• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : قضية رأي عام .
              • القسم الفرعي : قضية راي عام .
                    • الموضوع : عاشوراء.. وتوهين المذهب !! .
                          • الكاتب : شعيب العاملي .

عاشوراء.. وتوهين المذهب !!

 بسم الله الرحمن الرحيم

عاشوراء.. سرّ الله.. تستدعي كل عام فتح جبهات من كل حدبٍ وصوب، حول حقيقتها وماهيتها والمنشود منها وآثارها وكيفية إحيائها وعظمة شأنها وغير ذلك.. هكذا صار حالها في هذا الزمن..

يترافق ذلك مع شحنٍ للنفوس، وعصبية مرتفعة، وتَمَوضُعٍ وتَخَندُقٍ وفق محاور مسبقة، وخلفيات محددة، فيضيع الكثير من كلام الحق الذي يقال فيها..

ويرفع عنوان توهين المذهب في عاشوراء عالياً، وتُواجه به جملة من العقائد التي يذكرها الخطباء والشعراء في أيام الحسين عليه السلام، وتُحارَب به بعض مفردات إحياء المناسبة، والتي يقع الخلاف بين المؤمنين في صحة وصفها ب(الشعائر).

ذلك أن توهين المذهب أمرٌ محرّم بالاتفاق، وكل ما أدى إليه يصبح محرماً ولو كان في نفسه جائزاً.
وتُطَبَّقُ هذه القاعدة على بعض معتقداتنا، فيُتّهم العلماء والخطباء والرواديد والمؤمنون بأنهم يروجون لعقائد يؤدي انتشارها إلى توهين المذهب.
ويُؤاخذ المؤمنون بأن بعض أساليبهم في إحياء عاشوراء موهنة للدين.

يتكفّل بهذه الحملة فئات من بيتنا الشيعي، ويخلصون إلى أنه يحرم بسبب التوهين ذكر جملة من المعتقدات على المنابر وفي الفضائيات، وتحرم بعض مظاهر الإحياء، كاللطم غير الحضاري، وضرب الجسم بالسلاسل، وشجّ الرؤوس وإدمائها، والمشي على الجمر، وأمثال ذلك..

ومحط الرحال معهم البحث في محورين: (التوهين) و(السخرية).
فهل هما من سنخٍ واحد؟ ولهما حكم فارد؟

المحور الأول: حقيقة (التوهين).

فما هو التوهين؟

إن (الوهن) في اللغة هو (الضعف)، أطبقت على ذلك كتب اللغة من العين للمحيط والمقاييس واللسان إلى سائر المصادر.
والتوهين هو التضعيف.
ويستدل على حرمة تضعيف الدين أو المذهب بالدليل العقلي أولاً، بعد ثبوت كون الدين دين الله تعالى فمن غير الجائز العمل على إضعافه.
ثم تعضد ذلك أو ترشد إليه الروايات الشريفة، ومنها رواية تحف العقول عن الصادق عليه السلام: وَ كُلُّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ -أَوْ يُقَوَّى بِهِ الْكُفْرُ وَ الشِّرْكُ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِ الْمَعَاصِي- أَوْ بَابٌ يُوهَنُ بِهِ الْحَقُّ فَهُوَ حَرَامٌ (وسائل الشيعة ج17 ص84).

فكل باب يوهن به الحق يصير حراماً، ومن مصاديق ذلك:

1. بيع السلاح لأعداء الدين

والفتاوى في حرمة بيع السلاح لأعداء الدين محل اتفاق بين الفقهاء في الجملة، لكن الاتفاق ليس على حرمتها مطلقاً، إنما اختلفت الآراء في ذلك فالتزم مشهور الفقهاء بحرمته فقط حال قيام الحرب، أما في غير هذا الحال ففيه تفصيل واسع.
لذا وقع الخلاف في كون بيع السلاح لقطاع الطرق من مصاديق تضعيف الحق أم لا.. 

ولما ثبت أن المحرم هو توهين الدين والشريعة بنفسها، وهو لا يشمل اتلاف مال المسلم ما لم يزاحم شيئاً من أمور دينه، لم يكن حرمة بيع السلاح لهم محرماً بعنوان تضعيف الدين..
نعم قد يحرم من باب آخر وهو التعاون على الاثم والعدوان وسواه..

ولذا صرح بعض العلماء أن الظاهر من توهين الحقّ هو توهين أصل المذهب والدين والشّرع كحرب الإمام أو حرب عامّة المسلمين.. لا مطلق المعاصي فإنّ كلّ معصية لا تعدّ توهينا للحقّ بنفسها.

2. ولاية الوالي الجائر

أي تولي الولاية من قبل الوالي الجائر بما يؤدي الى وهن الحق، لذا كان العمل معهم حراماً والتكسب عبرهم، إلا من جهة الضرورة. 
والنتيجة أن ما يؤدي الى تضعيف الدين والمذهب والحق يكون محرماً بالعنوان الثانوي ولو كان جائزاً بنفسه..

المحور الثاني: السخرية

ههنا يطرح السؤال الثاني:

هل السخرية والاستهزاء من التوهين المحرم؟ بمعنى أن أحداً لو استهزأ وسخر من معتقداتنا أو عباداتنا أو طقوسنا وإحيائنا لمناسباتنا، فهل يصبح إظهار كل ذلك محرماً لحرمة التوهين؟

يجيب القرآن الكريم على ذلك في آيات، فيبين:

- أولاً: أن الاستهزاء بالمؤمنين ليس جديداً، بل كان رفيقاً للأنبياء في دربهم: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [يس : 30]

- ثانياً: أن تكليف المؤمنين عدم القعود مع المستهزئين بآيات الله: وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ [النساء : 140]

- ثالثاً: أن على المؤمنين الصبر على السخرية لا التراجع والانهزام وتغيير الفكر او العقيدة: ..إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا.. فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً.. إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (المؤمنون 109-111)

- رابعاً: أن للمؤمنين ردّ السخرية بمثلها، تأسياً بنبي الله نوح عليه السلام: وَ يَصْنَعُ الْفُلْكَ وَ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (هود38)

فيختلف الموقف بين التوهين والسخرية، ففي الأولى يحرم ما يؤدي لتوهين الدين، وفي الثانية يظهر أن رد السخرية قانون إلهي، فقوله تعالى (فإنا نسخر منكم كما تسخرون) يكشف أن سخرية المؤمن من الكافر لا تعني بعده عن الدين، ولا ضعفه وتراجعه، إنما تعني التأسي بخير الخلق وهم الأنبياء والمرسلون، ذلك أن السخرية من هؤلاء تظهر عدم اكتراث المؤمن لغير الأمر الإلهي، وتكشف عن مناعة وحصانة لديه بحيث لا يؤثر فيه أهل الغوغاء.

وليس في شيء من أدلة الثقلين ما يدل على لزوم تغيير العقيدة وتبديل السلوك لأجل السخرية والاستهزاء، كيف وقد تصدى القرآن الكريم للدفاع عن المؤمنين عندما وصفهم مخالفوهم بالسفاهة، فردها عليهم، قال تعالى: وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَ نُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَ لكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ (البقرة13)

إذا تبيّن ذلك..
فليس لأحد من الاخوة والأحبة المؤمنين أن يجعل سخرية الآخرين ميزاناً لنا، ولا رضاهم عنا مقياساً للحق والباطل، وقد قال تعالى: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ[البقرة : 120]

1. ولئن كان المستهزئ يهودياً، أجبناه بأن توراته لا تحث على التراجع أمام المستهزئ، بل تقول في سفر إشعياء 57:
4 بِمَنْ تَسْخَرُونَ، وَعَلَى مَنْ تَفْغَرُونَ الْفَمَ وَتَدْلَعُونَ اللِّسَانَ؟ أَمَا أَنْتُمْ أَوْلاَدُ الْمَعْصِيَةِ، نَسْلُ الْكَذِبِ؟

فليتأمل بما يصف به توراته من يسخر من الإيمان والمؤمنين، وليجعله أمام ناظريه ليسمع الجواب إن سخر من المسلمين.

2. أما إن كان نصرانياً، فنخاطبه بما في إنجيل لوقا.. أن أخرج أولاً الخشبة من عينك..
أَوْ كَيْفَ تَقْدِرُ أَنْ تَقُولَ لأَخِيكَ: يَا أَخِي، دَعْنِي أُخْرِجِ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِكَ، وَأَنْتَ لاَ تَنْظُرُ الْخَشَبَةَ الَّتِي فِي عَيْنِكَ؟ يَا مُرَائِي! أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ. (لوقا6: 42).
فإنه يعتقد بثالوث يخالف العقل، وينسب في كتابه المقدس لله تعالى ولأنبيائه ولرسله ما لا يرضاه لنفسه!

3. أما إن كان ملحداً أو لا أدرياً: والأول يجحد وجود الله تعالى ويقول بالصدفة والعبثية! والثاني يقر بجهله فيتوقف في الحكم بوجود الله من عدمه، إذ لم يتم عنده قانون السببية بعد!
فكيف يكون ميزاناً وهو قد يعتقد بوجود الموجود دون موجد اعتماداً على الصدفة مثلاً؟!

4. أما لو انتمى للديانات الأخرى كالهندوسية أو البوذية أو أديان شرق آسيا الأخرى التي يزيد عدد سكانها مجتمعة عن عدد المسملين جميعاً، فحاله حال المتقدمين بل هو أعجب، إذ ليس حاله أفضل من قوم إبراهيم الذين أتم الله عليهم الحجة في كتابه.. فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ..

وصفوة القول
أن من صفات المؤمن أن يكون (وقوراً عند الهزاهز) ساعة الفتن، وأن يكون العلم خليله، والعقل أمير جنوده..

فمن تسلح بالعلم والعقل والوقار والإيمان، وتوكل على الله تعالى، لم يكترث لقول القائلين، ما دام مع الحق قائماً، ويرجى أن يورثه الله تعالى قوة تنوء الجبال عن حملها..

جعلنا الله جميعاً ممن لا يخشى في الله لومة لائم..

والحمد لله رب العالمين




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=160295
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 09 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 09 / 23