• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : إعرفْ عدوّكَ تَفُزْ .
                          • الكاتب : محمد جعفر الكيشوان الموسوي .

إعرفْ عدوّكَ تَفُزْ


يدأب الكثير من الكتّاب والمثقفين والخطباء والمبلغين على إلقاء تبعات الجهل الذي يضرب أطنابه في مجتمعنا على (الأعداء). فالأعداء هم أساس المصائب التي تقع على رؤوسنا وهم سبب تقهقر مجتمعنا يوما بعد آخر، والأعداء باتوا كالسحر الذي يفرّق بين المرء وزوجه، والأعداء هم من يشيع الفاحشة والمنكر والرذيلة في المجتمع، والأعداء هم الذين يدعون بعض المثقفين بأن يظهروا على شاشات التلفاز بمظهر المهرجين الصخاّبين وكأنهم في مقهىً شعبي من مقاهي بغداد أيام زمان أو كأنهم في مجلس مجادلات عقيمة يحتسون القهوة قرب الموقد (المنقلة) في بيت أبو فلان، حتى الطاعن في السّن من ذوي الألقاب الطويلة لا يعتني بنفسه ولو حضورا وفي المقام الذي يظهر فيه ولا يقيم وزنا لمن يشاهده ويسمعه وهو يهزّ بمسبحته (الكهربية) إستخفافاً بالتسبيح لله تعالى ثم يحسب نفسه من المتدينين ـ وذلك من عجائب الدنيا العجيبة ـ، ويعبث بنظارته المتسخة بشكل مقرف وهو يناقش مسألة إجتماعية خطيرة كالإخلاص في العمل مثلا في برنامج (كلامي) على شاشات الفضائيات ويخيّلُ إليه أنه هو المنقذ المنجي والمفكر المتبحر والفذ لا يتكرر لأنه يتختم بالعقيق اليماني القرمزي وبالفيروز آبادي الأزرق السماوي، سقطات لسانه لا تُعد وسفاهة أفكاره لا تُحصى، والسبب كما يُراد له هو (الأعداء). الطالب عندما يرسب في الإمتحان يكون ذلك بسبب الأعداء والزوجة التي لا تجيد إعداد طبق متواضع تشتم الأعداء فقد كمنوا لها في وصفة إعداد الطعام وتلاعبوا بالمقادير فأفسدوا عليها (الأكلة) فإحترقت وتفحمت ففسدت. وسوء حالنا ما كان ليكون يوما لولا الأعداء وتربصهم بنا الدوائر، والإفلاس الأخلاقي والإجتماعي ينشره الأعداء دون أدنى رَيْب. والتشرذم الذي نحن فيه بعدما كنا بيتاً واحدا يُشار إلينا بالبنان هو من عمل الأعداء، وتفتيت أواصر الأخوة والمحبة التي تجمعنا كشركاء في الوطن الواحد هو من غواية الأعداء وغمزهم ولمزهم وقرصهم وخدشهم وجشعهم وطمعهم وعدم نقاء سريرتهم ونفاقهم ونفثهم في العُقَد وشرّهم في الحسد وضرهم في السهو والعَمَد، فتفرقنا كأخوة متحابين في الله لنصبح على حين غرّة الأخوة الأعداء المتخاصمين في الشيطان. نَبَذْنا المحبةَ والمودةَ والقليلَ من الإحترام عند الإختلاف، وأظهرنا الغلظة والبغض والكثير من العبوس بدل التبسم، والتشهير بدل التستر، والغيبة بدل المصارحة والمكاشفة، والتلويح بالويل والثبور بدل خفض الجناح وانشراح الصدور. لو تساءل أحدنا عن سبب سوء حالنا لأجاب نفسه  وعلى الفور: الأعداء هم السبب.
يحذّرُ جلّ المفكرين والكُتّاب والمثقفين من الأعداء في كلّ شاردة وواردة، بمناسبة ومن غير مناسبة ولكن يبقى المقصود من الأعداء (في قلب الشاعر) أو كطلسم من طلاسم السحرة القدماء. نتهرب من حقيقة التعرف على العدو (الكبير) الذي يأوي  إليه مّن يشاء مِن هؤلاء الأعداء الصغار ويرسم لهم خارطة غواية بني البشر والإيقاع بهم في شرك التخاصم الذميم. نتهرب وكعادتنا من السعيّ بجدٍ وصدقٍ وإخلاصٍ إلى اللحاق بأممٍ لن تتوقف يوماً عن المسير قُدُما نحو المستقبل المشرق ليعيش الفرد محترماً كآدميّ كرّمه الذي خلقهُ تبارك وتعالى "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا".
شمّاعة الأعداء..
من الطريف بمكان ذِكرُ هذه الحادثة التي تدعوا للتبسم وإن لم يكن في محلّه فقد هجرنا الإبتسامة منذ أمد (ربما أيضا بسبب الأعداء). إجتمع في أحد المجالس جمع غفير من المتحدثين الذين أحضِروا لمعالجة سبب تخلف مجتمعنا عن الركب الحضاري المعاصر. قام كبيرهم سنّا ليدلوا بدلوه في الدلاء ويشخص العلل الحائلة دون تقدمنا في شتّى العلوم والمهارات فقال :" أحذروا الأعداء فإنهم أخطر داء وأفتك مرض" وكان يغمز إلى من يجلسون معه في الصف الأول. ثم قام آخر فقال: لا يسأم الأعداء من بذر بذور الشقاق بيننا ومحاولة – تفريقنا – إن إستطاعوا إلى ذلك سبيلاً فهم كالمنافقين " يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ". ثم إنبرى ثالث وقد إستشاط غضبا مما سمعه من الأَوَلِيَيْنِ فقال : "يحاول الأعداء أن ينفوا عن أنفسهم ما سببوه لنا من الصداع ووجع الرأس وقلّة الحيلة والتشرذم والتفرق والتخبط وسوء الحال وتواتر الإنتكاسات وتتابع التصدعات ووووو.... (لا أدري ماذا كان يقصد واقعا بـ وووو.... فقد ذكر الكفاية من الصفات وزيادة!!!). أمّا الرابع الذي كان قد أغمض عينيه اثناء الخطابات الرنّانة وارخى جفونه الذابلات من كثرة السهر والأرق في (تكسير الحساب من ضرب وقسمة والباقي الذي لا يقبل القسمة يضعه في الجيب) أغمض عينيه ليستمتع بما سيراه في عالم "الأحلام والإستجمام) فقام وقال : " أيها السادة.. ألا تَرون معي أن الأعداء يحيطون بنا من كلّ جهة ـ وأشار بسبابته إلى الحضور ـ فخزرهُ أحدهم بنظرة وقحة وحادّة  فإستدركَ قائلا:" كما يحيط بنا السادة الحضور الكرام هنا في هذه القاعة. أمّا خامسهم فقد نهض مسرعاً ولم يعتلِ منصة الخطابة لإنقطاع الكهرباء الوطنية، وقف أمام الحضور وسط القاعة وقال : إنّ العدو هو الذي لا نرى له رسما ولا نسمع له ركزا فهو بيننا كاحدنا يتقمص أدوارنا بحرفية عالية فالحذر الحذر يا سادة ياكرام.. لم أعرف وقتها عمن كان يتحدث ذلك المحترم لكني أظن انه كان يقصد (الجن) أو (الشياطين) أو شيء بين هذا وذاك إسمه (أعداء)!! واضح أن كلمة الأعداء هي كرة لهب نرميها في ملاعب غيرنا لننتصر (كرويّا) عليهم ولو لِحِين.
تعليق..
إنتهى ذلك المجلس الإستعراضي وكلّ قد (فشَّ خلقه) وادّى الواجب في المقام، فصفع من يراه مؤهلا لأن يكون عدوا يحذره الناس ويتقون شروره ويتجنبون مكره وخداعه وغشه وغروره. لم يشر أحد من المحاضرين ـ للأسف ـ في ذلك المجلس إلى العدوّ الحقيقي الذي إن حاربناه بعزم وإرادة فسوف لن يهددنا أخطر الأعداء شأنا وأكبرهم عددا واشدهم بأساً وأكثرهم حيلة. أجل أيها المحترم.. أن النفس هي العدو الحقيقي الكامن قبل العدو الظاهر لكننا لا نريد إكتشاف ذلك ولا نريد إقرار ذلك تهربا من تبعاته وإستحقاقاته. لم نسمع عبارة الإقرار أو الإستحقاق  إلاّ في المسائل الحسبية وعند تقاسم الغنائم وعندما تتفرق بنا السُبُل. أيّ عدوّ لنا اخطر من النفس الأمّارة بالسوء! آهٍ ثم آهٍ ثم آه لو إشتغلنا بمعائب أنفسنا وأوجدنا في داخلنا مصفاة تطرح خارج القلب سموم الأفكار الضارة الهدّامة. آهٍ ثم آهٍ ثم آهٍ لونزعنا رداء الأنانية والكِبرِ والتكبر المهلك ولبسنا لباس التواضع والتسامح المنجيّ. أن النفس الأمارة بالسوء هي العدو الكبير الذي يأوي إليه بقية الأعداء الصغار. تلك النفس الأمارة هي أشبه بقاعة إجتماعات تُنَّظم فيها اللِقاءات وتُعقد فيها الصفقات  وتُرَّتَبُ فيها الأدوار وتُمنح فيها الصلاحيات في التجاوز والتنابز والتشهير والتسقيط والتشرذم والتفتت. الإشتغال بالنفس وحملها على التخلي عن وساوس الشيطان وغيه ونزغه ووسوسته، والتحلي بالتقوى والفطنة واليقظة هو السبيل الأمثل للنجاة من عداوة الشيطان اللعين الرجيم. الفوز والنجاة يكمنان في محاربة أهواء النفس التي تصبو إلى أن تحوي الدنيا وما فيها ولا تشبع ولا تقنع  كجهنم "يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ". إن إلقاء تبعات ضعف الإيمان وشياع الجهل وشدة التخلف الذي بدأ يضرب بقوة في أوساط شبابنا مع محاولات مسخ هويتنا الأخلاقية بشتى وسائل الإغراء الشيطانية، إن إلقاء ذلك وغيره مثله على الأعداء وحسب هو عين التهرب من الواقع السيء الذي نعيشه اليوم والذي نأمل ان لا يمكث فينا طويلا. لقد عشنا فيما مضى ولسنين عجاف أكلنَّ ما إدخرناه من الشباب الواعي في زمن الطاغوت المتفرعن الهالك فقد جعل لنفسه سلطانا على مقدرات الناس وعلى عقولهم وكيفية تفكيرهم على الأقل ما يجهرون به من قول وفعل وترك، فالصلاة لله تعالى كانت في الخفاء والتستر، وزيارة أولياء الله صلوات الله عليهم كانت بالتنكر ولبس اللِثام واحيانا الظهور بمظهرالمجانين للنجاة من الطاغية كما كان يفعل البهلول أيام العباسيين النحسات، وإطلاق اللحى كانت من المحرمات الفرعونية وإطاعة الوالدين كان شركاً بالطاغوت الفرعوني وعبادة الله كانت من التحجر وعدم التحضر وصلة الأرحام عُدّتْ في زمن المتجبرين من المخاطر التي تخطط لهدم عرش الطاغوت. أن فرعون أشاع في قومه مسألة الأعداء (الوهميين) ليشغلهم عن الإلتفات إلى عدو الله الحقيقي ومحاسبته وعدم الرضوخ لظلمه ولو بكلمة حق تقال بوجهه. لقد حرّض فرعون قومه على موسى ووضع كعدوّ لهم يريد ان يخرجهم مما هم فيه من الترف ورخاء العيش والتنعم بخير ات الأرض وما تنبت من دهن وصبغ، لكنه بان على حقيته أنه أحقر من جناح بعوضة عند الله تعالى فطمس الله على أمواله وجعل في البحر مهلكه ولات حين منقذ من الغرق هو زجنوده بما كانوا يستكبرون بغير وجه حق وبما عصوا ربهم وانكروا يوم الحساب.
لقد ضرب الله سبحانه وتعالى لنا مثلاً عن فرعون الطاغية الذي إستخف قومه وكذّب عليهم وإستهزأ بعقولهم "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ" ثم بين الله تعالى لنا أن فرعون المتمرد  لم ينفع معه وعظ موسى ع ولا نصحه فلم يهتدِ فرعون ولم يخش الله ويتقه إنما إزداد ذلك المتجبر ظلما وعدوانا فبدأ يؤلب قومه على نبيّ الله موسى ويحشر في المدائن ليأتي بالسحرة الذين سيغلبوا موسى بسحرهم (كما يرى هذا الفرعون الاحمق). لاحظ ايها المحترم.. كيف أن كيد فرعون الكذّاب كان ضعيفا وسخيفا فهو يدعّي أن لا إله غيره ولكنه يستعين بالسحرة على موسى ع فلا حيلة عنده سوى الطغيان وقمع الناس ومحاربة الحق وأهله " هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى".
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=164007
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 01 / 19
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 06 / 30