• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : هذا ما قاله لي ابن الصباغ المالكي في الإمام الباقر (عليه السلام) .
                          • الكاتب : علي حسين الخباز .

هذا ما قاله لي ابن الصباغ المالكي في الإمام الباقر (عليه السلام)

 أيعقل ذلك وأنا عبد الملك بن مروان، أكتب أوامري الى عامل المدينة فيرفضها؟ آمره بأن يبعث لي محمد بن علي مقيداً فيعصي أوامري، قال له احد وزرائه:ـ انه لا يرد أمرك يا مولاي، لكنه يرى ان يراجعك فيه نصيحة لك، وشفقة عليك، وليس عصياناً..! صاح الخليفة: انا عبد الملك بن مروان وهذا الوالي يريد ان يشفق علي؟ أجابه الوزير:ـ نعم مولاي، لا تغضب، وخذ الامر بالعقل كما عهدناك، فهو يقول لك: ان الرجل الذي اردته ليس اليوم على وجه الأرض أعف منه ولا أزهد ولا اورع منه، وانه من اعلم الناس وأشدّ الناس اجتهاداً وعبادة، وكرهت للخليفة التعرض.. فأجاب عبد الملك بن مروان: اذن، هذا الوالي ناصح أمين، وراح يسهب في الحديث، ويوقر حضوري، وقال لي بعدما قدم كل أمور الضيافة، حيث كنت في ضيافة العلامة علي بن محمد بن أحمد المالكي، المعروف بابن الصباغ: ان الامام محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) مع ما هو عليه من العلم والفضل والسؤدد والرياسة والإمامة، ظاهر الجود في الخاصة والعامة، ومشهور الكرم في الكافة، معروفاً بالفضل والإحسان مع كثرة عياله وتوسط حاله، ثم نظر اليّ مدققا في شكلي وقيافتي: يبدو لي انك غريب؟ قلت: انا غريب أزمنة سيدي، جئتكم من القرن الواحد وعشرين ميلادي..! فسألني مستغرباً: وما الذي لا تعرفونه عن امامكم؟ هل تعلمون مثلا انه محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام)؟ قلت: نعم نعرف، ونعرف ان امه فاطمة بنت الحسن (عليها السلام) ولقبة الباقر وكنيته أبو جعفر، هذه يا سيدي أشياء نعرفها، نريد منك ان تعرفنا بعض سماته وفكره وحياته الفكرية، وآراء علماء عصره فيه. استعدل حينها في جلسته وقال: اسمعني يا ضيفي الكريم، لقد ظهرت في عصره الكثير من المدارس الفقهية، وبعض الفرق مثل الخوارج والمرجئة والكيسانية والغلاة وبدأت بنشر وإشاعة عقائدها بين الناس. لقد قاد الإمام الباقر (عليه السلام) في تلك الحقبة الزمنية حركة علمية واسعة، استمرت حتى بلغت ذروتها في إمامة ابنه الإمام الصادق (عليه السلام)، فقد حصل بعد ظهور الإمام الباقر (سلام الله عليه) تقدّم واسع في هذا الصعيد، وظهرت حركة علمية ثقافية جديرة بالإكبار في أوساط الشيعة، كسرت حاجز التقية إلى حدّ ما، وأزالت حالة الانحسار الذي مني به الفكر الشيعي في دوائر خاصة، ففي ذلك الوقت بدأ الشيعة بتدوين علومهم الإسلامية: كالفقه والتفسير والأخلاق. لقد ردّ الإمام الباقر (عليه السلام) استدلال أصحاب القياس، كما اتّخذ موقفاً شديداً مقابل سائر الفرق الإسلامية المنحرفة وحاول – جاهداً - بهذا الموقف أن يضع حدّاً فاصلاً بين عقائد أهل البيت (عليه السلام) الصحيحة في الأصعدة المختلفة، وبين عقائد سائر الفرق، فقد كان يقول عن الخوارج ما نصّه: «إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم، إن الدين أوسع من ذلك». خصّص الإمام الباقر (عليه السلام) جانباً كبيراً من وقته لتفسير القرآن، حيث تناول فيه جميع شؤونه، وقد أخذ عنه علماء التفسير - على اختلاف آرائهم وميولهم - الشيء الكثير، وقد حصر الإمام معرفة الكتاب العزيز بـأهل البيت (عليهم السلام)، فهم الذين يعرفون محكمه ومتشابهه والناسخ من المنسوخ، وقد اهتمّ بفهم الحديث والوقوف على معطياته. قلت: مهلاً سيدي الصباغ ايها المالكي المذهب، ما نعرفه ان عصر الامام الباقر (عليه السلام) ولضعف سيطرة السلطة اتاح المجال لظهور عقائد وأفكار مختلفة، مما أدّى إلى إيجاد وانتشار أفكار منحرفة في المجتمع. أجابني وبهدوء العلماء: عمل الإمام (عليه السلام) في هذه الظروف على بيان عقائد الشيعة الأصيلة، ومجابهة العقائد الباطلة، والردّ على الشّبهات المطروحة. وعليه كانت بحوث الإمام الكلامية التي كان يطرحها ناظرة لهذه الأمور، منها: عجز العقول عن إدراك حقيقة الله تعالى، وأزلية واجب الوجوب، ووجوب طاعة الإمام (عليه السلام). وله مناظرات مع الكثير من العلماء والمفكرين، بل ومع الزنادقة والمنحرفين وفي شتى المواضيع المختلفة، تصدي الإمام للإسرائيليات من الفئات التي كانت موجودة آنذاك في المجتمع الإسلامي، وكان لها تأثير عميق في ثقافة المجتمع، فقد انتشر في المجتمع الإسلامي آنذاك مجموعة من أحبار اليهود الذين تظاهروا باعتناق الإسلام ومجموعة أخرى لازالوا على الديانة اليهودية، وقد تصدّوا للمرجعية العلمية لطبقة من بسطاء المجتمع الإسلامي. وشكل مجتمعا علميا قام من خلاله بتربية وتعليم مجموعة من العلماء الملتزمين بقيم الشريعة الإسلامية، ومن هنا عندما نلقي نظرة على صفحات تاريخ صدر الإسلام نجد في حياة الإمام (عليه السلام) العلمية عدداً كبيراً من أسماء تلامذته والشخصيات العلمية الممتازة في العالم الإسلامي.
علماء أهل السنة يعدونه فريداً من نوعه: قلت: مثل من يا سيدي؟ قال: مثل ابن حجر الهيتمي الذي يقول عنه: (أبو جعفر محمد الباقر عليه السلام، سمي بذلك من بقر الأرض أي شقّها، وأثار مخبآتها ومكامنها، فلذلك هو أظهر من مخبآت كنوز المعارف، وحقائق الأحكام والحكم واللطائف ما لا يخفى إلا على منطمس البصيرة، أو فاسد الطوية والسريرة، ومن ثمّ قيل فيه هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه، ورافعه... عمرت أوقاته بطاعة الله). وكذلك تحدّث في حقه عبد الله بن عطاء عن إكبار العلماء وتعظيمهم للإمام الباقر (عليه السلام) وتواضعهم له، وهو من الشخصيات البارزة والعلماء العظام ما قوله: «ما رأيت العلماء عند أحد أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) لتواضعهم له...». أما الذهبي، فقد كتب في وصف الإمام الباقر (عليه السلام) قائلاً: «كان الباقر أحد من جمع بين العلم والعمل والسؤدد والشرف والثقة والرزانة، وكان أهلاً للخلافة». وودعني على امل تكرار الضيافة.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=158209
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 07 / 17
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 09 / 19