• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : عندما نَكونُ سبباً.. لِظُلمِ أبنائنا ! .
                          • الكاتب : شعيب العاملي .

عندما نَكونُ سبباً.. لِظُلمِ أبنائنا !

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد كان إبراهيمُ عليه السلام كثيرَ الدُّعاء لذريّته أو بعضها، فخاطب اللهَ تعالى تارةً بقوله: (رَبِّ اجْعَلْني‏ مُقيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتي‏)، وأخرى: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَك)‏، وثالثة دعا لهم فقال: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيْهِم‏)، ورابعةً طلب الإمامة فيهم.. 

كشفَ ذلك عن حُبِّ الكُمَّلِ من الخَلقِ لذراريهم كعموم الناس، وعن طلبهم لكمالهم وقُربِهِم من الله تعالى، وهو يكشفُ عن نفوسٍ شريفةٍ تُريدُ أن يكون نَسلُها مِن أهل التقوى والصلاح، والقُربِ من الله تعالى.

وتظهر هنا معادلتان:

الأولى: معادلةُ القيامة !

يُقابلُ اللهُ تعالى صلاحَ أهل الإيمان، بأن يُلحِق بهم ذراريهم يوم القيامة، فيرفَع من دَرَجَتِهم ليكونوا معَ أهلهم، فتقرَّ عيونهم بهم: (وَالَّذينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ).

يقول الإمام الصادق عليه السلام: قَصَرَتِ الْأَبْنَاءُ عَنْ عَمَلِ الْآبَاءِ، فَأَلْحَقُوا الْأَبْنَاءَ بِالْآبَاءِ لِتَقَرَّ بِذَلِكَ أَعْيُنُهُمْ (الكافي ج3 ص249).

فمَن بلَغَ المراتب السامية من المؤمنين ولم يكن أبناؤه بتلك المثابة، وكانوا في درجاتٍ أدنى من الجنة، رفَعَ الله درجَتَهم إكراماً لآبائهم، فلا يبقى بُعدُهم عن ذراريهم حسرةً عليهم وإن كانوا معهم في الجنة ! ولا يتأسَّفُ الآباء على عدم بلوغ أبنائهم الدرجات العالية.

هكذا هي المعادلةُ في الآخرة، يحكُمُها كَرَمُ الله تعالى، ويتنعَّمُ المؤمنُ فيها بالجنة دون تنغيص.

الثانية: معادلةُ الدّنيا !

وهي تستحقُ التأمُّلَ مِن أهل الإيمان وَسِوَاهم.. وتُستفادُ من قول الله تعالى:

(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً)
فأنذَرَت الآيةُ الناسَ في ذريَّتهم ! 

وكأنَّها تقول: 
أيُّها الإنسان، ليس عليك أن تخشى الله تعالى في نفسك فقط، فتقول: أنا لا أخافُ آثارَ المعاصي، فإنَّها لا تقتصر عليك أيُّها العبدُ الجاهل !
إنَّ لكَ ذريَّةً حقَّ أن تخشى عليها، لو عصيتَ الله عزَّ وجل !

ولكن..
إذا كانت التقوى سبباً لرفعة شأن الذريَّة في الآخرة، فما الربط بين معصية الله وبين الخوف على الذرية ؟! 

يُبَيِّنُ ذلك الإمام الصادق عليه السلام حين يقول: 

مَنْ ظَلَمَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ:
1. مَنْ يَظْلِمُهُ 
2. [أَوْ عَلَى عَقِبِهِ‏] 
3. أَوْ عَلَى عَقِبِ عَقِبِهِ 

وعنه عليه السلام: مَنْ ظَلَمَ مَظْلِمَةً أُخِذَ بِهَا فِي نَفْسِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ (فِي وُلْدِه) (الكافي ج2 ص332).

إنَّ مَن اتّقى الله تعالى أكرَمَهُ عزَّ وجلّ في ذريته، ومَن عصى الله تعالى وتجرَّأ عليه بظُلمِ عباده (أُخِذَ) في نفسه أو في (وُلده) !

وليسَ الظُّلمُ حِكراً على الحاكم الجائر، مع عِظَمِ ما يقوم به..
فإنَّ له صوراً وألواناً.. يجتنبُها العبدُ المؤمن..

فلا يأكلُ أموال الناس بالباطل، ولا يقهَرُ المؤمنين، ولا يغصبهم حقوقَهم، ولا يمكُرُ بهم، ولا يفتنُ بينَهم، ولا يهتكُ سِترَهم، ولا يجرَحهُم بكلماته.. 
يَعلَمُ أنَّ الكلمةَ قد تكون ظُلماً.. وأنَّ النَّظرة التي يُخيف بها عباد الله ظُلمٌ.. والتّوهين ظُلمٌ.. 

فكلُّ إنسانٍ قد يكون ظالماً لِمَن حولَه، لإخوانه أو جيرانه أو أصدقائه أو سواهم.. فيُسَلِّطُ الله تعالى عليه من يظلمه أو يظلم أحداً من ذريَّته !

فإن قيل:
كيف يُسَلِّطُ الله تعالى ظالماً على أبرياءٍ لا ذنبَ لهَم إلا ظُلم أبيهم أو جدِّهم لعباده ؟!

قلنا: 
حاشا لله أن يكون ظالماً، وتعالى ربُّنا عن ظُلمِ عباده (وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبيد).

لكنَّ ههنا معادلةً في قمَّةِ الرّوعة والجمال، تَجمَعُ بين حقوق العبادِ جميعاً، وبين غضب الله ورحمته !

ذلك أنَّ الله تعالى يَعلمُ من العَبدِ حُبَّه لذريَّته، واستعداده للتضحية في سبيلهم حتى بحياته، فحذَّرَهُ من أن يكون سبباً في أذيَّتهم (في الدُّنيا)، وهذا التحذيرُ ينبغي أن يكون في غاية الأهمية عند من يُنشدُ السلامة والعافية لذريَّته، فيكون سبباً في حثِّهِ على الهداية والإستقامة، وحافزاً للنجاة من النار بتقوى الله وامتثال أمره.

أما ما يُنزِلُهُ الله تعالى بذريَّته مِن بلاءٍ على فرض ظلمه للعباد، فهو أولاً سببٌ لأذية هذا العاصي، وثانياً بابٌ لرِفعَةِ شأن هؤلاء المظلومين عند الله تعالى، عند صبرِهم على ما يقعُ عليهم من بلاء وظُلم !

كيف ذلك؟
إنَّ الله تعالى لم يأمُرَ ظالماً بظلمٍ أبداً، ولكنّه يُسلِّطُ الظالم على عباده ليختبرهم.. فلا يكون الظالمُ مجبوراً على ظلمه (حاشا لله)، بل هو عاصٍ لأمر الله تعالى، لكنَّه تعالى لا يحول بينه وبين ظلم العباد امتحاناً لهم.

فيُنزِلُ هذا الظالمُ الظُّلمَ على ذريَّة العاصي، وهو الظالمُ الأول، فإن كانوا من أهل الإيمان كان في ذلك كلُّ الخير لهم، وعظيم الثواب من الله تعالى.
فما نَزَلَ عليهم ليسَ عقوبةً لهم على شيءٍ فعلوه، بل امتحانٌ منه عزَّ وجل، يؤجرون عليه إن صبروا.

قال الإمام الصادق عليه السلام:
مَا ظَفِرَ أَحَدٌ بِخَيْرٍ مِنْ ظَفَرٍ بِالظُّلْمِ !

أيَّ أنَّ الظُّلمَ الذي يقَعُ على العَبدِ هو أفضَلُ ما يُنَال!

هي مُعادَلَةٌ يصعُبُ فَهمُها والإقرارُ بها، فكيف يصير وقوع الظُّلمِ على عبدٍ (ظَفَراً وفوزاً) بل (خيرَ فوزٍ) ؟!

يكمل عليه السلام بيانه فيقول: 
أَمَا إِنَّ الْمَظْلُومَ يَأْخُذُ مِنْ دِينِ الظَّالِمِ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُ الظَّالِمُ مِنْ مَالِ الْمَظْلُومِ (الكافي ج2 ص334)
أو (مِنْ دُنْيَا الْمَظْلُومِ) كما عن الباقر عليه السلام.

لَقَد سَلَبَ الظالمُ الثاني ذريَّة الظالم الأول شيئاً من دنياهم وأموالهم، لكنَّهم أخذوا من دينه أكثر مما أوقع بهم، فما مقدارُ ما سَلَبَهُم أمام نعيم الجنّة الذي ينالُه هؤلاء مقابل صبرهم على ما يقع عليهم ؟!

وما مقدار ظُلامة يوم أو سنة أو عُمرِ أمام الخلود في جنّةٍ عرضُها السماوات والأرضُ ؟! فعنهم عليهم السلام: وَاللَّهُ يُعَوِّضُ هَذَا الْمَظْلُومَ بِأَضْعَافِ مَا لَحِقَهُ مِنَ الظُّلْم‏ !

هكذا يصيرُ وقوع الظُّلمِ على العباد المؤمنين فوزاً! وعلى الظالم وَبالاً ! 

أما في الدُّنيا: ففي نفسه أو ماله أو ذريّته ! 
وأما في الآخرة فَتَحرُمُ عليه الجنة، ويشتدُّ غضبُ الله عليه: اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّهُ ظُلُمَاتُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ !

وهكذا يصيرُ الخوفُ من وقوعِ البلاء على الذريَّةِ مانعاً للعاقل من ظلمِ عِبادِ الله، فمَن تجرأ وعصى ووقع البلاء على ذريَّتِه رَفَعَ الله درجتَهم بصبرهم إن كانوا من أهل الإيمان.. فلا ظُلم لأحدٍ في البَين.

ولَعَليٍّ عليه السلام كلمةٌ ساحرةٌ في نهج البلاغة حين يقول: 

وَلَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْك‏ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ، فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَنَفْعِك‏ !

هكذا يكونُ أهلُ الله، يصبرون على ما يقع عليهم من ظُلم، ويخشون ظُلمَ النّاس، لخشيتهم من ربِّهم أولاً، ولخوفهم على أنفسهم وعلى ذريَّتهم ثانياً.

كما يخشون أكلَ مال الحرام، فإنَّ: كَسْب الْحَرَامِ يَبِينُ فِي الذُّرِّيَّةِ (الكافي ج5 ص125).

أجارناَ الله تعالى مِن لقمة الحرام، ومِن كلِّ معصيةٍ.. سيَّما ظلم عِباده، بكلِّ ألوانه..

والحمد لله رب العالمين
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=162137
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 11 / 21
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 05 / 24