• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : ماذا لو اختفت مواقع التواصل من حياتنا؟ .
                          • الكاتب : حسين فرحان .

ماذا لو اختفت مواقع التواصل من حياتنا؟

  فيس بوك.. تويتر.. واتساب.. فايبر.. تلغرام.. يوتيوب، وغيرها..
افتح هاتفك وتأمل في هذه الأيقونات التي تزين شاشته وهي تحتل مراتب متقدمة من حيث أولوية ظهورها وتصدرها لمشهد التطبيقات التي تصطف بصمت كأنها دكاكين تنتظر زبونا يقلب بضاعتها بلمساته الهادئة، اختر واحدة منها وادخل لعالمها الافتراضي حيث الأصدقاء والأقرباء وآخرين استتروا بأسماء وصور لا يمتون إليها بصلة، لمحاذير فرضتها عليهم بعض الظروف التي تحيط بهم فرأوا أن الاختباء وراء اسم مستعار وصورة رمزية خير من ترك هذه العوالم والاستمتاع بمحتوياتها. 
سترى العالم أصغر مما كنت تتخيله- وإن لم يكن كذلك- حتى تلك الصورة التي طبعت في ذهنك عن حجم الأرض وعدد البشر وأنت تراقبه من نافذة الطائرة ستتلاشى بمجرد دردشة فديو تجمعك بصديق يسكن في قارة أخرى.. فالواقع يخبرك أنك تعيش في عالم كبير والمواقع تخبرك بخلاف ذلك .
بين حجم العالم واختلاف التصورات عنه وبين التنوع في مواقع عالم آخر افتراضي، ستتسائل وربما يخطر ببالك أن تستفهم عن الوقت الذي تستغرقه في واحد منها.. عن الجهد والانفعالات.. وعن المغزى من هذا التواجد الذي أوصل البعض الى حد ادمانها، ولعل من النادر أن تمر ساعة كاملة على أحدهم دون أن تمتد يده لتفتح قفل الجهاز ليلقي بنظرة سريعة على نوافذ الاشعارات التي تنزل من الاعلى أو تطل براسها من الاسفل.
قد تجد اجابة تقنع بها نفسك لتصنع علاقة يتلازم فيها الوقت والجهد والمغزى فيحدث لك اطمئنان بأنك على مايرام، وقد تقارن نفسك بمليارات من البشر يتعاملون بالطريقة ذاتها مع هذه المواقع، وقد تتمرد فلا تكلف نفسك أن تعرف مكانك ودورك فيها، بل ستعتبر ذلك من القضايا التي لا ينبغي التفكير بها- وللتذكير- فالأمر ما يزال في طور (ربما) التي افترضنا بعدها انك تود معرفة مقدار الوقت والجهد والانفعالات مع المغزى من التواجد والا فالوضع الطبيعي هو انك مستغرق تماما في ممارسة حياتك الافتراضية على أكمل وجه.
ولكن هل بامكان الانسان أن يمارس حياته بشكل طبيعي فيما لو تم اغلاق هذه المواقع واختفائها من ساحة الشبكة العنكبوتية بشكل مفاجيء وأُعلن عن موتها؟
مع الاكتفاء بالمواقع التي ترتبط بها التعاملات اليومية للبشر وتدار بها حياته كالتعاملات التجارية والمعاملات الحكومية..
تخيل اختفاء الفيس بوك لتختفي معه صفحتك بكل أحداثها ومحتوياتها من تسلسلها الزمني؟ تخيل حدوث الأمر ذاته مع اليوتيوب الذي ستختفي معه قناتك؟
تخيل حدوث ذلك كله مع جميع المواقع التي كانت تشغل حيزا من حياتك وان اختلف حجم هذا الحيز.. باختصار شديد أنك ستجد هاتفك وحاسوبك لا يتصلان الا بمواقع معينة –لتمشية الحال- وما عدا ذلك فالايقونات التي كنت تداعبها كل يوم ستصبح مجرد صور على الشاشة..
ربما سيمتعض البعض لأن يدا امتدت لهم لتخرجهم من عزلتهم، فالبشرية بأسرها مخطط لأفرادها الانكفاء على الشاشات وممارسة العزلة وخداعها بعالم آخر يتعلقون فيه بخيوط هي أوهن من خيط العنكبوت ترتبط بكمية الشحن في بطاريات هواتفهم وبقيمة اشتراكهم بالخدمة وبالظروف المحيطة المتقلبة مع تقلب أدوار الحياة، ورغم ذلك فالكل متعلق بهذه الخيوط، يمنح لمتغيرات رقمية تتردد بين نبضة الصفر والواحد حياة الانسان بجمالها وكمالها وسموها ورفعتها ويختزلها على شكل معلومة كهربائية تحتفظ بها الخوادم فأن زالت زال معها كل شيء واتبعها ندم الضياع وألم المفارقة لطباع اعتاد الناس على ممارستها، ومن المضحك المبكي أن تخزن صور الواقع في ذاكرة الوهم.
جرب أن تقتني كتابا وتضعه على رفوف مكتبتك، وجرب أن تقوم بتحميل نسخة الكترونية من نفس الكتاب وتضعه في حاسوبك، ستشعر بالفرق عندما يتعطل هذا الحاسوب.. ستفقد نسختك الالكترونية الى الأبد، وتضطر الى العودة لخير جليس.. 
الأمر ينطبق على تلك الصور الجميلة لعائلتك وهي متراصة في ألبوم قديم ستبقى تحت يدك كلما اشتقت للنظر اليها، أما صورك الرقمية التي تجمعها في السحابات الالكترونية فهي من حصة العالم الافتراضي والتي قد تزول بزواله وهو الذي أخذك بعيدا –ليس عن اقتناء الكتب والصور فحسب- بل سرق منك تلك الاوقات التي كان فيها أنس الانسان بانسانيته واصطفائه لنخبة من الاصحاب لا يتجاوزون عدد أصابع اليد، لا بخمسة آلاف من أصدقاء ( اللايك والشير والمتابعة والنكز)..
النظر الى هذه المواقع على أنها مما يعول عليه في بناء الانسان ضرب من ضروب الخيال، والتعامل معها على أنها ضرورة ملحة مبالغة كبيرة، والاصرار على التعامل معها بهذه الطريقة التي يتم تقبل هيمنتها فيها أمر بحاجة الى تأمل.
ان افتراض زوالها في وقت ما والتفكير بشكل الحياة بدونها يجعلنا أمام صورة لحياة الماضين من أهلنا ولشطر من حياة بعض الاجيال التي عاشت الحالتين وانتقلت عبر برزخهما لتجد نفسها رهن العالم الافتراضي مع شيء من الحنين للماضي وبقايا من ذكريات عالقة في الذاكرة عن حياة بلا مواقع ولا شبكة عنكبوتية..
أما الجيل الذي ولد فوجد (اليوتيوب) أنيسه في المهد فهو مما يخشى عليه كثيرا.. 
قد تكون بعض الافتراضات بشأن حياة خالية من الانترنت مستبعدة الحدوث لكننا قد نرغب بذلك عندما نجد أن تراثنا ومنظومتنا الأخلاقية بل والانسانية مداهمة بخطر كبير أيسر مافيه الكآبة أو ازدواج الشخصية.
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=161369
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 10 / 28
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 01 / 20