• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الاصلاح مطلبٌ انساني .
                          • الكاتب : صباح الطالقاني .

الاصلاح مطلبٌ انساني


الاصلاح مطلب انساني بصفته العامة، رغم ان أوجهه مختلفة ومتنوعة وتتضمن الاصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والاداري والحقوقي والأمني والتربوي وغيره.

 ورغم هذا التنوع الكبير في أوجه الاصلاح فإن العنوان الأشمل هو ذلك الذي حمله لنا قادة الأمة، الذين آثروا على أنفسهم أن يكونوا مشاريع تضحية مستمرة ومتوارثة بلا انقطاع ولا هوادة ولا مهادنة بمقابل النقيض الذي يمثله الفساد.

وفي نظرة الى منعطف تاريخي في المجتمع الاسلامي سنجد أن ريادة الاصلاح وأوجهه كلها تجتمع في دعوة الإمام الحسين عليه السلام للإصلاح، يتجلى ذلك في مقولته الشهيرة (إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي رسول الله صلى الله عليه وآله...)

الإصلاح علّة سببية وغائيّة

يقول الكاتب طراد حمادة، في تحليل يتناول الاصلاح كسبب وكغاية في آن واحد" يعد (الإصلاح) أبرز بواعث النهضة الحسينية وهو قائم في مبدأها وفي الغاية منها، فهو علّة سببية وعلّة غائية للنهضة، وإذا قلنا بسنخيّة العلّة والمعلول ووحدتهما قلنا إنّ الإصلاح يدور مع نهضة الإمام الحسين في عاشوراء، كيفما تدور هذه النهضة.

إنّ المعنى المقصود من الإصلاح في ثورة الإمام الحسين هو المعنى القرآني وميتافيزيقا هذا الإصلاح هي الإسلام في أصوله وعقائده: التوحيد والنبوة والعدل والإمامة والمعاد... وموقع الإصلاح الحسيني من النظريات والتجارب الإسلامية في الإصلاح يرتبط بمعناه القرآني وميتافيزيقاه التوحيدية؛ ولذلك كانت مكانته مرتبطة بدورها بما اختاره الله -سبحانه وتعالى- من دور للأنبياء والأولياء، ومن دور ومكانة النبوة المحمدية الخاتمة والولاية العلوية حتى ظهور الإمام الحجّة محمد بن الحسن؛ ليتمّ الإصلاح بالمعنى القرآني الظاهر منه والباطن ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً...

وفي هذه المقاربة نعمد إلى دراسة موارد الإصلاح وماهيّته ومنهجه في خطب وأقوال وأحاديث وتقريرات ومواقف سيد الشهداء؛ لنتبيّن أنّ موارد لفظ أو مصطلح أو كلمة أو معنى أو مرادف الإصلاح جاءت في مواضع عدّة، وأن كلمة الإصلاح في معناها اللغوي والاصطلاحي وقعت على وجه التحديد في ثلاثة مواضع هي:

1-الإصلاح في الأمة

2-الإصلاح في البلاد

3-الإصلاح في الإنسان

ونرى في وصية دفعها الإمام الحسين عليه السلام إلى أخيه محمد بن الحنفية:" بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية أن الحسين بن علي يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً -صلى الله عليه وآله- عبده ورسوله، جاء بالحق من عند الحق، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور... إني لم أخرج أشِراً ولا بطِراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد -صلى الله عليه وآله- أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وسيرة أبي علي بن أبي طالب -عليه السلام- فمن قبلني بقبول الحق، فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين، وهذه وصيتي إليك يا أخي، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، والسلام عليك وعلى من اتّبع الهدى، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم".

وفي رؤية تحليلية لهذا النص يتبيّن ما يلي:

1-التأسيس العقائدي

2-تحديد هدف الخروج (الثورة) وهو الإصلاح في الأمة

3-إلقاء الحجة: وتحديد الناصر من المتخاذل عن النصرة

4-جعل الحق مطلباً وحكماً بينه وبين القوم.

وهذا ما ندعوه ميتافيزيقا الإصلاح (الإصلاح في مجال العقيدة).

أما الإصلاح في البلاد (الوطن) فقد ورد في خطبة تطرّق سيد الشهداء فيها إلى ترك الحكم الأموي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم يقول: "اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنرى المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك، فإن لم تنصرونا وتنصفونا قوي الظَلَمة عليكم، وعملوا على إطفاء نور نبيكم وحسبنا الله وعليه توكلنا، وإليه أنبنا، وإليه المصير".

وعليه يتضح أنه إلى جانب المنهج المشترك مع إصلاح الأمّة يتبدّى إصلاح البلاد بهدف إظهار معالم الدين وأمن المظلومين والعمل بالفرائض والسنن والأحكام، وإذا كان إصطلاح المعالم يعني كل ما تنتجه الحضارة الإنسانية وكل ما يضيفه الإنسان إلى الطبيعة من الاجتماع إلى السياسة والثقافة والآداب فإن معنى إصلاح البلاد يأخذ الإطلاق نفسه في اتساع مداراته، وكما كان اصطلاح الأمة في إطلاقه عن الاجتماع الآدمي (أمة جدي) ويعني الإنسانية جمعاء يضع الإمام الحسين في هذا الاصطلاح إطلاق المعنى لتبيان مفهوم الحكم الإسلامي والحكومة الإسلامية، والأحكام الإسلامية (معالم دينك) وعليه ندعوه إصلاح في مجال المصالح والأحكام...

الإصلاح الإداري وآثاره على الأمة

منذ أن وطأت قدما ابن آدم الأرض، والصراع قائم بين الفساد والإصلاح. "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس". وبناء عليه لابد من إيجاد حركة إصلاحية فعالة   للتصدي للفساد الذي شرى في شرايين الأمة، وأنهك جميع القيم الإنسانية، والأخلاقية  والدينية، والدوائر السياسية والإجتماعية والإقتصادية ، والقطاعات الخاصة والعامة.

وبنى المرحوم الدكتور احمد عبد المجيد حمود، الأكاديمي في جامعة استراليا، على ما تقدَّم مبيناً" ان القرآن الكريم قد تعرض إلى مسألة الفساد والإصلاح بإسهاب في مواطن عديدة، ودور أنبياء الله ورسله في عمليات الإصلاح، من أجل مجتمع آمن، ينعم فيه الناس بالأمن والسلام والعيش بكرامة، والإصلاح في جانبه الإداري لابد أن يبدأ من القمة،  باتجاه قاعدة الهرم الإداري في الدولة، وفي القطاعات العامة والخاصة.

ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو استعمال أهل الكفاءة والاختصاص الذي يعتبر من أهم معايير الإصلاح الإداري في الدولة. اضف إلى ذلك الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى في مجال الإصلاح الإداري الذي يتناسب مع أصول الدين الإسلامي، والشريعة الإسلامية التي تعمل على تحقيق التنمية والتقدم الإجتماعي.

وأكد د. حمود" ان كل هذه العوامل تلعب دورا بارزا وحيويا ومؤثرا في تقدم  وتطور الدولة في المجالات العلمية والثقافية والتقنية والتكنولوجية التي تتماشى مع التغيرات الحاصلة في المجتمع، إضافة إلى تشجيع حركة الإبداع والابتكار.

مختتماً بالقول" كما إن الرقابة الشعبية وإشراك القطاع الخاص مع الأجهزة الحكومية، ومراقبة الخطط الإقتصادية والمساءلة المستمرة من قبل الإعلام الشريف والنزيه لكل المستويات الرئاسية، والسياسية والتشريعية والحكومية والمجتمعية ومحاسبة المقصرين والمهملين والمفسدين لا سيما في أموال الأمة، كل ذلك يلعب دورا بارزا في وضع السياسات الإصلاحية، والتغيير الايجابي المطلوب في كافة أجهزة الإدارة العامة.

وفي نهاية المطاف لابد من توفير الدعم والرعاية السياسية المطلوبة لحركة الإصلاح، وهي مسؤولية تقع على عاتق الجميع دون استثناء، استشهاداً بالآية الكريمة" (وإلى مدينَ أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بيّنة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان...)




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=160937
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 10 / 12
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 12 / 6