيء اسمه الدولة المدنية، ولا وجود لهكذا مصطلح، بل ما عندنا هو الدولة الديموقراطية؟! والحقيقة الثانية الدول الاوروبية ليست ذات نظام علماني فللدين وجود واضح بها في دستورها وفي تعاملاتها، ويقسم مسؤوليها على الكتاب المقدس بتسنم المناصب، وبرلمانهم الاوروبي لا تخلوا دورة نيابية من وجود قساوسة ولاهوتيين كاعضاء منتخبين فيه.

فقالوا: هناك سوء فهم لموضوع الدولة المدنية او علاقة الدولة بالدين  فيجب ان تعرفوا ان هذا الامر اكثر تعقيداً فالدولة يجب ان تكون للجميع حتى للاديان، فليس هناك دولة بلا دين، فالدين جزء من الحياة الطبيعية في المجتمع المدني.

ونقولها بصراحة في اوروبا الدين فرض نفسه كواقع حال على الدولة هناك والحق يقال ان تجربتكم مع الاديان اغنى من تجربة اوروبا، فمثلا في العراق لديكم ديانات اكثر من باقي الدول ولديكم التزامات بالدين اكثر من بقية الدول فلديكم اديان ومذاهب كثيرة فيجب ان نعترف جميعاً ان سياق العراق مختلف عن اوروبا. الاديان هي جزء من الشأن العام بتعدديتها وبكليتها.

التجربة الالمانية:  فمثلا في المانيا المسالة الدينية ذات بعدين الاول البعد الشكلي والثاني البعد الموضوعي اما من حيث البعد الشكلي: فالاديان في المانيا وفي اوروبا عموما يتم الاعتراف بها اذا اثبتت ان لها اتباع ولها صفة الاستمرارية وان يكون لها ما يسمى قانون هيئة عام، فالكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية لكل منها هيئة قانون عام، اي لها هيئة وتنظم شؤونها بنفسها، وتجبي الدولة منهم 2 % من الضرائب، وهذه الهيئة لها ارتباطات مع اتباع يمثلونها، مع مسالة الاستمرارية وان لهذه الهيئة ارتباطات وجذور وتطورات بالتاريخ وليست وليدة اللحظة او ذات امد قصير،

واما من حيث البعد الموضوعي: فما له هيئة تمثله يكون ديناً معترف به، والمحكمة الدستورية الاتحادية ميزت بين الافكار والايدولوجيات، وقالت ان الاديان يجب ان ترتبط بالاستمرارية. فالدين في سياسة ودولة المانيا ليس مسالة شخصية، وانما مسالة عامة ولكن ليس بالمعنى القانوني.

ومن الامثلة على احترام الدولة في المانيا للدين: في عام 2009 تم رفع دعوى على عطلة يوم الاحد واغلاق المحلات بان الزامية العطلة غير صحيح ويجب ان تعطى فرصة لاصحاب المحلات ان تفتح متى تريد.

ولكن المحكمة الاتحادية ردت هذه الدعوى وقالت ان يوم الاحد مقدس عند المسيحيين واعطت الحق للكنائس بالادعاء في هذا الموضوع، واضافت المحكمة ان العطلة يوم الاحد ليست مقتصرة على الشأن الديني فحسب بل ان يوم الاحد يوم الراحة وهو حق الانسان.

التجربة الفرنسية: نعم فرنسا تختلف عن اوروبا، فنظام الحكم في فرنسا مختلف، فهو نظام علماني ينص على فصل الدين عن الدولة فصل تام وكامل. وواضح جدا ان الدين يلعب دورا مهما بالشان العام، فالقانون الذي تم اقراره في فرنسا سنة 1905 كان واضح بفصل الدين عن الحكومة، والحكومة تمنح الحرية المطلقة بالنسبة للعقيدة ولكنها بالوقت نفسه لا تعترف بالدين الرسمي للدولة، فالدين مفصول تماما عن الدولة، واي شخص له حق في اتباع اي دين.

فالعلمانية في فرنسا لم تظهر بشكل مفاجئ ولكنها كانت نتاج صراعات طويلة وقوانين واحكام سابقة صدرت في القرن التاسع عشر تصب بذات الاتجاه، ان الفكرة الرئيسية بان المجتمع المدني لا توجد فيه سلطة غير سلطة القانون وان دور الدين مهم في المجتمع، ولكنه يبقى خاضع للقانون، فلا توجد سلطة فوق القانون.

فرنسا لها تاريخ طويل مع العلمانية، فالمجتمع يجب ان يميز بين الاثنين، فالصراعات كانت موجودة قبل الثورة الفرنسية ومن ايام نابليون، حتى تم التصويت على القانون عام 1905 بفصل الدين عن الدولة، فالدولة لا تتدخل بالكنيسة والكنيسة لا تتدخل بالسياسة، والجميع لهم حرية الاعتقاد وتضمن لهم الحيادية في الدولة، والدولة لا تتخذ اي نوع من الديانة ولا يحق للمسؤولين القسم على الكتب المقدسة.

ولم يقتصر الامر في فرنسا الى هذا الحد  فقد برز تيار له مركز في باريس يدعو الى علمانية المجتمع لا فقط علمانية الدولة، ودعت هذه الجهة ولا زالت تدعو المجتمع الفرنسي ان يكون متحررا ولديه حرية في ممارسة كل ما يريد، فالحرية هي حق للجميع، وهذا صراع فكري قوي جدا يجري حاليا في فرنسا على مستوى كبير والسؤال هناك: هل يجب ان تكون هذه العلمانية في الدولة فقط ام حتى في المجتمع.

سؤال خطير: وحول سؤالكم: كيف يمكن تعريف العلاقة بين الدين والحكومة؟

هذا سؤال طرحه الاوربيون منذ خمس قرون وهو سؤال أدى الى كثير من الحروب الى فترة القرن العشرين، فهذا كان سؤال اوروبا، والان انتم بدأتم بهذا السؤال. ونقول لكم  هذا صراع وجدل لم يتم حسمه الى الان.

ان الفصل بين الدين والدولة في اوروبا هي من المسائل الشائكة وغير الواضحة تماما، بل هو وهم، ففي فرنسا يقولون يجب ان يكون الفصل تاما، بينما نجد في المانيا حوار عقيم بل هناك صراع محتد وقوي في كيفية تنظيم العلاقة بين الدين والحكومة. ففرنسا تختلف عن المانيا الثوابت ذاتها والجزئيات مختلفة.

  ففي احدى المقاطعات في المانيا مسموح ان يكون الدين في المدارس، واثيرت مسائل كثيرة حول ذلك: هل يلبس المعلمين والطلبة الصلبان، هل توضع الصلبان على جدران المدارس، هل تاخذ الحكومة ضرائب من الكنائس.

الى الان لم يتم حسم هذه القضايا والصراع مستمر بلا نتيجة، لانه تولدت اسئلة اخرى هل ستاخذ الحكومة الالمانية ضرائب من المؤسسات الاسلامية، هل يسمح للمعلمات المسلمات الدوام بالحجاب ام لا، فاذا منعت الصلبان يجب منع الحجاب، واذا رفض المسلم، فسيعترض المسيحي لتجريده من الصليب في المدرسة، والى الان لا توجد حلول نهائية ولم يتم حسم الامر حتى اليوم.

البرلمان الالماني لديهم خبرات مختلفة وتشكيلة متنوعة من عموم الشعب، وفيهم قسيسين ولاهوتيين درسوا الدين وتعلموا اللاهوت ، ولكن تجد الجميع يرتدي ملابس مدنية، فرجال الدين في البرلمان لا يميزون انفسهم بلباسهم الديني كما هو الحال عندكم في زي الحوزة، فعندنا في المانيا الحياة الدينية تشارك السياسية ، ووجود قساوسة في البرلمان الالماني هو وجود للثقافة وليس للدين، فهم يمثلون الثقافة البروتستانتية وغيرها، وهم ملتزمين بخلع الملابس الدينية داخل قبة البرلمان لانهم يمثلون الشعب، والدين هو ثقافة موجودة. ولدينا في انكلترا "قس أكبر" ولكن الملكة لديها سلطة عليه وعلى الكنيسة وان لم تمارس ذلك في الواقع ولكنها يتم استشارتها في مثل هذه الشؤون. ونستطيع القول ان ما يحدد العلاقات في المجتمعات الاوروبية ان هناك اختلاط بين الدين والمجتمع.

وعندنا في اوروبا العديد من الاحزاب الشعبوية تتخذ راية الدين من اجل عملها السياسي، لذلك نكرر القول هناك عدم وضوح في هذه المسالة في اوروبا، فلم تعد المسالة قانونية بل مسالة سياسية واوربا واقعة في وسط هذا الجدال.

ان التسامح في الشرق اكثر انتشارا من الغرب، هناك ديانات كثيرة تمارس ولم تعتبر هناك مشكلة عندهم ولا تعد سبباً للتوتر، وتتعايشون منذ مئات السنين. ولكن في اوروبا رغم وجود وحدة وتحديد للدولة والممارسات هناك خلافات في ذلك.

نحن في اوروبا لا نستخدم مصطلح الدولة المدنية كثيراً لانه أمر طبيعي ان تكون الدولة مدنية، وانما نستعمل مصطلح الديموقراطية، وما نقصده في حوارنا عن شكل النظام هو الدولة الديموقراطية، فالدولة المدنية الحقيقية لا تكون الا ضمن الديموقراطية.

مصطلح الدولة المدنية غير موجود في الفقه الدستوري الغربي ولا في السياسة فالموجود هو فصل الدين عن الدولة بدرجات ونسب معينة، واما فصل الدين عن الدولة بشكل كامل لم يحصل في اوروبا الا في قانون الاحوال الشخصية، فهو لا يتبع دين واحد، بل الدولة لها حق تقرير الزواج والطلاق وهذا مختلف عن الشرق الاوسط اذ يتبع في ذلك عقيدته في قانون الاحوال الشخصية.

اشكالية مصطلح الديموقراطية من السبعينات مرتبط في الغرب بالمعنى الواسع بشكل اوتوماتيكي بالليبرالية الديموقراطية يشمل مجموعة من الحقوق الاساسية، وممارسة الحق الانتخابي الذي يؤدي الى السلطة، وقد تغلب علماء السياسة على علماء القانون في توصيف الديموقراطية. وهناك تباين في وصف علماء الفقه الدستوري للديموقراطية،

يجب ان تعلموا ان في كل اوروبا هناك يمين متطرف، والخوف موجود عندهم من الثقافات الاخرى.. وهنالك الليبرالية وهناك الراديكالية التي هي ضد الحركة النسوية وضد تعدد الثقافات.. المهم تمكين الجميع من العيش بسلام هي هذه الفكرة الاساسية.

الدولة المدنية لا توجد نعم هناك حكومة قانونية تم اختيارها من قبل الشعب حكومة ملتزمة باحكام القانون. ان قلتم ان هناك دولة قانون نحن نؤيد ذلك ولكن من هو الذي يضع القانون وكيف يتم حماية الاقليات بالقانون الذي تكتبه الاغلبية؟؟

خلاصة

ندوة وضعت النقاط على الحروف، وفهم كل طرف ما يريد، كان الحوار منتج ومجدي، نجحت ندوة ملتقى بحر العلوم للحوار بتحقيق الهدف من اقامتها، وبانت الفائدة المطلوبة منها، فكانت بحق تجمع رسمي وشعبي في إطار اكاديمي نخبوي، قدم كل طرف آراءه ووجهات نظره، فكانت مؤتمرا مصغرا، لم تتشتت الافكار فيه، لان قد تم تحديد محور الموضوع.

والسؤال: هل مصطلح المدنية هو محاولة من العلمانيين لتطمين اعداء العلمانية،  وهذا هو منشأ الضبابية في تشخيص المصطلح ومفاهيمه، وهل استوعبنا ان لا وجود لمصطلح الدولة المدنية والذي نتوهم ان اسمه الدولة المدنية كان النظام الديموقراطي الذي تقبلته مرجعية النجف الاشرف ودعت الشعب له، فهل ينطبق على "مصطلح الدولة المدنية" المقولة الحوزوية "رب مشهور لا اصل له". وهل ترسخ في بالنا ان الديموقراطية تختلف عن العلمانية والانظمة الاوروبية هي انظمة ديموقراطية وللدين وجود وحضور في داخلها، فلا نستهجن بعد ذلك ما يحصل في مجتمعنا العراقي والعربي فالدين ثقافة محترمة عند كل الشعوب في العالم ومكانة رجل الدين مقدرة عند كل الحكومات.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=157909
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 07 / 10
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 05 / 16