• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : اختبار النبي.. بقتل الحسين.. وأهل بيته! .
                          • الكاتب : شعيب العاملي .

اختبار النبي.. بقتل الحسين.. وأهل بيته!


بسم الله الرحمن الرحيم

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَعْفَى نَبِيَّكُمْ أَنْ يَلْقَى مِنْ أُمَّتِهِ مَا لَقِيَتِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ أُمَمِهَا، وَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَيْنَا.

كلمةٌ عظيمةٌ خطيرةٌ رواها ثقة الإسلام الكيني رحمه الله بسندٍ صحيح عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام (الكافي ج‏8 ص252).

وعند التأمل في هذا الحديث تنقدح تساؤلات جمّة منها:
- هل هذه العبارة من عالم الحقيقة أم المجاز؟!
- هل ينفي هذا كل ما وقع على النبي (ص) من ابتلاءات ومِحَن؟!
- كيف بلغ النبي (ص) ما بلغ إذا كان قد أعفي من الامتحانات التي امتحن بها غيره من الأنبياء؟
- ما الفضل له صلى الله عليه وآله إن كان الامتحان قد وقع على غيره؟!

يتّضح الجواب عند بيان أمور:

أوّلها: النبيّ أشدّ الناس بلاءً

لقد ورد عنه (ص) عندما سئل عن أشدّ الناس بلاءً قوله: النَّبِيُّونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، وَيُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ بَعْدُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِه‏ (الكافي ج2 ص252).
وهو صلوات ربي وسلامه عليه سيّد النبيين وأمثلهم وأفضلهم وخيرهم وأكثرهم إيماناً، فلا ريب في أنّه أشدّهم بلاءً.
فرَفعُ شيءٍ من البلاء عنه لا يعني رفع كلّ بلاء، فيبقى ما وقع عليه أعظم مما وقع على غيره من الأنبياء.

وقد لَهَجت آيات الكتاب الكريم ببعض ما أوذي به صلى الله عليه وآله، وتواتر نقله في كتب المسلمين جميعاً، فكم ناله من قريشٍ وغيرها، بعدما وَصَفُوه تارةً أنه شاعر مجنون، وتارة أنّه ساحر كذاب، وسخروا منه واستهزؤوا به واتّهموه وهدّدوه.. وآذاوه وأرادوا قتله مراراً..
حتى قال صلى الله عليه وآله: مَا أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ مَا أُوذِيت‏.. (مناقب آل أبي طالب ع ج‏3 ص247).

وقد وصف أمير عليه السلام ما تجرّعه النبي صلى الله عليه وآله من غُصَصٍ بقوله:
وَ نَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَاضَ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ كُلَّ غَمْرَةٍ، وَتَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّةٍ، وَقَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الْأَدْنَوْنَ، وَتَأَلَّبَ عَلَيْهِ الْأَقْصَوْنَ، وَخَلَعَتْ [عَلَيْهِ‏] إِلَيْهِ الْعَرَبُ أَعِنَّتَهَا، وَضَرَبَتْ إِلَى مُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا (نهج البلاغة ص307).

ثانيها: أنّ البلاء على أنواع

فليس البلاءُ والأذى وما يلقاه النبيّ أو المؤمن على منوالٍ واحد:
- فمِنهُ جَسَدِيٌّ ومنهُ نفسيٌّ.
- ومنه ما يقع على الشخص ومنه ما يقع على من يلوذُ به وأحبّ الناس إليه.
- ومنه ما يقع جهراً ومنه ما يقع سرّاً.
وهكذا تتنوع ألوانه وتتغيّر صوَرُه، وقد وقع على النبي (ص) من كلّ هذا وغيره الشيء الكثير..

ومفادُ الحديث الشريف عن الصادق عليه السلام: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَعْفَى نَبِيَّكُمْ أَنْ يَلْقَى مِنْ أُمَّتِهِ مَا لَقِيَتِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ أُمَمِهَا، وَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَيْنَا: أنّ الله تعالى رَفَعَ بعض أنواع البلاء أن تقع على (شخص النبي ص) وجعلها (عليهم).

فإذا ضُمَّ إلى هذه المقدَّمة أنّ علياً عليه السلام (نفس النبيّ) كما دلّت عليه آية المباهلة، ثَبَت أن الله تعالى لم يرفع بعض هذه البلاءات عن النبيّ مطلقاً، إنما رفع مَصَبَّها من أن تقع على شخصه الشريف وجعله على شخوصهم عليهم السلام.

ثالثها: أن ما وقع هو أشدُّ أنواع البلاء

فهذا اللون من البلاء أعظمُ من البلاء الذي يقع على الشخص نفسه، ولذا ترى أن من لا يُقهر مَهما ضُرِبَ وعوقِبَ وحُرِمَ في مراكز الاعتقال قد ينكسر سريعاً إذا ما هُدِّدَ بأهله وعياله وخاف عليهم حقاً، وهو ما يعتمده شياطين العصر وكلّ عصرٍ في السجون، عندما يخرقون موازين الإنسانية ويؤثرون على السجين بأحب الناس إليه.

لقد روينا عن الزهراء عليها السلام قولها للأنصار لمّا ظُلِمَت وسُلِبَ حقُّها: أَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) أَبِي يَقُولُ: الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ؟ (الإحتجاج ج‏1 ص103)

فإنّ إكرام المرء وحفظه في ولده أعظم أثراً من إكرامه بنفسه، كما أن أذيته في ولده أشدُّ عليه من أذيته في نفسه من جهتين:
الأولى: أن أذيته في ولده تعني أذيته هو، وأذية ولده، وهي أذية مضاعفة.
الثانية: أن أذيّته في ولده أشدُّ على قلبه، فإنّ الإنسان يتحمّل الأذى ليدفعه عمّن يحبّ، ولكن لو وقع الأذى على من يحبّ ولم يتمكن من دفعه لتأذى بما يفوق وقوع الأذى عليه بنفسه.

وقد أوضَحَ (ص) بلفظٍ جليٍّ صريحٍ لا لبس فيه أن من يؤذيه ليس من يؤذي شخصه حصراً، بل من يؤذي علياً وأهل بيته، فقال (ص): أَ وَ تَظُنُّ يَا بُرَيْدَةُ أَنَّهُ لَا يُؤْذِينِي إِلَّا مَنْ قَصَدَ ذَاتَ نَفْسِي؟
أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ عَلِيّاً مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَأَنَّ مَنْ آذَى عَلِيّاً فَقَدْ آذَانِي [وَمَنْ آذَانِي‏] فَقَدْ آذَى اللَّهَ (تفسير الإمام العسكري ع ص137)

ولعلّه لهذا نبّه النبيّ صلى الله عليه وآله مراراً على أن أذيّة عترته الطاهرة هي أذيّةٌ له على نحو الحقيقة، وذكر ذلك مراراً وتكراراً بصيغٍ شتى، فقال في أهل بيته عموماً وخصوصاً:
- إِنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتِي فَمَنْ آذَاهُمْ آذَانِي وَمَنْ ظَلَمَهُمْ ظَلَمَنِي‏ (الأمالي للصدوق ص65)
- وقال فيهم: يُؤْذِينِي مَا يُؤْذِيهِم‏ (كتاب سليم ج‏2 ص646)
- وقال في البضعة الطاهرة: إِنَّ فَاطِمَةَ شِجْنَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا (معاني الأخبار ص303)
- وقال فيها: فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُؤْذِينِي مَا يُؤْذِيهَا (كشف اليقين ص351)
وغيرها الكثير..

رابعها: أن الله اختبر نبيّه في أهل بيته

الله تعالى عالمٌ بكلّ شيء، لكنه أبى أن يُجري الأمور إلا بأسبابها، فاختبر الله تعالى الأنبياء والأولياء مع علمه تعالى بنجاحهم وفلاحهم وكمالهم، وكان اختبار النبيّ صلى الله عليه وآله في نفسه، وفي أهل بيته، وهو أشدّ أنواع الاختبار، فنال ونالوا بهذا أعظم الجزاء..

لقد روي أنّه لمّا أسري برسول الله صلى الله عليه وآله إلى السماء قيل له إن الله تبارك وتعالى (يَخْتَبِرُكَ فِي ثَلَاثٍ لِيَنْظُرَ كَيْفَ صَبْرُكَ)، فقال (ص): أُسَلِّمُ لِأَمْرِكَ يَا رَبِّ، وَلَا قُوَّةَ لِي عَلَى الصَّبْرِ إِلَّا بِكَ.
كان الجوع والأثرة والشدائد والمصاعب والتكذيب والخوف ومحاربة أهل الكفر والصبر على الأذى والألم في الحرب والجراح هي أول وثاني اختبارات الله تعالى لنبيه (ص)، وكلّها اختباراتٌ في نفسه الشريفة، ورضي بها النبي (ص) وسلّم أمره فيها لله.

أما ثالث الاختبارات فكان عجيباً..
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَمَا يَلْقَى أَهْلُ بَيْتِكَ مِنْ بَعْدِكَ مِنَ الْقَتْلِ!!

لقد تعدّى اختبار الله تعالى لنبيه على ما يجري على شخصه الشريف، لما يجري على أهل بيته، خير الخلق بعده صلى الله عليه وآله، وأقرب الناس لله تعالى وأحبّهم إلى قلبه الشريف.

فكان في ذلك زيادة امتحانٍ وابتلاء على قلب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله.

لقد ذكر الخبرُ ظلم عليٍّ وقتله، وظلم الزهراء وغصبها حقها وضربها وطرحها ما في بطنها وموتها من ذلك الضرب، وطعن الحسن وقتله غدراً، كل هذا والنبي (ص) يقول: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، قَبِلْتُ يَا رَبِّ وَسَلَّمْتُ!

أما الحسين: فَتَدْعُوهُ أُمَّتُكَ لِلْجِهَادِ ثُمَّ يَقْتُلُونَهُ صَبْراً، وَيَقْتُلُونَ وُلْدَهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَسْلُبُونَ حَرَمَهُ.. وَيَكُونُ قَتْلُهُ حُجَّةً عَلَى مَنْ بَيْنَ قُطْرَيْهَا، فَيَبْكِيهِ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَأَهْلُ الْأَرَضِينَ جَزَعاً عَلَيْهِ، وَتَبْكِيهِ مَلَائِكَةٌ لَمْ يُدْرِكُوا نُصْرَتَهُ (كامل الزيارات ص332-333)

النبي صلى الله عليه وآله يقول: قَدْ سَلَّمْتُ وَقَبِلْتُ وَرَضِيتُ!

ما أعظم هذه الأُسرَة الطاهرة المباركة..
يُمتَحَنُ خيرُ الخلق فيها بقتل أهل بيته فيقول لربه: وَلَئِنْ شِئْتَ لَأَعْطَيْتَنِي النَّصْرَ فِيهِمْ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ، وقَدْ سَلَّمْتُ وَقَبِلْتُ وَرَضِيتُ!

سَلَّمَ النبي صلى الله عليه وآله أمره لله وقبل بامتحان الله تعالى، فأعطاه الله ما أعطاه.. في نفسه وفي أهل بيته.. فصارت جنة المأوى لهم نُزُلاً، وصار الحوض لأوليائهم ويُحرم منه أعداؤهم، وصارت النارُ برداً وسلاماً على من كان في قلبه مثقال ذرّة من مودّتهم..

أما الحسنان: لَهُمَا مِنَ الْكَرَامَةِ سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْطُرُ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ لِمَا أَصَابَهُمَا مِنَ الْبَلَاءِ!

كرامتهما كمنزلتهما، لا تخطر على قلب بشر..
لا يحيط أحدنا بكنه حقيقتهم، ولا يدرك إلا اليسير من فضائلهم..

ورغم عظمة مصائبهم كلّها، إلا أن: يَوْمَ الْحُسَيْنِ (ع) أَعْظَمُ مُصِيبَةً مِنْ جَمِيعِ سَائِرِ الْأَيَّامِ! (علل الشرائع ج‏1 ص 226)
لقد كان ذهابه كذهاب أهل الكساء جميعاً، ففقدتِ الأرض هؤلاء الخمسة بفقد الحسين عليه السلام، حتى قال له الإمام الحسن عليه السلام: لَا يَوْمَ كَيَوْمِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّه‏ (الأمالي للصدوق ص116).

في ليلة شهادة الرسول صلى الله عليه وآله.. عظم الله أجورنا وأجوركم أيها المؤمنون الموالون..

ما أعظم مصيبتك يا رسول الله..
لكن.. لا يوم كيومك يا أبا عبد الله..
لقد كان في مصيبتك امتحانٌ للنبيّ صلى الله عليه وآله، ولأمك الزهراء وأبيك أمير المؤمنين وأخيك الحسن عليهم السلام جميعاً.
لقد أَوجَعَت مصيبتك قلوبهم جميعاً فازدادت عظمتها.. وما أعظمها من مصيبة..

لقد كان امتحانُ جدك بك عظيماً يا أبا عبد الله، وأعظم ما وقع على قلبه هو ما وقع عليكم يا آل الله.. 
فصار أشدّ النبييّن بلاء، لمّا ابتلي في نفسه، ولما ابتلي بكم، فصبرتم كما صبر..

اللهم اجعلنا من الصابرين على مصابهم، واختم لنا بحبهم وولايتهم وشفاعتهم..
اللهم لا تجعلنا من الخلق المتعوس الذين ابتليتهم بقتل حبيبك الحسين فسقطوا في امتحانك.. واجعلنا ممن يسير في ركبه مع الآخذ بثاره.. وليك الحجة المنتظر.. وعجل فرجه وسهل مخرجه.

وإنا لله وإنا إليه راجعون

ليلة شهادة الرسول صلى الله عليه وآله..  28 صفر 1442 هـ ..




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=160793
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 10 / 05
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 01 / 27