• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : مسيرة العراق في التعامل مع وباء كورونا من الإصابة الأولى حتى الآن .
                          • الكاتب : د . رشا رحيم .

مسيرة العراق في التعامل مع وباء كورونا من الإصابة الأولى حتى الآن

في بداية عام 2020 حينما انتشر الفايروس من الصين إلى أنحاء العالم كان العراق يعاني من خلل حقيقي في التشخيص الجزيئي وقلة مختبرات البايلوجي الجزئي حيث كان في العراق مركز تشخيصي واحد في مختبر الصحة العامة المركزي مع أربع أجهزة فقط.    

ومع بداية الأزمة أغلق العالم من مطارات وشركات ونقل. ومع التوقف التام في الحركة، توقفت خطوط النقل الجوية والبرية، كان هنالك صعوبة حقيقية في الحصول على الأجهزة والمواد والمستلزمات الخاصة بالفحص وبالأخص العدد التشخيصية (الكتات) الخاصة بالكشف عن فايروس كورونا. ولا ننسى أزمة احتكار البلدان المصنعة والمنتجة للأجهزة والمواد التشخيصية لبلدانها وارتفاع أسعار أجهزة التشخيص الجزيئي والتي تعرف ب RTPCR. كما لا ننسى الأرقام المعلنة لفحص البلدان لمواطنيها مقارنة بالعراق والتي يمكن العودة اليها عبر موقع جامعة "جونز هوبكنز" وإحصائيات منظمة الصحة العالمية.    

حلول آنية مستعجلة:   

تم تزويد مركز(مختبر الصحة المركزي) في مرحلة الأزمة الأولى (كانون الثاني 2020) بعدة تشخيص واحدة (Kit) تحوي حوالي 500 فحص من منظمة الصحة العالمية وتلاها 4000 فحص بداية شهر شباط 2020 من قِبل المنظمة ذاتها. وتمت الاستعانة ببعض الجهات كالشركات والمختبرات غير الحكومية، فتم إضافة أربع أجهزة أخرى من المختبرات الأهلية على سبيل الاستعارة.    

ومع إعلان أول حالة إصابة في بغداد نهاية شباط، في الكرخ لمسافر قادم من إيران والتي سبقتها أول حالة موجبة في العراق في النجف،  تم تفعيل وإضافة بعض الوحدات لتشخيص الفايروس مختبرياً في مراكز الجهاز الهضمي وتم إضافة جهاز RTPCR  وتوفير كتات (Kits) التحري بصورة محدودة من مشتريات الدوائر لغرض إجراء الفحص بما هو متوفر من الأسواق المحلية حيث أن بعض شركات القطاع الخاص كانت قد باشرت باستيراد تحاليل التشخيص.    

  

إدارة الأزمة:  

أستطيع أن أوجز إدارة العراق لأزمة تشخيص فايروس كورونا بالنقاط التالية:    

أولاً -  توفير الأجهزة ومواد الفحص:  

في بداية شباط 2020 وبإيعاز من رئاسة الوزراء وبتوجيه من وزير الصحة والوكيل الفني ومدير عام الدائرة الفنية، تشكلت لجنة شراء مباشر لغرض توفير العدد المختبرية (Kits) والأجهزة والمستلزمات الخاصة بجهاز كورونا وكأجراء سريع تم الإعلان عن حاجة وزارة الصحة الى الفحوصات الخاصة بفايروس كورونا ورغبتها بالتعاقد المباشر لشراء الفحوصات والأجهزة.    

إن لجنة الشراء المباشر تحملت عبئاً ثقيلاً متمثلاً بتوفير الفحوصات خلال فترة زمنية محدودة حيث قامت بتوفير آلاف الفحوصات خلال الأسابيع الثلاث الأولى من شباط 2020، وكانت آلية الشراء تتمثل بتنويع مصادر التجهيز وعدم الاقتصار على شركة محددة حيث تم توزيع عقود الشراء على الشركات لتوفير كميات كبيرة من مواد الفحوصات وتجهيز أعداد من الأجهزة خلال فترة زمنية قصيرة.    

ولا ننسى دور دولة الصين الشعبية في بداية الأزمة (مساعدات الصين كانت في بداية آذار 2020) حيث تبرعت بتوفير معدات وأجهزة و "كتات" فحص تصل إلى خمسين ألف فحص.    

ومع بداية آذار 2020، تم افتتاح ثاني وحدة رئيسية في بغداد في المركز الوطني في المختبرات التعليمية بمدينة الطب وبطاقة استيعابية تصل إلى ألفي فحص في اليوم.    

بعد قيام لجنة الشراء المباشر بالتعاقد مع أكثر من جهة أصبحت هناك وفرة بالفحوصات الخاصة مع تنوع مصادرها من مختلف دول العالم و خلال الأسابيع الثلاث الأولى من آذا{، وصلت إلى العراق آلاف من الفحوصات حيث أن كل شركة وقعت عقداً مع الوزارة لتوفير مابين مئة إلى مئتي عدة تشخيصية (Kit) خلال شهرين وبفترة تجهيز مابين أسبوع إلى أسبوعين من إبرام العقد.    

بعد مضي ثلاثة أشهر على اتباع آلية الشراء المباشر وتوفير أعداد من فحوصات تشخيص الفايروس، تم التعاقد بواقع عقد لكل محافظة لتوفير تلك الفحوصات وبطاقة استيعابية عالية تصل إلى خمسين ألف فحص يومياً لتلك الوحدات وحسب الأعداد التي تعلن من قبل وزارة الصحة العراقية دائرة الصحة العامة.    

ثانيا- تدريب الكوادر:  

إن تقنيات البايولوجي الجزيئي تحتاج دقة وممارسة، وكان إدخالها الاضطراري بسبب الوباء من الصعوبات التي واجهتها الوزارة من ناحية كفاءة الملاكات العاملة بالمختبرات المتقدمة حيث تم تدريب العديد من المرشحين من الملاكات المختبرية في جميع المؤسسات الصحية وتنسيبهم للعمل في وحدات التشخيص في بغداد والمحافظات على استخدام الأجهزة من خلال الدورات السريعة التي أقيمت في بداية الجائحة في مختبري الصحة المركزي والمركز الوطني للمختبرات التعليمية.    

  

ثالثاً - الجهات الساندة لمختبرات وزارة الصحة:  

إذا ما قارننا تجربة العراق بتجارب الدول البقية مثل "جورجيا" التي سخرت كل المختبرات في كل وزاراتها وأجهزتها للتشخيص، نجد أن هنالك خللاً واضحاً وقصوراً في رؤية السلطات العليا في إدارة الأزمة وليس وزارة الصحة فقط أي انها أزمة شاملة.    

المختبرات غير الحكومية – مختبرات القطاع الخاص أو الأهلية – كان لها دور تطوعي في إسناد ودعم مختبرات الوزارة في بداية الجائحة حيث أن بعضها قد أعار المركز الوطني للمختبرات التعليمية ومختبر الصحة العامة المركزي أجهزة PCR وتم إعادتها لمختبراتها بعد شراء الأجهزة من خلال عقود الشراء المباشر.    

 مقارنة بتجربة جورجيا فقد سخرت الحكومة المختبرات الخاصة التي تحوي مختبر بايلوجي جزيئي للتشخيص بالإضافة الى المختبرات الحكومية لتشخيص الفايروس.    

أن وزارة الصحة وبعد تنفس الصعداء نهاية عام 2020 فعّلت دور المختبرات الأهلية المعتمدة في التشخيص لدعم وإسناد مختبرات وزارة الصحة، ورغم أن هذا الإجراء جاء متأخراً مقارنة ببقية البلدان، فإنه نقطة إيجابية تحسب للوزارة فأن تصل متأخرا خيرٌ من أن لا تصل.    

لم يتم استخدام مختبرات ولا أجهزة وزارة التعليم العالي رغم أنها تملك الأجهزة والمختبرات البحثية والتي من المؤكد أنها تحوي مختبرات بايلوجي جزيئي ولم تعرها إلى وزارة الصحة. وأعتقد أنه كان يُفترض على السلطات اتخاذ هذا الإجراء، فمع الحظر الشامل في جميع البلدان وتوقف الطيران والاستيراد واحتكار الشركات المصنعة للأجهزة منتجاتها لصالح بلدانها، كان يمكن أن توفر هذه الأجهزة والمختبرات طاقة استيعابية إضافية، هذا فضلاً عن غياب أجهزة ومختبرات البيطرة الخاصة بوزارة الزراعة ومختبرات وأجهزة وزارة العلوم والتكنلوجيا والتي كان من الممكن أن توفر مراكز جاهزة بملاكات ومختبرات متقدمة  وخاصة في بداية الجائحة.      

رابعاً -  وعي الشارع:   

ضعف وعي الشارع وقلة الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع وأفراده وعدم الالتزام بالحظر كان من أهم ما يمكن قراءته في تحليل أزمة كورونا وخصوصا في بدايتها، حيث كان التحدي كبيراً للملاكات الصحية في مواجهة المرض والناس في آن واحد، فهم خط الصد الأول لمواجهة مجهول قاتل وكانت الصعوبة تتمثل بالتعامل مع المرضى وملامسيهم (خصوصا في بداية الجائحة ونحن نتعامل مع مرض مجهول المعالم) وكمثال على ضعف الوعي وتأثيره على الوباء في العراق فإن بعض الملاكات الصحية (ليست المختبرية فقط) قد تنصلت عن واجباتها خلال الجائحة. بعد أن تعرضوا لضغوطات من ذويهم لترك العمل مع مرضى كورونا. والبعض من الملاكات المختبرية الذين تطوعوا للعمل في مختبرات تشخيص الوباء أجبروا على الانسحاب بسبب رفض مالك المختبر الأهلي لعملهم في مختبر تشخيص كورنا صباحاً خوفاً من انتقال الوباء لكادره.    

  

ما بعد الأزمة:    

 بعد نحو عامين من تخطي صعوبات وعقبات أزمة كورونا الأولى، تمت توسعة المراكز المتخصصة لتشخيص الفايروس بمختبرات بايلوجي جزيئي كفوءة، حيث أصبح عدد الأجهزة حالياً حتى لحظة كتابة المقال حوالي  172 جهاز RTPCR وبواقع أكثر من 204 أجهزة استخلاص للمادة الوراثية  وقد باشرت الوزارة بتوسعة الوحدات التشخيصية في المحافظات حيث باشرت عام 2021 بفتح وحدات فرعية لوحدات المحافظات المركزية خصوصاً في الأماكن البعيدة عن مراكز المحافظات.    

  

ماذا عن تحري السلالات:    

طوال عام 2020 لم يستخدم العراق طريقة Gen Sequencing وهي التقنية التي تخص اكتشاف الطفرات الوراثية والسلالات الجديدة، مع أن البلدان البقية قد استخدمتها كفحص مكمل لتحليل بيانات المرض ووبائيته في بلدانهم، وأعتقد أن وزارة الصحة وقسم المختبرات قد حددوا أولويات إدارة أزمتهم بتوفير الأهم وهو طريقة تشخيص الفايروس وتحديد المصابين وأعتقد أن سياستهم هذه صحيحة في ظل أزمة وباء لم يكن العالم مستعداً له.    

أما في عام 2021 وبعد انفراج أزمة تجهيز المواد والأجهزة وإعداد الوحدات الخاصة والمختبرات وتدريب ملاكاتها، فقد جهزت الوزارة موقعين بحثيين في ما يخص اكتشاف الطفرات الوراثية والسلالات الجديدة لفايروس كورونا في مختبر المركز الوطني للمختبرات التعليمية والموقع الثاني في مختبر الصحة العامة المركزي، ويجري العمل الآن ضمن ضوابط وأعداد معينة لتحديد نوع السلالات المنتشرة في العراق وعلى الجانب الآخر، تم توفير مجموعة من الفحوصات التي تساعد على تشخيص نوع الطفرة المنتشرة في العالم وتم اكتشاف الطفرات الموجودة وحسب ما هو معروف من سلالة هندية  Dalta and Dalta plus)) ولم يتم عزل سلالة لمدا Lumda حتى الآن وهي الأخطر كما ولم تعزل حتى  الآن سلالة فايروس خاصة بالعراق.    

  

هناك الكثير من النقاط التي قد لا يتسع المقال لذكرها، عند مقارنة إدارة أزمة كورونا في العراق بالدول الأخرى، ابتداء من سؤال: لماذا لم يكن هناك مختبرات بايلوجي جزيئي قبل الوباء؟ أين المركز الوبائي للأمراض المعدية والانتقالية وأين بحوثه التي تخص واقع العراق؟ وماهو الوضع الوبائي لدراسة فايروس كورونا وتلوث المياه؟ وانتهاءً بأسباب تأخر إدخال التقنيات الحديثة الأخرى! وهل نحتاج إلى جائحة ووباء آخر لإدخال تلك التقنيات؟!    

  




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=160963
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 10 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 12 / 4