• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الولايتين التكوينية والتشريعية .
                          • الكاتب : الشيخ احمد الساعدي .

الولايتين التكوينية والتشريعية

وقد أثبتت البحوث العقائدية في محلها أن لأهل البيت (عليهم السلام) الولايتين التكوينية والتشريعية.

ماهو الدليل على الولاية التكوينية

المقصود من (الولي) هو المتصرف والأولى بالتصرف, وإذا كان متعلق التصرف أمورا ترتبط بعالم التشريع فإنها تطلق على الولاية التشريعية وإذا كان متعلق التصرف أمورا ترتبط بالكون وعالم الوجود كالاحياء والاماتة والقبض والبسط والايجاد والخلق والمنع فإنها يطلق عليها ولاية تكوينية. ولعلك من وراء سؤالك تريد إثبات الولاية التكوينية لغير الله تعالى من المخلوقات وإلا فلم يقع كلام في ان الله سبحانه وتعالى هو الولي مطلقاً تشريعاً وتكويناً

قال تعالى (( فالله هو الولي )) (الشورى:9).

والولاية التكوينية ثابتة لغيره تعالى وذلك بثبوتها للملائكة. يقول تعالى (( فالمدبرات أمرا )) (النازعات:5). وبقوله تعالى: (( قل يتوفاكم ملك الموت )) (السجدة:11).

والولاية التكوينية ثابتة أيضاً للأنبياء والجن والناس من غير الأنبياء, فعن الأنبياء يتحدث القرآن عن عيسى (عليه السلام) بقوله: (( وابرىء الأكمه والأبرص واحيي الموتى بإذن الله )) (آل عمران: 49). فالآية واضحة في اثبات الاحياء لعيسى (عليه السلام) وهو تصرف تكويني.

وعن الجن يقول تعالى: (( قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين )) (النحل:38-39).

أما ثبوتها لغير الأنبياء من الناس فبقوله تعالى (( قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك )) (النحل:40).

ثم إن ذكر العلم هنا في هذه الآية ووجوده عند هذا الشخص دون ذلك الذي كان من الجن يشعر ان لهذا العلم مدخلية في التصرف, وإلاّ لكان ذكره لغواً لا ضرورة له.

فالولاية التكوينية ثبتت لمن عنده علم من الكتاب، فهي قطعاًً تثبت لمن عنده علم الكتاب! لأن للعلم كما قلت مدخلية وعلية في التصرف التكويني, وقد قال تعالى: (( ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب )) (الرعد: 43).

ولا تعارضها الروايات الأخر, لأنها روايات آحاد والمتواتر يقدم على الآحاد وهناك من الروايات المتظافرة من طرق الفريقين أن هذه الآية نزلت في الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام).

هُنالك عدد من النصوص الروائية تدلّ على أنّ الله تعالى منح الولاية التكوينية لبعض المخلوقات، سواء كانوا أنبياء، أم أولياء، أم ملائكة، أم جنّاً.

الأدلّة الروائية

عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:”کان مع عیسی بن مریم حرفان یعمل بھما، وکان مع موسى عليه السلام أربعة آحرف، وکان مع إبراهیم ستة أحرف، وکان مع آدم خمسة وعشرون حرفاً، وكان مع نوح ثمانية وجمع ذلك كله لرسول الله صلی الله عليه وآله وسلم، إن اسم الله ثلاثة وسبعون حرفاً، وحجب عنه واحداً“.[26]

عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ”كان سُليمان عنده اسم الله الأكبر الذي إذا سأله أعطى، وإذا دعا به أجاب، ولو كان اليوم لاحتاج إلينا“.[27] وغيرها من الروايات.

عن أبي جعفر عليه السلام قال: «يا جابرُ، ما سترنا عنكم أكثر مما أظهرنا لكم...إنّ الله قد اقدرنا علی ما نُرید، فلو شئنا أن نسوق الأرض بأزمتها لسقناها“.[28]

عندما خلق الله تعالى العالم، جعل فيه نوعين من الأنظمة

النوع الأول الأنظمة التشريعية

وهي المقررات التي شرّعها الله تعالى لتنظيم علاقة العبد بربه، وعلاقة الإنسان بالإنسان الآخر، وعلاقة الإنسان بالأشياء عموماً في هذا العالم.

ويُطلب من الإنسان أنْ يفعلها باختياره، فهي داخلة تحت اختيار الإنسان عموماً، وهي باختصار التكاليف الشرعية.

وهذه التكاليف قد تكفّل الدين ببيانها تماماً، وليس يُطلب من الإنسان إلا أن ينفذّها بالصورة التي أرادها الشارع منه.

النوع الثاني الأنظمة التكوينية

وهي الأنظمة العامة التي خلقها الله تعالى في هذا الكون، لتنظيم أمور الكون عموماً، وهي غير داخلة تحت اختيار الإنسان.

وبالتالي لم يُكلّف الإنسان باتجاهها بأي تكليف، سوى الرضوخ للنظام المذكور.

فمثلاً، من القوانين التكوينية في هذا العالم هو نظام وقانون (الموت) فهو قانون جعله الله تعالى، وليس للإنسان أي دور فيه..

ولم يُكلّف الإنسان بتحصيل الموت لنفسه مثلاً، ولا يُعاقب إذا وقع الموت عليه بالصورة الطبيعية.

وهكذا قانون (الجاذبية) وقانون (مطر الغيوم) وقانون (توتيد الأرض بالجبال) وقانون (أن الماء يروي) وقانون (إحياء الموتى) وقانون (أن السم يقتل) وغيرها.

ومن له الإذن من الله تعالى على تشريع الأحكام التشريعية، يُقال فيه إن له الولاية التشريعية..

ومن له الإذن من الله تعالى بالتحكم في قوانين هذا العالم التكوينية، يقال فيه إن له الولاية التكوينية.

فمن ذلك ما ورد مما يحدث بينه (عجل الله تعالى فرجه) وبين (الحسني) الذي كان يعرف حقانية المهدي (عليه السلام) ولكنه يطلب منه بيّنة يُقيمها من أجل أنْ يُقنع جيشه بأنه المهدي، فتقول الرواية:

(فيلحقه رجل من أولاد الحسن في اثني عشر ألف فارس ويقول يا بن العم أنا أحق منك بهذا الأمر لأني من ولد الحسن وهو أكبر من الحسين..

فيقول المهدي إني أنا المهدي فيقول له هل عندك آية أو معجزة أو علامة؟ فينظر المهدي إلى طير في الهواء فيومي إليه فيسقط في كفه، فينطق بقدرة الله تعالى ويشهد له بالإمامة..

ثم يغرس قضيباً يابساً في بقعة من الأرض، ليس فيها ماء فيخضرّ ويورق، ويأخذ جلموداً كان في الأرض من الصخر، فيفركه بيده ويعجنه مثل الشمع..

فيقول الحسني: الأمر لك فيسلم وتسلم جنوده)

فمثل هذه التصرفات هي تفعيل لولايته (عجل الله تعالى فرجه) التكوينية، وهي ليست بدعاً مما جاء به الرسل..

ومن الروايات الدالّة على ذلك، ما روي عن محمد بن مسلم الثقفي قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) يقول القائم منا منصور بالرعب، مؤيد بالنصر تُطوى له الأرض وتظهر له الكنوز قال امامنا علي الرضا _عليه السلام_ ضمن حديث ذكر فيه بعض خصائص المهدي الموعود عجل الله فرجه الشریف

فاذا خرج أشرقت الأرض بنوره ووضع ميزان العدل بين الناس فلا يظلم أحد أحداً، وهو الذي تطوى له الارض ولايكون له ظل وهو الذي ينادي منادٍ من السماء يسمعه جميع أهل الارض بالدعاء اليه يقول: ألا ان حجة الله قد ظهر عند بيت الله فأتبعوه فان الحق معه وفيه وهو قول الله عزوجل: "إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ"(سورة الشعراء٤).

وأيضا عنه عليه السلام فهي انه عند ظهوره عجل الله فرجه يوضع ميزان العدل الالهي فلا يظلم أحد أحداً أي ان العدل يكون منهج وسلوك جهاز الحكومة وكذلك الأمة والناس عموماً وبذلك تملأ الارض قسطاً وعدلاً.

وفي ذلك يتحقق المصداق الاكمل للهدف من الرسالات الالهية المشار اليه في الاية الخامسة من سورة الحديد حيث يقول عز من قائل "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ"(سورة الحديد ۲٥)

الملاحظة الأولى من الولاية التكوينية للمولى المهدي (عليه السلام) هي مسألة عرض أعمالنا عليه، وهذا يجعلنا تحت دائرة المراقبة منه (عليه السلام)..

مما يعني ضرورة الاستحياء من فعل الحرام لو تجرأ أحدهم على فعله..

وفي نفس الوقت هو يُمثل دافعاً لنا لفعل الأمور التي تُرضي الله تعالى وترضي المولى عنا.

روي عن عبد الله بن أبان الزيات، وكان مكيناً عند الرضا (عليه السلام) قال:

قلت للرضا (عليه السلام): ادع الله لي ولأهل بيتي، فقال: أو لستُ أفعل؟ والله، إن أعمالكم لتعرض عليّ في كل يوم وليلة.

قال: فاستعظمت ذلك، فقال لي: أما تقرأ كتاب الله عز وجل:

(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) التوبة 105

قال: هو والله علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وعن داود بن كثير الرقي، قال: كنت جالساً عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ قال مبتدئاً من قبل نفسه

يا داود، لقد عُرضت عليّ أعمالكم يوم الخميس، فرأيتُ فيما عُرض عليّ من عملك صلتك لابن عمك فلان، فسرّني ذلك...

فأعمالنا تُعرض على إمام زماننا، وكل واحد منّا مسؤول عن فعله، إن شاء الله أن يسرّ إمامه أو أن يحزنه، فكل نفس بما كسبت رهينة!

الملاحظة الثانية

إن الإنسان المؤمن يمكنه الوصول إلى بعض مراتب الولاية التكوينية فيما إذا التزم منهاج التقرب إلى الله تعالى

إخباره عجل الله فرجه بالمغيَّبات

 

روى الشّيخ الصّدوق قال: حدّثنا أبو الأديان قال كنتُ أخدم الحسنَ بن عليّ ( العسكريّ ) عليه السّلام وأحمل كتبه إلى الأمصار فدخلتُ عليه في علّته الّتي تُوفّي فيها صلوات الله عليه، فكتب معي كتباً وقال: إمضِ إلى المدائن فإنّك ستغيب خمسة عشر يوماً وتدخل إلى سُرّ مَن رأى يوم الخامس عشر وتسمع الواعية في داري وتجدني على المُغتسَل.

قال أبو الأديان فقلت يا سيّدي، فإذا كان ذلك فمَن قال مَن طالَبَك بجوابات كتبي فهو القائم من بعدي، فقلت زِدْني، فقال مَن يصلّي علَيّ فهو القائم بعدي، فقلت زدني، فقال مَن أخبر عمّا في الهِميان.

وخرجتُ بالكتب إلى المدائن وأخذتُ جواباتها، ودخلت سرّ من رأى يوم الخامس عشر كما ذكر لي عليه السّلام فإذا أنا بالواعية في داره وإذا به على المغتسَل وإذا أنا بجعفر بن عليّ أخيه بباب الدّار والشّيعة مِن حوله يُعزّونه ويُهنّئونه فقلت إن يكن هذا الإمام فقد بَطَلَت الإمامة! فتقدّمت فعزّيتُ وهنّيت فلم يسألني عن شيءثمّ خرج عقيد

( الخادم ) فقال لجعفر يا سيّدي قد كُفِّن أخوك فقُم للصلاة عليه، فدخل جعفر والشّيعة من حوله.. فلمّا صرنا في الدّار إذا نحن بالحسن بن عليّ ( العسكري ) صلوات الله عليه على نعشه مكفّناً، فتقدّم جعفر ليصلّي على أخيه، فلمّا هَمّ بالتّكبير خرج صبيٌّ بوجهه سُمرة بشَعره قَطَط بأسنانه تفليج، فجذب رداءَ جعفر بن عليّ وقال: يا عمّ تأخَّرْ؛ فأنا أحقُّ بالصّلاة على أبي. فتأخّر جعفر وقد آربدّ وجهُه واصفرّ، فتقدّم الصبيّ فصلّى عليه، ودُفن إلى جانب قبر أبيه ( الهادي ) عليهما السّلام.

ثمّ قال ( الصبيّ ) يا بصريّ، هاتِ جوابات الكتب التي معك. قال أبو الأديان: فدفعتُها إليه، وقلت في نفسي: هذه اثنتان بقيَ الهِميان ثمّ خرجتُ إلى جعفر بن عليّ وهو يَزفُر... فنحن جُلوسٌ إذ قَدِم نفرٌ من قم فسألوا عن الحسن بن عليّ صلوات الله عليه، فعرفوا موته فقالوا: فمَن نُعزّي ؟ فأشار النّاس إلى جعفر، فسلّموا عليه وعَزَّوه وهنّأوه وقالوا إنّ معنا كتباً وأموالاً فتقول ممّن الكتب وكم المال ؟ فقام ينفض أثوابه ويقول يريدون منّا أن نعلم الغيب!

فخرج الخادم فقال معكم كتب فلانٍ وفلانٍ وفلان، وهِميانٌ فيه ألف دينار وعشرة دنانير منها مطلسة((اي ممحوه نقشها)) فدفعوا إليه الكتب والمال وقالوا الذي وجّه بك لأجل ذلك هو الإمام

( كمال الدّين وتمام النّعمة للشّيخ الصّدوق 475 ـ 476 ).

▪️عن محمّد بن عبدالله المطهّري عن حكيمة بنت محمّد الجواد عليه السّلام وقد سألها عن حديث مولد الإمام المهديّ عليه السّلام، فقالت: لقد رأيتُه قبل مضيّ أبي محمّد ( الحسن العسكري عليه السّلام ) بأيّامٍ قلائلَ فلم أعرفه، فقلت لأبي محمّد عليه السّلام: مَن هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه ؟ فقال عليه السّلام: هذا ابنُ نرجس، وهو خليفتي مِن بعدي، وعن قليلٍ تفقدوني فاسمَعي له وأطيعي.

قالت حكيمة: فمضى أبو محمّد عليه السّلام بعد ذلك بأيّامٍ قلائل، وافترق النّاس كما ترى، وواللهِ إنّي لأراه صباحاً ومساءاً وإنّه لَيُنبّئني عمّا تسألوني عنه فأُخبركم، وواللهِ إني لأريد أن أسأله عن الشّيء فيبدأني به.. ( كمال الدّين وتمام النّعمة للصّدوق 426 / ح 2 ).

والحمد لله رب العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد خاتم النبيّين وعلى آله الطيّبين الطاهرين




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=163508
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 01 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 08 / 15