• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : رسائلُ سليماني والمهندس: هذا هو كلُّ شيء .
                          • الكاتب : د . علي مجيد البديري .

رسائلُ سليماني والمهندس: هذا هو كلُّ شيء

   ما مِن أحدٍ يمكنُ أنْ يقدّرَ حجمَ الانتصارِ مثل صانعِيهِ، هذا ما يمكنُ أنْ ننتهيَ إليهِ في قراءةِ مَشهدِ التضحيةِ الكبيرِ الذي خَتَمَهُ الشهيدان سُليماني والمهندسُ على أرضِ بغدادَ، بعدَ حياةٍ اتسعتْ مساحتُها لمعاركَ جهاديةٍ ومواقفَ عقديَّةٍ صُلبة.

  قدَّمتْ هذه الخاتمةُ خلاصةَ الحياةِ الاستثنائيةِ المُبهرة، إذ لم تكتفِ بما أُنجِز، فوجهتْ رسائلَها إلى قارئها؛ ولعلَّ مِن أبرزِها وأكثرِها بَياناً: أنَّ الحقَّ وأصاحبَه يواجهونَ خَطراً كبيراً وتحدِّياً مُستقبلياً من نوعٍ جديدٍ تتشعبُ صورُه وتتعددُ أذرعُهُ، ولا يخفى انتماؤه لمحورِ الباطلِ وأهلِه، والأمرُ الاستثنائيُ الجديدُ يتمثلُ في عدمِ تورُّعِ الاستكبارِ العالميّ عن ارتكابِ الجرائمِ الإرهابيةِ بشكلٍ سافرٍ ووَقحٍ، على مَرأى ومَسمَعٍ مِن العالمِ كلِّه؛ فهو قد تجاوزَ مرحلةَ التستّر في مُمارسةِ الإرهابِ الدوليّ، واستعمَلَ القوةَ وتصفيةَ الأشخاصِ الفاعلينَ في مقاومتِهِ وإحباطِ مُخططاتِهِ، بَعيداً عن الواجهاتِ المُؤسساتيةِ التي كانَ يتخذُ مِن قراراتِها غطاءً شرعيّاً لممارساتِهِ العدائيةِ وجرائِمِهِ، فلا وجودَ لمجلسِ الأمنِ ولا لمُسمياتٍ أخرى إزاءَ أفعالِ الاستحواذِ العلنيّ والاستلابِ، وهو ما يعدُّ تحوّلاً كبيراً وخَطيراً جدّاً، إنْ لم تفهمْهُ دولُ المنطِقةِ جَيداً وتتَّخذ الموقفَ المُناسبَ مِنه، فسيمنحُ الإرهابَ الدوليَّ شرعيةً غيرَ مَسبوقةٍ، ويمكنُ حينذاكَ أنْ تتكررَ هذه الجرائمُ متى شاءوا وأينما رَغِبوا. 

   الرِّسالةُ الأقوى للشهيدينِ تلكَ التي تحملُ بُعداً استراتيجياً عَميقاً، يتمثَّلُ في ضَرورةِ الاستمرارِ بتقويضِ مَساعي الاستكبارِ الخَبيثةِ وأطماعِهِ في تَحقيقِ مَصالِحِهِ على حِسابِ حَياةِ الشعوبِ وكرامَتِها؛ إذ تسعَى السِّياسةُ الأمريكيةُ إلى تكريسِ بقائِها عَلى قمّةِ الهَرمِ السِّياسيِّ والعَسكريّ والاقتصاديّ العالميّ بوصفِها قوةً مَركزيةً مُهيمنَةً، تنفردُ بتشكيلِ صُورةِ المُستقبلِ بما يَنسجمُ وأطماعِها المُتزايدةِ بخيراتِ الشّعوبِ المُستضعَفةِ، وهو أمرٌ يمثلُ بالنسبةِ لعرَّابيها هدفاً استراتيجياً مُهماً يحرصُونَ على ترسيخِ أسُسِهِ، وتنميةِ مقوِّماتِهِ في بقاعٍ مُختلفةٍ من العالمِ، ومَحوِ صورةِ أقطابِ القِوى المُتعددةِ التي رفعتْ شعارَها الدولُ الأوربيةُ سَابقاً، معَ تفعيلِ مُحاصرةِ أيةِ حركةٍ مُناهضةٍ لهذا المشروعِ، وتفكيكِها وإجهاضِها، فَضلاً عن تهشيمِ التوازنِ في القوةِ ما بينَ الدولِ التي هي موضعُ أطماعِها، واحتواءِ حضورِها المؤثّرِ في المنطقةِ.

    لا يمكنُ الفصلُ بينَ ما حدثَ وما سيحدُثُ، والمتأملُ في طبيعةِ المشهدِ السِّياسيِّ والعسكريِّ في المنطقةِ يدركُ الزَّخمَ الهائلَ للدلائل والمُعطياتِ التي تؤكّدُ سياسةَ (البلْطَجة) في تعَاطي دولةِ الاستكبارِ مع الشعوبِ الإسلاميةِ وخيراتِها، وتشكّلُ تفاصيلُ الأحداثِ والوقائعِ المُختلفةِ نَسقاً واحداً يمثلُ فكرةَ الاستكبارِ الكليّةِ ومشروعَه القديمَ الجَديد، عَبر استعمالهِ أدواتِهِ الرخيصَةِ مِنَ الحكومَاتِ العَميلةِ لتحقيقِ أهدافٍ آنيةٍ وأخرى استراتيجيَّةٍ بعيدةِ المَدى زَمانياً ومَكانياً، اتخذتْ صِيغاً مُختلفةً، لعلَّ أبسَطها توسِعة فِعلِ التشتيتِ والتمزّقِ ما بينَ مكوناتِ الشعوبِ الإسلاميةِ، تمهيداً لترتيباتٍ أمنيةٍ و(تطبيعيَّة) تقودُها أمريكا لتصفيةِ القضيةِ الفلسطينيةِ، وإذابةِ وجودِها تحتَ ذرائعَ شَتى مِنها مواجهةُ التهديداتِ الإيرانيَّةِ لأمنِ المَنطقةِ.

  لا ينفرد الجانبِ السِّياسيِّ في توجيهِ المَصالحِ المُختلفةِ لدولةِ الاستكبارِ، فالتغلغلُ العسكريُّ باتَ واقعاً، وهو أمرٌ له الصَّدارةُ في الحُضورِ، أما ما يتعلَّقُ بأبعادِ هذا الواقعِ فهي تمتدُّ لتصلَ إلى كلِّ ما يؤمِّنُ استمراريةَ وجودِهِ، وتسخيرِ كلِّ الطاقاتِ والقدراتِ في المَنطقةِ لخدمةِ هذا المَشروع. وقد مهَّدَ الاستكبارُ لهذا طوالَ أكثرِ من ثلاثةِ عقودٍ، بسعيهِ المُستمرِّ إلى تدويلِ أمنِ المنطقةِ العربيةِ وربطِها بمصالحِهِ وأمنِهِ، ويندرجُ في هذا المِضمارِ تنفيذُ التطبيعِ العربيِّ مؤخَّراً مع الكيانِ الصَّهيونيِّ الغاصِب، أو إبرازُه إلى العَلنِ بعدَ أنْ كانَ مَخفيّاً مِن قِبل بعضِ الحُكوماتِ العربيةِ المُطبِّعةِ. وكأنَّ المشهدَ بأسرِهِ يُعلنُ عن عُهرٍ دوليٍّ سياسيِّ وإرهابيِّ بوقاحةٍ لمْ تشهدْها البشريَّةُ في مراحلِ حياتِها السَّابقةِ.   

    لقد استطاعتِ المواقفُ المؤثرةُ للشهيدينِ أنْ تأسرَ هندسةَ الاستكبارِ وتقضَّ مَضجعَهُ؛ فالسنينُ الطويلةُ التي قَضاها الشهيدُ سُليماني في سوحِ الجِهادِ المُتعددةِ، والحضورُ القياديُّ للشهيدِ المُهندسِ في دَحرِ الظَّلامِ الدَّاعشي، فضلاً عن إفشالِ الحشدِ المقدسِّ بتضحياتهِ الكبيرةِ المُخططَ الصهيو/أمريكيَّ الخَطير، كلٌّها قالتْ عَمليَّاً أنَّ مواجهةَ الباطلِ تقفُ موحَّدةً عَقدياً ومَبدئياً، لا ترهبُها دولةٌ لديها عناصِرُ القوةِ العسكريَّةِ والسياسيةِ والاقتصاديةِ وتمارسُ غطرستَها بكلِّ صلافةٍ على دولِ العالمِ الإسلاميِّ. 

     لا شكَ أنَّ رسالةَ هذهِ الدِّماءِ الطَّاهرةِ لا تعوِّلُ على عَديمي البَصيرةِ مِن حُكامِ المَنطقةِ، فهي توجِّهُ صوتَها إلى الشّعوبِ الحُرَّةِ والعقولِ المُبصرةِ التي تمثِّلُ القوةَ الحقيقيةَ المؤثرةَ في المواقفِ المَصيريةِ والظروفِ الحَرجةِ؛ فصوتُ هذي الدِّماءِ لا تعني أمراً مُحدَّداً من دونِ آخر، إذ أصبحتْ وسيلةً للنظرِ نحوَ أفقٍ أوسَعَ، تتجاوزُ الموقفَ الواحدَ والسِّياقَ المُحددَ، إنّها تخلْقُ لغةً جديدةً تضيفُ لمعجمِ السَّياسةِ وسيرةِ التحدياتِ مَشكاةً تنبضُ بالقوةِ والأملِ والتفاؤلِ بمستقبلٍ أفضلَ قريبِ التحقّقِ. ومِن الواضحِ أنَّ امتزاجَ دماءِ البطلينِ الاستثنائيينِ في مُجابهةٍ واحدةٍ كانَ مُقدّراً من السَّماءِ، ليكونَ حُجة ًمُزلزِلةً وقويَّةً تحرِّكُ الضَّمائرَ الرَّاكدةَ والقلوبَ الغافلةَ لتنتبهَ إلى الخطرِ الكبيرِ الذي يُحدِقُ بها ويهددُ وجودَها. بامتزاجِ الشهادتينِ تأكيدٌ على صِلةٍ عَميقةٍ وراسخةٍ ووحدةٍ في الفكرِ والرّوحِ والأهدافِ، لنْ تنفصلَ لأنَّها ترتكزُ إلى الشعوبِ وحشودِها المُرتبطةِ بعقيدتِها الإسلاميةِ .  
  
   ها قَد قدمتْ هذه الدِّماءُ أسئلةً بقدْر ما وجَّهتْ رسائلَ، فتحتْ أفقاً رحْباً للتضحيةِ ومُستقبلِ الحياةِ، ودفَعتْ بسؤالِها الكبيِر إلى الوَاجهةِ: لقدْ أدركْنا الفتحَ،  فمَا ذا بشأنِكم أنتُم ؟
د . علي مجيد البديري




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=163468
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 01 / 03
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 08 / 19